Sadaonline

الغرب في خطر: عودة منطق القوة

الدفاع الحقيقي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يبدأ من الالتزام بهذه المبادئ في كل مكان

د. وليد حديد - مونتريال

ليس سرًا أن قوة الغرب لم تقم فقط على التفوق الاقتصادي أو العسكري، بل على منظومة قيم أصبحت مرجعًا عالميًا: الديمقراطية، سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان. هذه المبادئ هي التي منحت المجتمعات الغربية استقرارها الداخلي وشرعيتها الأخلاقية في العالم.
بعد المأساة التي عاشها العالم خلال الحرب العالمية الثانية، نشأ إدراك واسع بأن مستقبل البشرية لا يمكن أن يقوم على منطق القوة وحده. لذلك تأسست مؤسسات دولية هدفها تنظيم العلاقات بين الدول وفق قواعد مشتركة، وكان من أبرزها الامم المتحدة. وفي أوروبا تطورت تجربة سياسية وقانونية متقدمة تجسدت لاحقًا في مشروع الاتحاد الاوروبي، الذي سعى إلى بناء فضاء سياسي يقوم على القانون والتعاون بدل الصراع.
غير أن العالم يشهد في السنوات الأخيرة تطورات تثير قلقًا متزايدًا. فعندما تُستخدم القوة العسكرية لفرض وقائع سياسية أو لاحتلال أراضٍ، وعندما يبدو أن القانون الدولي يُطبَّق بانتقائية، فإن صورة النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية تتعرض للاهتزاز.
كثيرون يرون أن السياسات الدولية التي تقودها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، أو الصراعات المستمرة المرتبطة بـ إسرائيل، تعكس في بعض الأحيان تناقضًا بين الخطاب الذي يدافع عن القانون الدولي وبين الممارسات على الأرض. سواء اتفقنا مع هذا الرأي أم اختلفنا معه، فإن انتشار هذا الشعور في الرأي العام العالمي يضعف الثقة بالمبادئ التي طالما قدمها الغرب بوصفها أساسًا للنظام الدولي.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التوترات بين الدول، بل في تأثير هذه التناقضات داخل المجتمعات الغربية نفسها. فعندما يشعر المواطن أن القانون الدولي لا يُطبَّق على الجميع بالمعيار نفسه، تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويزداد الإحساس بأن القوة هي التي تحدد ما هو مشروع وما هو غير مشروع.
وهنا يبرز التحدي الأكبر. فالقيم التي أعطت الغرب مكانته لم تكن مجرد أدوات سياسية، بل كانت جزءًا من عقد أخلاقي بين المجتمع والدولة. وإذا تراجع هذا العقد، فإن البديل سيكون عودة منطق قديم عرفه التاريخ طويلًا: منطق أن القوي معه حق.
التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تتراجع فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل عندما يظهر التناقض بين المبادئ التي تعلنها وبين السياسات التي تمارسها. لذلك فإن الحفاظ على قوة الغرب لا يتحقق بتوسيع النفوذ العسكري، بل بالحفاظ على مصداقية القيم التي قامت عليها تجربته السياسية.
إن الدفاع الحقيقي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يبدأ من الالتزام بهذه المبادئ في كل مكان، وبالمعيار نفسه. فالقوة التي صنعت مكانة الغرب لم تكن السلاح وحده، بل الثقة بأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع. وعندما تهتز هذه الثقة، يبدأ الخطر الحقيقي… من الداخل.