Sadaonline

بابُ الغابةِ والسقفِ والريح؟

الأمن لا يُصان بالسكوت عن الخلل والسقف لا يقوم بكثرة من تحته بل باستقامة عمده

علي هادي 

قال الراوي: زعموا – أيها الملك – أنّ في غابةٍ عظيمةِ الشجر، عذبةِ الماء، كانت الأسودُ فيها تعرف حدودها، والفهودُ تكتفي بطرائدها، والغزلانُ ترعى في أمانٍ بين الظلال، والقرودُ تعبث على الأغصان غير خائفة، والحمامُ يحطّ على الغدير مطمئناً لا يلتفت وراءه. كان الأمن فيها عادةً لا تُذكر، والبركة جاريةً حتى ظنّ كثيرٌ من سكانها أن دوام النعمة أمرٌ لا يحتاج إلى حارسٍ ولا إلى ميزان. غير أنّ الضباع في أطرافها لم يطب لها استقامةُ الحساب، وكانت الثعالب تهمس في المجالس أن الشدّة في الضبط تضييق، وأن السؤال عن الموارد تشكيك، وأن القيادة أيسرُ مما يتوهّم القائم بها. فأكثروا القول حتى تجرّأ الصغار، وأكثروا الظنّ حتى ضعفت هيبة النظام، وبقي تحت الرماد جمرٌ لا يُرى، ومشكلةٌ لم تُحسم، تهدد الغابة إن هبّت عليها ريحُ هوى أو طمع. وكان الأسد القائم بأمرها يقول: “إن الأمن لا يُصان بالسكوت عن الخلل، وإن السقف لا يقوم بكثرة من تحته، بل باستقامة عمده.” غير أنّ البومة، وقد خافت من تصدّع الصف، رأت أن تُنزع أسباب الخلاف سريعاً، فالتفتت إلى القنادس المشهورة بإحكام السدود وضبط مجاري الماء، وقالت: “من أحسن هندسة الجداول أحسن هندسة الجماعة.” فتنحّى الأسد دفعاً للفرقة، وتقدّمت القنادس، وقد صدقت في نيتها وأحكمت في صناعتها، فأقامت السدود، ورتّبت الموارد، واشتدّ السقف في ظاهر العين، وسكنت القلوب ساعةً كأن الخطر قد انصرف.

غير أنّ الخطر لم ينصرف، بل كان يترصّد في الظلال. فالضباع لم تكن ماءً يُحجز، ولا جذوعاً تُرصّ، بل كانت تختبر الأعمدة في الليل، وتبحث عن ثغرةٍ في الحراسة، وتدفع بكتفٍ خفيٍّ هنا، وبنابٍ غادرٍ هناك. وفي ليلةٍ عصفت فيها الريح، وانشغلت القنادس بحساب المياه، تسللت الضباع إلى أطراف المرعى، فافترست غزالاً كان يظنّ الأمن حقاً لا يُسلب، وارتفع عواءٌ شقّ سكون الغابة، فتبعته فوضى، وتدافعت الظباء، وقفزت القرود مذعورة، وانقضّ فهدٌ على غير بينة، وكاد الدم يختلط بالماء لولا أن بعض الأسود تداركت الموقف. وعند الفجر، بدا السقف قائماً كما كان، والسدود محكمةً كما رُتبت، غير أن في الأرض دماً لم يجف، وفي القلوب خوفاً لم يُعالج. عندها أدركت البومة أن السكون إذا لم يُبنَ على ميزانٍ ظاهرٍ وعدلٍ ممتحَن، كان هدنةً بين عاصفتين، وأن تبديل الأعمدة مخافةَ الريح قد يؤجل الامتحان، لكنه لا يمنع سقوط السقف إذا اشتدّت العاصفة. 
قال الراوي: ومن لم يعرف قدر الأمن حتى يُمتحن بالخطر، ولم يزن الأمور قبل أن يُهدَّد وجوده، علم حين لا ينفع العلم أن الغابة لا يحفظها حسن الصناعة وحده، ولا كثرة الكلام عن الوحدة، بل يحفظها ميزانٌ يُقام قبل أن يعلو عواء الضباع. 

ثم أطلق الراوي زفرةً طويلة، وقال بصوتٍ اجتمع فيه اطمئنان الحكيم وقلق الراعي : إن البناء لا يقوم إلا على وعيٍ دائم، وأن السلام ليس غياب الخطر، بل حضور الميزان قبل أن يشتدّ الامتحان. 

إن في أمرِ الغابةِ عبرةً لمن اعتبر؛ فالأسدُ إنما حُمل أمانةَ القيادة لأنه عرف مسالكها وخفاياها، لا لأنه أشدُّها بطشاً، فدلّ ذلك على أن القوة إذا لم يُهذّبها علمٌ وعدلٌ كانت وبالاً، وأن العدل إذا خلا من هيبةٍ ضاع بين الأنياب. وأما البومة، فحرصُها على السكون محمود، غير أن من قدّم هدوءَ الساعة على سلامةِ البنيان، خشي أن يحفظ السقفَ ويضيّع أساسه. وأما القنادس، فقد صدقت في صناعتها وأحكمت في حسابها، لكن من ظنّ أن انتظام الأرقام يغني عن انتظام القلوب، خلط بين هندسة الخشب وهندسة النفوس. وأما الضباع، فإنها لا تعيش إلا في الثغرات، ولا تقوى إلا إذا أُجّل السؤال وخُشي البيان؛ فهي آيةٌ على أن الخلل إذا لم يُعالج صغيراً عاد كبيراً مفترساً. وأما الغزلان، فإن الأمن الذي لا يُحاط بميزانٍ وعدلٍ، يتحول من نعمةٍ إلى غفلة، ومن طمأنينةٍ إلى طريدةٍ تنتظر ناباً غادراً.