Sadaonline

بَيْنَ "فَيْحاءِ الشَّمالِ" وَضِفافِ "سان لوران": حَنينٌ طَرابُلْسِيٌّ بِرائِحَةِ ماءِ الزَّهْرِ

تتحوّل الأسواقُ ليلاً إلى خليّةِ نحلٍ لا تهدأ، وتتلألأ الواجهاتُ بالأضواء، وتنتشرُ رائحةُ القهوةِ و"المعمول" إيذانًا بقربِ العيد.

بقلم: حَبيبَة أديب

تُعلِّمُنا الغُربَةُ أنَّ الأوطانَ هي مَجْمُوعَةُ تفاصيلٍ وروائحَ تتشبّثُ في أعماقِنا، وتأبى أن تُغادِرنا.
وفي مدينةِ طرابلسَ بالتحديد، يبدو رمضانُ كأنَّهُ الرُّوحُ التي تُبعثُ في جسدِ المدينةِ العتيقةِ كلَّ عام.
أكتبُ إليكم اليومَ لأحملَكم معي في رحلةٍ وجدانيّةٍ إلى طقوسِ هذا الشهرِ في لبنان؛ إلى البيوتِ المفتوحةِ للمحبّة، وإلى الشوارعِ التي ترفضُ الغَفوةَ في حضرةِ الشهرِ الفضيل.
دعونا نُحلِّقُ معًا نحو "فَيْحاءِ الشَّمال"، طرابلس، علّنا نستعيدُ ملامحَ أيامٍ لا تُشبهُ سائرَ الأيام.

اسْتِعداداتٌ تَسبِقُ الهِلال
في لبنان، لرمضانَ نكهةٌ محفورةٌ في الوجدان. تبدأُ الاستعداداتُ قبلَ قدومِه بأسابيع، فتدُبُّ حركةُ التزيينِ في المنازل، وتَفوحُ من المطابخِ روائحُ ماءِ الزَّهْرِ والمستكة، إيذانًا بموسمِ الحلوياتِ الرمضانيّة.
ومع أوَّلِ بزوغٍ للهلال، تشتعلُ الحياةُ في الأسواقِ القديمةِ بطرابلس، وتزدحمُ الأزقّةُ بخُطى المتسوّقين الذين يُسابقون الوقتَ قبلَ انطلاقِ مدفعِ الإفطار من عندِ قلعةِ المدينةِ الأثريّة، وهي لحظة ما زالت تحافظ على رمزيَّتها في المدينة.

مائِدَةُ "البَياض" والطقوسُ الطرابلسيّة
تتميّزُ المائدةُ الرمضانيّةُ اللبنانيّةُ بغناها وطابعِها التراثي. يبدأ الصائمُ إفطارَهُ بحبّةِ تمر، تعقبُها مشروباتٌ كالجلّابِ والتمرِ الهندي وعرقِ السوس. ولا تكتملُ السُّفرةُ دونَ سيّدتيها: الشوربة والفتّوش.
أما اليوم الأول، فله طقوسه الخاصة؛ إذ يحرص الطرابلسيّون على تقديم ما يُعرف بـ أطباق البياض: الكوسى باللبن، الشيش برك، واليخنات البيضاء، تعبيرًا عن التفاؤل ببداية هادئة ونقية.
وفي السهرات، تتصدّر الحلويات الطرابلسية المشهد: الكربوج، القطايف، وزنود الست، وهي صناعات محلية اشتهرت بها المدينة.

السُّحورِ من طقس منزلي إلى مساحة اجتماعية
شهدت السنوات الأخيرة تطورًا واضحًا في طقوس السّحور. فبعد أن كان نشاطًا منزليًا بسيطًا- عبارة عن وجبةٍ خفيفةٍ داخلَ البيوت- تحوّل اليوم إلى مشهد اجتماعي واسع، حيث تنتشر الخيم الرمضانية والمقاهي اللّيليّة التي تجمع العائلات والشباب على أنغام العود وجلسات الإنشاد.
وتبقى في "التكيّةِ المولويّة" في طرابلس إحدى أبرز المحطات الروحية خلال الشهر، حيث تقام حلقات الذكر والعروض المولوية التي تضيف إلى المدينة طابعها الصوفي المعروف.
إنه شهرُ اللّمّة التي تتجلّى فيها قيمُ التكافل عبر "موائدِ الرحمن" التي لا تفرّقُ بين غنيٍّ وفقير.
وتكتملُ هذه الجَمعةُ الطيّبةُ بالنفحاتِ الروحانيةِ التي تمنحُ الشهرَ قدسيَّتَهُ؛ حيثُ تزدحمُ المساجدُ بالمصلّينَ في صلاةِ التراويح، وتفيضُ البيوتُ بركةً بختمِ القرآنِ الكريم، وصولاً إلى الليالي العشرِ الأواخرِ التي نتحرّى فيها ليلةَ القدرِ بقيامِ الليلِ والتهجّد. هي أيامٌ تسمو فيها النفوسُ، وتتجسدُ فيها معاني العطاءِ بتقديمِ الصدقاتِ وإيتاءِ زكاةِ الأموال، لتكتملَ بهجةُ الصيامِ بطهارةِ القلوبِ واليد.

 المسحراتي… نَبْضُ الذّاكرةِ في صمْتِ الغُربة
وفي ليالي الغربةِ الباردة، هنا في كندا، يتضاعفُ الحنينُ لذلك الصوتِ العتيق… صوتِ المسحراتي.
رغم عصر الرّقمنة و التطوّر التكنولوجي، لم يفقد المسحّراتي مكانته في الوجدان الطرابلسي. فصوته الذي يجوب الأزقّة قبيلَ الفجر، وهو يردد: “يا نايم وحد الدايم”، ما زال جزءًا أصيلًا من المشهد الرمضاني.
وفي العشر الأواخر، تتجوّل فرق الوداع في الشوارع، تحمل الدفوف والأناشيد التقليدية، وتودّع الشهر وسط ترحيب الأهالي الذين يقدمون لها “العيديّة” تقديرًا لجهودهم طوال الشهر.

حينَ تتحوّلُ الأسواقُ إلى مساحةِ فرح
للأسبوعِ الأخير من رمضان طقوسٌ لا تتكرّر.
تتحوّل الأسواقُ ليلاً إلى خليّةِ نحلٍ لا تهدأ، وتتلألأ الواجهاتُ بالأضواء، وتنتشرُ رائحةُ القهوةِ و"المعمول" إيذانًا بقربِ العيد.
إنّه مشهدٌ يتجاوزُ فكرةَ التسوّق، ليصبحَ نزهةً روحيّةً تُرمّمُ ما تهشّمَ من صخبِ الحياة.

قد تفصلُنا آلافُ الأميال، وقد يغلّفنا صمتُ الشوارعِ في المهجر، لكنَّ القلبَ يبقى مُعَلَّقًا بتلك الأزقّةِ الضيّقةِ في طرابلس.
فالدفءُ الإنسانيُّ هو الحقيقةُ التي لا تُهزمُ بالمسافات.

 بَيْنَ مَسافَتَيْنِ… وَجِسْرٍ واحِدٍ اسْمُهُ الذّاكِرَةُ
تبقى هذه الكلماتُ محاولةً لمدِّ جسرٍ بينَ ضفافِ "سان لوران" وأزقّةِ طرابلس العتيقة. فـرمضانُ في الغربة ليس مجرّدَ طقسٍ دينيّ، بل هو استحضارٌ للهويّة وتجديدٌ لعهدِ الوفاءِ لتقاليدِنا التي شكّلت ملامحَنا.
ومن خلال "صدى المشرق"، نُهدي لبنانَ سلامًا مغمورًا بالشوق، علّهُ يُبقي دفءَ رمضان منارةً تُضيءُ عتمةَ البعاد، وتجمعُنا على قيمِ الخيرِ والمحبّة.
كُلُّ عامٍ وأنتم، ولبنانُ بخير.

رمضانُ كريم، وتقبّلَ اللهُ صيامَكم و قِيامَكم. 

*الصورة اعدت عبر الذكاء الاصطناعي
*حبيبة أديب كاتبة لبنانيَّة كنديَّة مقيمة في مونتريال، صدرَ لها كتاب "عُصفور الشّوق" (2023)، وتعملُ حالياً على كتابِها المرتقب "عابرة بين مسارات الرّوح"، إلى جانبِ كتابةِ مقالاتِ رأيٍ أسبوعيَّةٍ في الصحافةِ الكنديَّةِ.