د. علي ضاهر - مونتريال
او بقلم كاتب يرفض أن يصوم عن السخرية!
بداية كل عام والجميع بخير، ومبروك عليكم حلول شهر رمضان. أقول قولي هذا وأنا خائف من إشهار شعيرة إسلامية، وأعني بها إلقاء السلام على المسلمين وتهنئتهم بحلول الشهر الكريم. وخوفي هذا مرجعه إمكانية اتهامي بارتكاب مخالفة بحق قانون العلمانية الذي تتغنّى به نخب كيبيكية عديدة، تلك النخب المستعدة للضرب بيد، لا أعلم أهي من حديد أم من نحاس أم من تنك، على كل من تسوّل له نفسه ارتكاب خطيئة، أو قل جريمة، بحق علمانية الدولة "المسكينة" عبر ممارسة طقس ديني، وهو في حالتي إلقاء السلام وتهنئة المسلمين علانية وفي وضح النهار بحلول شهر رمضان.
على كل حال، لندخل في صلب الموضوع الذي يهمّنا واعني به "رمضان في كيبيك"، وكيف أنّ هذا الشهر، في كل عام، ومع أول هلال، يطلق ظاهرة موسمية فريدة لا علاقة لها لا بالطقوس المناخية ولا بالطقوس الشعوذة ولا بالطقوس الدينية ولا حتى بذوبان الثلوج ولا بالحفر التي يخلفها الشتاء في شوارع مونتريال، بل بقدرة فئات من المجتمع على إعادة إحياء مشاكل حول وجود المسلمين، لمأرب شخصية او انتخابية او لغاية في نفس فرانسوا وجان بول وإيف فرانسوا وربعهم، وذلك بعد أن يكون قد خف الطرق على رؤوس المسلمين. فيعاد توجيه الاضواء الساطعة اليهم! إذ فجأة، وبسحر ساحر يصبح حلول شهر رمضان والصيام حدثاً إعلامياً، والإفطار مادة تحليلية، والتمر موضوعاً حلوا للنقاش العام، وشوربة العدس ظاهرة مناخية "تؤذي الطبيعة" لما تسببه من غازات. وكأن رمضان ليس شهراً عبادياً، بل مشروعاً سياسياً يحتاج إلى لجنة برلمانية، كتلك التي كشف عنها التقرير القضائي حول الفساد والتجاوزات المالية والإدارية التي رافقت إطلاق مصلحة تأمين وتسجيل السيارات في كيبيك، مغارة علي بابا، او النافعة كما يحب ان يسميها اللبنانيون، كونها "تنفع" و"ينتفع منها" العديد من المسؤولين هناك وهنا في هذه المقاطعة الكندية المتميّزة!
ولأن الإعلام الكيبيكي لا يمكنه أن يفوّت فرصة لصناعة قضية تتمحور حول المسلمين، فهو ينقضّ على رمضان كما ينقضّ على أي مادة قابلة للتهويل. فيتحوّل الشهر وما يتخلله من شعائر إلى سؤال مصيري حول القيم واللغة والانفصال، كما وحول العنف والسكن والولادات والاستشفاء وحتى الوجود. فلا يمرّ أسبوع من رمضان إلا وتجد تقارير في وسائل الاعلام تحكي او تصوّر جماعة أمام مسجد وكأنهم يغطّون لحظة سقوط نيزك او اهتزاز حكومة ليغو! عندما تسمع مراسلون يتكلمون بقرف او كره وكاميرات تتحرّك ببطء، وموسيقى توحي بأن شيئاً خطيراً يحدث، ثم تأتي تعليقات صوتية تصف الامر، قائلة: حشود جماهيرية امام مراكز في الاحياء، تجمّعات دينية في قلب مونتريال، مواطنون في ثياب غربية في زواريب، كل هذا يتم بتحدٍّ واضح وصارخ للعلمانية!
هكذا تبدأ حكايات ومهرجانات ومسلسلات الإعلام الكيبيكي الرمضانية السنوية، وكأننا امام شاشة تلفزيونية عربية او في قهوة من قهاوي الشرق حيث يجلس الحكواتي ويقصّ على مسامع الروّاد الصائمين قصة عنترة بن شداد وولعه بعبلة. فيخرج الإعلام بسيرة هلالية رمضانية جديدة، جاعلاً من الحبة قبة، كما يقال. فيحوّل كل إفطار جماعي، ولو كان عائلياً صغيراً في منزل او حديقة خلفية لمركز او بيت، إلى تحدٍّ سافر للعلمانية، والتمرة في يد طفل إلى رمز ديني مخيف قد ينفجر في أي لحظة، وحساء العدس إلى مادة قابلة للاشتعال، قادر على رجرجت اعمدة العلمانية. إذ يكفي أن تجلس عائلة على بطانية في بارك جان درابو او أي مكان اخر تنتظر الغروب حتى يهتزّ الشعور العلماني لأحد المارّة فيتوهم أن شيئاً غير قانوني يحدث، فيسارع للإبلاغ " البوليس المولج بالدفاع عن شرف العلمانية المصون"! ويكفي أن يلتقط أحدهم صورة وينشرها على حسابه الشخصي حتى تنهمر التعليقات: إنهم قادمون لفرض ممارساتهم علينا! لا نريد الدين في حدائقنا! هذا هو التعدد الثقافي حين ينفلت!
أما لو صادف أن خرج طالب من صفه قبل الغروب بدقائق ليشرب ماءً بعد يوم طويل من الصيام، فهذه هي الطامة الكبرى. عندها تتحوّل قصته إلى دراما تركية من حلقات لا تنتهي. يُستدعى الطالب إلى مكتب العميد ويُتّهم بمحاولة إظهار نية دينية مبيته في مؤسسة تربوية عامة، ثم تتوالى التعليقات: إذا أرادوا ممارسة دينهم، فليفعلوا ذلك في بيوتهم!، وكأن كيبيك صحراء لا يعيش فيها نبات ولا إنسان ولا يُؤدَّى فيها أي طقس ديني، مع أن كنائسها، وهي أكثر من فروع تيم هورتنز، لا تنفكّ تقرع أجراسها!
بالإجمال، القوانين العلمانية الحديثة، التي صُمّمت أصلاً لتنظيم الرموز الدينية في المؤسسات الرسمية، تتحوّل في بعض التغطيات الإعلامية إلى تعليمات تشغيل يومية تقول: صُم كما تشاء، لكن لا نريد أن نرى ذلك، ولا أن نسمعه، ولا أن نشمّه، ولا حتى أن نشكّ بوجوده! وهكذا، يصبح المسلم في رمضان محاصراً بين رغبة طبيعية في ممارسة شعائره، وقوانين تطالبه بأن يفعل ذلك بسرية وصمت وهدوء. فالإعلام يراقبه بعدسة مكبّرة. ثم بعد ذلك يتساءلون ببراءة الحملان: عجبا، عجبا، لماذا يشعر المسلمون بأنهم مستهدفون؟
هكذا، ومع كل موسم رمضاني، تتكرر المسرحية نفسها: تقارير عن تزايد المظاهر الدينية، مقالات عن قدرة المسلمين على الاندماج، تعليقات غاضبة على مواقع الأخبار، ثم تترد الخاتمة ذاتها: نحن لسنا ضد أحد، نحن فقط ندافع عن قيمنا! وفي كل مرة، يبدو أن المجتمع ينسى أن المسلمين يعيشون هنا منذ عقود، يدفعون الضرائب، يعملون، يدرسون، ويشاركون في الحياة العامة، تماماً مثل الجميع.
يبدو أن رمضان في كيبيك ليس مجرد شهر صيام، بل اختبار سنوي لمدى قدرة المجتمع على رؤية المختلف دون إعلان حالة طوارئ. ومع ذلك، يا جبل ما يهزك ريح! المسلمون يستمرون في الصيام، وفي الابتسام، وفي مشاركة التمرات، حتى لو كان ذلك تحت الكاميرات التي تنتظر سبقاً جديداً. وربما، يوماً ما، سيكتشف الإعلام أن رمضان ليس تهديداً، بل فرصة لفهم مجتمع متنوّع فيه مواطنون يعيشون سوية، حتى لو اختلفت ساعات الإفطار. لكن وبالرغم من نسخة قانون العلمانية الجديد والطازج، اقولها علنا وعلى راس السطح: كل عام وأنتم بخير! "واللي بيعجبه أهلاً وسهلاً، واللي ما بيعجبه، يبلّط البحر!"
او بقلم كاتب يرفض أن يصوم عن السخرية!
بداية كل عام والجميع بخير، ومبروك عليكم حلول شهر رمضان. أقول قولي هذا وأنا خائف من إشهار شعيرة إسلامية، وأعني بها إلقاء السلام على المسلمين وتهنئتهم بحلول الشهر الكريم. وخوفي هذا مرجعه إمكانية اتهامي بارتكاب مخالفة بحق قانون العلمانية الذي تتغنّى به نخب كيبيكية عديدة، تلك النخب المستعدة للضرب بيد، لا أعلم أهي من حديد أم من نحاس أم من تنك، على كل من تسوّل له نفسه ارتكاب خطيئة، أو قل جريمة، بحق علمانية الدولة "المسكينة" عبر ممارسة طقس ديني، وهو في حالتي إلقاء السلام وتهنئة المسلمين علانية وفي وضح النهار بحلول شهر رمضان.
على كل حال، لندخل في صلب الموضوع الذي يهمّنا واعني به "رمضان في كيبيك"، وكيف أنّ هذا الشهر، في كل عام، ومع أول هلال، يطلق ظاهرة موسمية فريدة لا علاقة لها لا بالطقوس المناخية ولا بالطقوس الشعوذة ولا بالطقوس الدينية ولا حتى بذوبان الثلوج ولا بالحفر التي يخلفها الشتاء في شوارع مونتريال، بل بقدرة فئات من المجتمع على إعادة إحياء مشاكل حول وجود المسلمين، لمأرب شخصية او انتخابية او لغاية في نفس فرانسوا وجان بول وإيف فرانسوا وربعهم، وذلك بعد أن يكون قد خف الطرق على رؤوس المسلمين. فيعاد توجيه الاضواء الساطعة اليهم! إذ فجأة، وبسحر ساحر يصبح حلول شهر رمضان والصيام حدثاً إعلامياً، والإفطار مادة تحليلية، والتمر موضوعاً حلوا للنقاش العام، وشوربة العدس ظاهرة مناخية "تؤذي الطبيعة" لما تسببه من غازات. وكأن رمضان ليس شهراً عبادياً، بل مشروعاً سياسياً يحتاج إلى لجنة برلمانية، كتلك التي كشف عنها التقرير القضائي حول الفساد والتجاوزات المالية والإدارية التي رافقت إطلاق مصلحة تأمين وتسجيل السيارات في كيبيك، مغارة علي بابا، او النافعة كما يحب ان يسميها اللبنانيون، كونها "تنفع" و"ينتفع منها" العديد من المسؤولين هناك وهنا في هذه المقاطعة الكندية المتميّزة!
ولأن الإعلام الكيبيكي لا يمكنه أن يفوّت فرصة لصناعة قضية تتمحور حول المسلمين، فهو ينقضّ على رمضان كما ينقضّ على أي مادة قابلة للتهويل. فيتحوّل الشهر وما يتخلله من شعائر إلى سؤال مصيري حول القيم واللغة والانفصال، كما وحول العنف والسكن والولادات والاستشفاء وحتى الوجود. فلا يمرّ أسبوع من رمضان إلا وتجد تقارير في وسائل الاعلام تحكي او تصوّر جماعة أمام مسجد وكأنهم يغطّون لحظة سقوط نيزك او اهتزاز حكومة ليغو! عندما تسمع مراسلون يتكلمون بقرف او كره وكاميرات تتحرّك ببطء، وموسيقى توحي بأن شيئاً خطيراً يحدث، ثم تأتي تعليقات صوتية تصف الامر، قائلة: حشود جماهيرية امام مراكز في الاحياء، تجمّعات دينية في قلب مونتريال، مواطنون في ثياب غربية في زواريب، كل هذا يتم بتحدٍّ واضح وصارخ للعلمانية!
هكذا تبدأ حكايات ومهرجانات ومسلسلات الإعلام الكيبيكي الرمضانية السنوية، وكأننا امام شاشة تلفزيونية عربية او في قهوة من قهاوي الشرق حيث يجلس الحكواتي ويقصّ على مسامع الروّاد الصائمين قصة عنترة بن شداد وولعه بعبلة. فيخرج الإعلام بسيرة هلالية رمضانية جديدة، جاعلاً من الحبة قبة، كما يقال. فيحوّل كل إفطار جماعي، ولو كان عائلياً صغيراً في منزل او حديقة خلفية لمركز او بيت، إلى تحدٍّ سافر للعلمانية، والتمرة في يد طفل إلى رمز ديني مخيف قد ينفجر في أي لحظة، وحساء العدس إلى مادة قابلة للاشتعال، قادر على رجرجت اعمدة العلمانية. إذ يكفي أن تجلس عائلة على بطانية في بارك جان درابو او أي مكان اخر تنتظر الغروب حتى يهتزّ الشعور العلماني لأحد المارّة فيتوهم أن شيئاً غير قانوني يحدث، فيسارع للإبلاغ " البوليس المولج بالدفاع عن شرف العلمانية المصون"! ويكفي أن يلتقط أحدهم صورة وينشرها على حسابه الشخصي حتى تنهمر التعليقات: إنهم قادمون لفرض ممارساتهم علينا! لا نريد الدين في حدائقنا! هذا هو التعدد الثقافي حين ينفلت!
أما لو صادف أن خرج طالب من صفه قبل الغروب بدقائق ليشرب ماءً بعد يوم طويل من الصيام، فهذه هي الطامة الكبرى. عندها تتحوّل قصته إلى دراما تركية من حلقات لا تنتهي. يُستدعى الطالب إلى مكتب العميد ويُتّهم بمحاولة إظهار نية دينية مبيته في مؤسسة تربوية عامة، ثم تتوالى التعليقات: إذا أرادوا ممارسة دينهم، فليفعلوا ذلك في بيوتهم!، وكأن كيبيك صحراء لا يعيش فيها نبات ولا إنسان ولا يُؤدَّى فيها أي طقس ديني، مع أن كنائسها، وهي أكثر من فروع تيم هورتنز، لا تنفكّ تقرع أجراسها!
بالإجمال، القوانين العلمانية الحديثة، التي صُمّمت أصلاً لتنظيم الرموز الدينية في المؤسسات الرسمية، تتحوّل في بعض التغطيات الإعلامية إلى تعليمات تشغيل يومية تقول: صُم كما تشاء، لكن لا نريد أن نرى ذلك، ولا أن نسمعه، ولا أن نشمّه، ولا حتى أن نشكّ بوجوده! وهكذا، يصبح المسلم في رمضان محاصراً بين رغبة طبيعية في ممارسة شعائره، وقوانين تطالبه بأن يفعل ذلك بسرية وصمت وهدوء. فالإعلام يراقبه بعدسة مكبّرة. ثم بعد ذلك يتساءلون ببراءة الحملان: عجبا، عجبا، لماذا يشعر المسلمون بأنهم مستهدفون؟
هكذا، ومع كل موسم رمضاني، تتكرر المسرحية نفسها: تقارير عن تزايد المظاهر الدينية، مقالات عن قدرة المسلمين على الاندماج، تعليقات غاضبة على مواقع الأخبار، ثم تترد الخاتمة ذاتها: نحن لسنا ضد أحد، نحن فقط ندافع عن قيمنا! وفي كل مرة، يبدو أن المجتمع ينسى أن المسلمين يعيشون هنا منذ عقود، يدفعون الضرائب، يعملون، يدرسون، ويشاركون في الحياة العامة، تماماً مثل الجميع.
يبدو أن رمضان في كيبيك ليس مجرد شهر صيام، بل اختبار سنوي لمدى قدرة المجتمع على رؤية المختلف دون إعلان حالة طوارئ. ومع ذلك، يا جبل ما يهزك ريح! المسلمون يستمرون في الصيام، وفي الابتسام، وفي مشاركة التمرات، حتى لو كان ذلك تحت الكاميرات التي تنتظر سبقاً جديداً. وربما، يوماً ما، سيكتشف الإعلام أن رمضان ليس تهديداً، بل فرصة لفهم مجتمع متنوّع فيه مواطنون يعيشون سوية، حتى لو اختلفت ساعات الإفطار. لكن وبالرغم من نسخة قانون العلمانية الجديد والطازج، اقولها علنا وعلى راس السطح: كل عام وأنتم بخير! "واللي بيعجبه أهلاً وسهلاً، واللي ما بيعجبه، يبلّط البحر!"
146 مشاهدة
22 فبراير, 2026
40 مشاهدة
22 فبراير, 2026
76 مشاهدة
22 فبراير, 2026