صدى اونلاين - تورنتو
خلال زيارتي اليوم إلى تورنتو، مررت في مدينة أجاكس (Ajax) القريبة منها، فاستوقفني اسم شارع رئيسي كُتب على لوحاته Salem Road .
للوهلة الأولى، يقرأه العربي «سالم»، فيتبادر إلى الذهن سؤال طبيعي: هل يحمل هذا الشارع الكندي اسماً عربياً؟ وهل سُمّي تيمناً بشخص يدعى سالم؟
بدأ الأمر بفضول عابر أمام لوحة شارع، لكن البحث في تاريخ المنطقة قاد إلى حكاية أقدم بكثير مما يوحي به المشهد الحالي.
«Salem» أقدم من أجاكس نفسها
تُظهر مصادر تاريخية أن الاسم ليس حديثاً، بل تعود جذوره في المنطقة إلى بدايات الاستيطان الأوروبي في Pickering Township .
واللافت أن تقريراً تاريخياً لهيئة Toronto and Region Conservation Authority يشير إلى رواية تفيد بأن أول اجتماع لبلدية Pickering Township عُقد في 4 حزيران/يونيو 1801 في مزرعة Samuel Munger «قرب Salem».
وهذا، إذا أخذنا بالرواية التاريخية الواردة في التقرير، يعني أن اسم Salem كان معروفاً محلياً منذ بدايات القرن التاسع عشر، قبل أكثر من قرنين.
وفي العقود التالية ظهر تجمع عُرف باسم Salem’s Corners، وكان يُعرف أيضاً باسم Hyfield . وتذكر مصادر تاريخية أن John Hyfield، القادم من إيرلندا، استقر في Salem Corners عام 1836، وأن مدرسة أُنشئت هناك في الفترة نفسها.
لكن لماذا «سالم»؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة في القصة، وربما الأكثر غموضاً أيضاً.
فعلى الرغم من قِدم الاسم، لم نعثر في المصادر التاريخية التي راجعناها على وثيقة تحدد من كان أول شخص أطلق اسم Salem على المكان، أو لماذا اختاره تحديداً.
لكن لدينا مؤشر مهم.
فعندما دار نقاش عام 2001 حول تغيير اسم Salem Road إلى Carruthers Creek Drive، بحث موظفو مدينة Pickering في تاريخ الاسم، وأشاروا إلى أن Salem اسم ذو خلفية توراتية. ورفض مجلس المدينة تغيير الاسم، وصوّت بالإجماع لصالح الحفاظ عليه.
وقال أحد أعضاء المجلس حينها إن الطريق يحمل اسم Salem منذ نحو 150 عاماً، فيما اعتبر المجلس أن الاسم يمثل جزءاً من تاريخ المنطقة ويستحق المحافظة عليه.
وبذلك نعرف أن السلطات المحلية نفسها تعاملت مع Salem بوصفه اسماً تاريخياً ذا خلفية توراتية، لكن ذلك لا يكشف بصورة قاطعة هوية الشخص الذي اختاره للمرة الأولى قبل نحو قرنين.
هل«Salem» اسم عربي؟
الجواب: ليس بالمعنى المباشر.
فلا يوجد ما يشير إلى أن Salem Road سُمّي تيمناً بشخص عربي يدعى سالم، كما أن وجود الاسم في المنطقة يسبق موجات الهجرة العربية الحديثة إلى كندا بزمن طويل.
لكن سبب شعور العربي بألفة تجاه الاسم ليس بعيداً تماماً عن اللغة.
فـSalem اسم سامي قديم ارتبط تاريخياً بمفاهيم السلام والاكتمال، وهو قريب لغوياً من العبرية Shalom ومن العائلة اللغوية السامية التي تنتمي إليها كلمة «سلام» في العربية.
والأرجح أن الاسم وصل إلى أونتاريو ضمن التراث التوراتي والثقافة الدينية للمستوطنين الأوروبيين في أميركا الشمالية، لكن يبقى ذلك تفسيراً للسياق التاريخي وانتشار الاسم، وليس وثيقة تثبت الدافع الشخصي لأول من سمّى هذا المكان Salem .
كاد الاسم أن يختفي
وللقصة فصل حديث أيضاً.
ففي عام 2001 طُرح تغيير جزء من اسم الطريق إلى Carruthers Creek Drive بهدف توحيد أسماء الطريق الممتد عبر Ajax وPickering.
لكن مجلس Pickering رفض التخلي عن Salem Road، وطالب Ajax بإعادة النظر في التسمية الجديدة، متمسكاً بالاسم التاريخي.
وهكذا نجا «Salem» من محاولة تغيير اسمه بعد نحو قرنين من ظهوره في تاريخ المنطقة.
وحتى اليوم، لا تزال آثار قِدم المنطقة ظاهرة؛ فسجل المباني التراثية في Ajax يتضمن منزلاً حجرياً عند 2597 Salem Road North يعود بناؤه إلى نحو 1850.
وليس «سالم» الوحيد في كندا
والأكثر إثارة أن Salem ليس اسماً منفرداً في أونتاريو.
فقاعدة الأسماء الجغرافية الرسمية التابعة للحكومة الكندية تسجل تجمعات تحمل اسم Salem في مناطق مختلفة من المقاطعة، بينها Durham وWellington وDufferin وFrontenac وBruce وNorthumberland.
ويتكرر الاسم بصورة أكبر في الولايات المتحدة، حيث تحمله مدن وبلدات عدة، أشهرها Salem في ماساتشوستس وSalem عاصمة ولاية أوريغون.
لوحة شارع وحكاية عمرها قرنان
وهكذا، لم يكن «Salem Road» الذي استوقفني خلال مروري في أجاكس شارعاً يحمل اسم شخص عربي كما قد يوحي الاسم للوهلة الأولى.
إنه اسم ضارب في تاريخ المنطقة، تظهر إشارات إليه منذ بدايات القرن التاسع عشر، ونجا حتى من محاولة لتغييره في العصر الحديث.
أما السؤال الأكثر فضولاً: من وقف هنا قبل أكثر من قرنين وقرر أن يسمي هذه البقعة Salem، ولماذا اختار هذا الاسم بالذات؟
حتى الآن، لا تقدم السجلات جواباً قاطعاً.
وربما هنا تكمن أجمل مفارقات الحكاية: كلمة على لوحة طريق قرب تورنتو تبدو مألوفة جداً للأذن العربية، تقود إلى قصة تمتد من مستوطني أونتاريو الأوائل إلى اسم سامي قديم يحمل في جذوره صدىً من «السلام»
وما قصة «سالم» في التوراة ؟
يكتسب الاسم بُعداً تاريخياً إضافياً عند العودة إلى النصوص التوراتية. ففي سفر التكوين تظهر «سالم» (Salem أو Shalem) اسماً لمكان ارتبط بـملكي صادق، الذي يرد بوصفه «ملك سالم» و«كاهن الله العلي»، وقد التقى النبي إبراهيم وباركه بعد عودته من إحدى معاركه.
أي أن «سالم» في هذه الرواية ليست اسم نبي أو شخص يدعى سالم، بل اسم المكان الذي كان ملكي صادق ملكاً عليه. كما ربط التقليد اليهودي والمسيحي القديم بين «سالم» والقدس.
ومن الناحية اللغوية، ينتمي الاسم إلى جذر سامي قديم قريب من الجذر الذي أعطى Shalom في العبرية وسلام في العربية، بما يحمله من معاني السلام والسلامة والاكتمال.
لكن لا توجد، بحسب الوثائق المحلية التي اطلعنا عليها، أدلة تثبت أن من أطلق اسم Salem على المنطقة في أونتاريو كان يقصد تحديداً قصة ملكي صادق أو القدس؛ الثابت فقط أن المصادر البلدية المحلية تصف Salem بأنه اسم ذو خلفية توراتية.
140 مشاهدة
19 أغسطس, 2026
43 مشاهدة
19 أغسطس, 2026
181 مشاهدة
16 أغسطس, 2026