وليام خربوطلي ـ مونتريال
في لحظة دولية تتّسم بتراجع اليقين، وتآكل منظومة التحالفات التقليدية، وصعود منطق القوة الصلبة، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن سياسة دفاعية جديدة تُشكّل أحد أعمق التحوّلات في العقيدة الاستراتيجية الكندية منذ نهاية الحرب الباردة. هذه السياسة لا يمكن اختزالها في زيادة الإنفاق العسكري أو تحديث العتاد، بل تمثّل مشروعاً سيادياً متكاملاً يعكس رؤية فكرية–سياسية أوسع لموقع كندا في النظام الدولي.
تنطلق المقاربة الجديدة من تشخيص صريح: العالم لم يعد آمناً كما كان، ولا يمكن لدولة متوسطة الحجم أن تبني أمنها على افتراضات تاريخية. فالاعتماد شبه المطلق على الولايات المتحدة في مجالات الدفاع والتسليح، والذي شكّل ركيزة السياسة الكندية لعقود، بات عبئاً استراتيجياً في ظل التحولات الجيوسياسية، والتوترات التجارية، وتقلّب الأولويات لدى القوى الكبرى.
من هنا، تسعى أوتاوا إلى تجاوز منطق "الأمن المستورد" نحو بناء قدرة سيادية ذاتية تضمن حرية القرار في أوقات الأزمات، وتُخرج الدفاع من خانة التبعية إلى خانة الشراكة المتوازنة.
الدفاع كسياسة سيادية لا كعسكرة
ترتكز السياسة الدفاعية الجديدة على معادلة واضحة:
- البناء الداخلي أولاً.
- الشراكات الموثوقة ثانياً.
- والشراء الخارجي عند الضرورة فقط ثالثاً.
وهي بذلك تحوّل الدفاع من بند استهلاكي في الموازنة العامة إلى رافعة اقتصادية واستراتيجية، من خلال دعم الصناعة الدفاعية الوطنية، والبحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، وتوطين سلاسل الإمداد الحساسة.
الهدف ليس عسكرة الدولة، بل تحرير القرار السياسي من الضغوط الخارجية المرتبطة بالسلاح والتكنولوجيا.
من دافوس إلى أوتاوا: نظرية القوى الوسطى تتحول إلى سياسة
لا يمكن فصل هذه الاستراتيجية عن خطاب كارني في دافوس خلال أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث قدّم رؤية متماسكة لدور ما سمّاه "القوى الوسطى" في عالم ما بعد العولمة التقليدية. في ذلك الخطاب، شدّد على أن النظام الدولي لم يعد يُدار حصرياً من قبل قوى عظمى، بل أصبح رهينة اختلالات تتطلّب من الدول المتوسطة أن تلعب دوراً توازنيّاً نشطاً.
وفق هذه النظرية، لا تستطيع القوة الوسطى أن تكون فاعلة إذا افتقرت إلى أدوات سيادية حقيقية، وعلى رأسها القدرة الدفاعية. من هنا، تأتي السياسة الجديدة كتطبيق عملي مباشر لأفكار دافوس: الدفاع كشرط للاستقلال، لا كمدخل للمواجهة.
ففي تصور كارني، لا تُقاس مكانة الدول بعدد حاملات الطائرات، بل بقدرتها على:
• حماية خياراتها الاستراتيجية،
• التفاوض من موقع الندّية،
• والمشاركة في التحالفات دون ارتهان.
السياسة الدفاعية الجديدة تعكس هذا الفهم؛ فهي لا تستهدف سباق تسلّح، بل بناء قدرة ردع عقلانية تُمكّن كندا من الوفاء بالتزاماتها داخل الناتو، والمشاركة في عمليات حفظ السلام، وهي تمتلك هامش قرار مستقل.
الرهانات والتحديات
بطبيعة الحال، يرافق هذا التحول تحديات مالية وتنفيذية، من كلفة الاستثمار الصناعي، إلى إدارة العلاقة مع الحلفاء التقليديين، وصولاً إلى إقناع الرأي العام بأن كلفة السيادة أقل من كلفة التبعية على المدى البعيد.
إلا أن الحكومة الكندية تراهن على أن الاستقلال الاستراتيجي لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة بنيوية في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب.
في الختام، ما تطرحه سياسة الدفاع الجديدة هو إعادة صياغة لدور كندا كقوة وسطى حديث: لا تسعى للهيمنة، ولا تقبل بالارتهان.
دولة تدرك وزنها، وتبني أدوات حمايته، وتختار الشراكة من موقع القوة الهادئة.
بهذا المعنى، لم يكن خطاب دافوس مجرد منصة خطابية، بل خريطة طريق سياسية بدأت كندا اليوم بتنفيذها.
*محام، وسيط ومحكم.
147 مشاهدة
22 فبراير, 2026
40 مشاهدة
22 فبراير, 2026
76 مشاهدة
22 فبراير, 2026