د. علي ضاهر
قصة من الخيال مبنية على الواقع.
استيقظ ذات صباح فرانسوا ليغو، رئيس وزراء كيبيك، بمزاج عكر، يشبه طقس المقاطعة في كانون: غائم، بارد، ومليء بالضباب. وقف أمام النافذة المطلة على نهر سان لوران، تأمل المياه التي تجري منحدرة بلا توقف، كشعبيته التي بدأت تتقهقر في استطلاعات الرأي. قال في نفسه، مستعيراً من لينين اسم كتاب: ما العمل؟ كيف أعيد المواطنين إلى الإيمان بي ومن ثم الى حضني الانتخابي الدافئ؟ هل أوزع عليهم مساعدات، الميزانية لا تسمح وإيريك جيرار بخيل لن يوافق؟ أم أعطيهم عطلة رسمية، والعطل أكثر من الهم على القلب؟ ام أطلق مهرجانًا للفرنسة، والفرنسية في تدهور حتى في منشأها الأصلي فرنسا ولم يعد يُهتم بها الا باستعمال او العصى او المحفزات؟
لكنه تذكّر وصفة فرنسية: عليك الرَكّ على علمانية مطعّمة بالخوف. اتصل بصديقيه: برنار درانفيل، وزير التربية وصاحب البنية التي تليق بمصارع روماني، وجان فرانسوا روبيرج، وزير الهجرة والفرنسة والاندماج، الذي كان في شبابه رئيسًا لمنظمة "قوة الشباب" والذي يبدو أنه لا يزال يعتقد أن السياسة تُدار بالعضلات المفتولة وليس بالحوار والإقناع.
اجتمع الثلاثة في منزل ليغو. روى لهما حلمًا غريبًا أشبه بحلم ليلة صيف الشكسبيرية حيث يسمح قانون جائر بالإجبار على فعل أمر ويهدد بالإعدام في حال الرفض. قال: زارني ماكرون ليس بمعية بريجيت، بل بصحبة ماري لوبان، وقالا "يا فرنسوا، نعلم ان وضعك الانتخابي ليس على ما يرام. إن أردت تعديل الأمور والفوز، فعليك بالعلمانية، هي الوصفة السحرية والدواء الأمضى في صراعك الانتخابي الوجودي، ركّز عليها، استخدمها كمنشفة تُمسح بها كل ما لا يُفهم، وكل من لا يُشبه الصورة النمطية للمواطن الأبيض، الكاثوليكي، الناطق بالفرنسية! احرص على استخدامها مغلفة بوسائل التخويف من الآخر ولا سيما من المسلمين، فهم الحلقة الأضعف والأنسب لسردية الهوية والعلمانية، لما للإسلام من موقع غير مستحب في الذاكرة الجمعية الأوروبية بشكل عام والفرنسية بصورة خاصة. ضخّم الحوادث الفردية التي يقوم بها بعض جهلتهم، واجعل منها تهديدًا. ولا تنسَ إظهار نفسك كحامي الهوية ورافع رايتها، حتى لو كانت غريبة عنك. كما ويمكنك فرض القوانين عليهم حتى ولو رفضوا. فهم في وضع مشتت ومقسّم ويفتقدون عنصر الضغط!
هزّ الوزيران القويان رأسيهما إعجاباً بكلام الزعيم، وقالا: "فكرة ممتازة، يا ريس. سنؤلف لجنة، ونكتب تقريرًا، ونقترح توصيات تمنع الرموز، تراقب الصلاة، تُعيد تعريف الحياد، وتُظهرنا كفرسان الهوية وابطال العلمانية في وجه الغزو القادم من الحدائق ورياض الأطفال. كما وتُظهرنا حماة المواطنين من تغلغل خطر الإسلام في المؤسسات ولا سيما التربوية. فنحن قد ركّزنا كثيرا في الفترة الماضية على قضية مدرسة بيدفورد حيث تمّ تعليق عمل 11 معلّمًا بسبب مزاعم تتعلق بوجود بيئة إسلامية مسمّة داخلها. كما وضخمنا تأثير المهاجرين على الأوضاع الحياتية عندنا وملأنا سماء المقاطعة بالكلام عن حياد الدولة والعلمانية وركّزنا كثيرا على عدم تقبل المسلمين للعلمانية وكرههم لها!
وبالفعل، أُعلن عن تشكيل لجنة لدراسة احترام مبادئ قانون علمانية الدولة والتأثيرات الدينية. وبعد أشهر من الاجتماعات التي شرب فيها الأعضاء الكثير من القهوة وسرد النكات، خرجوا بتوصيات تقتضي بتعزيز مكانة العلمانية في الدستور، كمنع الرموز الدينية عن موظفي التعليم المبكر، لأن الحجاب، حسب رأيهم يهدّد مستقبل الحياة في رياض الأطفال؛ ووقف دعم المدارس الدينية تدريجياً كونها تساعد في تشرذم المجتمع؛ ومنع الصلاة في الأماكن العامة وخصوصا في الشوارع لأن الصلاة هناك، حسب رأيهم، تُعتبر تهديدًا للأمن القومي.
استلم ليغو التوصيات التي جاءت على شكل وصفة سياسية، سمنة على عسل، صالحة للانتخابات القادمة، فوجد فيها المكونات التالية: قليل من الرموز الدينية، كثير من حياد الدولة، تنظيم قضية الصلاة في الأماكن العامة. كلها توصيات، نظرياً لا تفرق بين المواطنين، إلا انها فعليا وعمليا موجهة ضد المسلمين. انفرجت اسارير ليغو وقال في سره: ها قد عدنا إلى اللعبة. العلمانية ليست فقط مبدأ، إنها أداة يمكن استخدامها في مجالات أخرى، كالانتخابات مثلا، لا حصرا. ثم ضحك، كمن اخترع بارود العلمانية وفاته ان اترابه في بلدان كثيرة من العالم يستعملونها عندما تدعو الحاجة. هاتف الوزيرين الفتوة وقال لهما: الخطوة القادمة، أيها العزيزان، ستكون اصدار قوانين بمنع الصلاة في الحدائق والشوارع حتى ولو ضربنا عرض الحائط بشرعة حقوق الانسان! ثم أردف: سنواصل ضغطنا في ميادين اللغة والهوية والعلمانية حتى ولو اضطررننا الى منع الفلافل من المدارس وشطبها من المطبخ الكيبيكي بشكل عام وذلك لاحتوائها على توابل ضارة قد تؤثر على صفاء الهوية وتربك مصارين العلمانية. ففي النهاية الفلافل تهدد نقاء الذوق الكيبيكي كما وتفسد عملية الاستمتاع بالبوتين!
وبعد انتهاء المخابرة مع الوزيرين، توجه ليغو نحو الشرفة، وقف ونظر إلى نهر سان لوران وقال في نفسه: لقد فعلناها يا ماكرون ويا ماري! لقد جعلت العلمانية تبدو وكأنها حملة تنظيف ربيعي ضد الرموز الدينية. والآن، كل من يرتدي شيئًا على رأسه، حتى ولو كانت طفلة في الحضانة، سيُنظر إليها وكأنها تضع قنبلة تحت الحجاب!
71 مشاهدة
30 أغسطس, 2025
90 مشاهدة
30 أغسطس, 2025
184 مشاهدة
29 أغسطس, 2025