المحامي وليم خربطلي - مونتريال
تم ايراد مشروع «قانون غابي رينو» اليوم 13 أيار- مايو 2026 في الجمعية الوطنية لمحافظة كيبك وهو مشروع قانون مستوحى من «قانون كلير» البريطاني.
يشكل مشروع القانون هذا نقطة تحوّل مهمّة في تطوّر القانون الكيبيكي المتعلّق بالعنف الأسري والعنف بين الشركاء. وقد جاء هذا المشروع إثر مقتل غابي رينو في مدينة سان جيروم عام 2025، في جريمة هزّت الرأي العام، بهدف تمكين الأشخاص من معرفة السوابق العنيفة لشريكهم أو شريكهم السابق، سعياً لمنع وقوع مآسٍ جديدة.
إلا أنّ هذا المشروع لا يطرح فقط مسألة حماية الضحايا، بل يفتح أيضاً نقاشاً قانونياً وأخلاقياً عميقاً حول حدود تدخل الدولة: إلى أي مدى يمكن للدولة أن تكشف ماضي شخص جنائي لحماية ضحية محتملة؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحق في الأمان وبين مبادئ أساسية كقرينة البراءة، وحق الخصوصية، وإعادة التأهيل الاجتماعي؟
إصلاح وُلد من فشل مؤسساتي
تحوّلت قضية غابي رينو إلى رمز لفشل المنظومة في التعامل مع العنف الأسري. فبحسب تقارير إعلامية، كان المتهم بقتلها يملك سجلاً طويلاً من العنف ضد شريكات سابقات، شمل إدانات متكرّرة ومخالفات لشروط الإفراج والمراقبة القضائية.
وقد أثار ذلك صدمة واسعة في المجتمع: كيف يمكن لشخص يحمل هذا التاريخ من العنف أن يبقى حرّاً دون أن تكون شريكته الجديدة على علم بالخطر المحتمل؟
هذا السؤال تحديداً هو ما يقوم عليه «قانون كلير»، المعتمد في المملكة المتحدة وبعض المقاطعات الكندية. ويقوم المبدأ على تمكين أي شخص، أو أحد المقرّبين منه، من طلب معلومات من الشرطة حول ما إذا كان الشريك الحالي أو السابق يملك سوابق مرتبطة بالعنف الأسري قد تشكّل خطراً على السلامة.
وبالتالي، فإن منطق هذا القانون ليس عقابياً بقدر ما هو وقائي؛ فهو يقوم على فكرة أنّ المعلومة قد تنقذ حياة.
الحق في المعرفة كأداة للحماية
من الناحية القانونية، يمثّل هذا المشروع تحوّلاً مهماً في دور الدولة الوقائي.
تقليدياً، يتدخّل النظام القضائي بعد وقوع الجريمة. أمّا «قانون غابي رينو» فيندرج ضمن منطق استباقي يهدف إلى منع الجريمة قبل حدوثها، من خلال إعطاء الضحايا المحتملين القدرة على تقييم مستوى الخطر قبل فوات الأوان.
هذا التوجّه يعكس تطوّراً حديثاً في القانون الجنائي وقانون الأمن العام، حيث لم تعد وظيفة الدولة تقتصر على المعاقبة، بل أصبحت تسعى أيضاً إلى توقّع المخاطر ومنعها.
اجتماعياً، ترى العديد من جمعيات الدفاع عن النساء أنّ الكشف عن هذه المعلومات قد يساعد بعض الضحايا على مغادرة علاقة خطيرة في وقت أبكر، أو طلب المساعدة، أو اتخاذ تدابير حماية لأنفسهن.
ومن هذا المنطلق، يتحوّل القانون أيضاً إلى أداة تمنح الضحايا قدرة أكبر على اتخاذ القرار بحرية ووعي، إذ لا يمكن الحديث عن «رضا حر»(Consentement libre et éclairé) داخل علاقة عاطفية إذا كانت إحدى الجهات تجهل خطراً حقيقياً يهدّد حياتها.
تجدر الإشارة الى أن مشروع القانون هذا في حال تم التصديق عليه، يمكن استعماله من أي من الشركاء الحميمين، نساءً كانوا ام رجالا.
التحديات الدستورية والمخاطر القانونية
ورغم الهدف المشروع لهذا النوع من القوانين، فإن أي تشريع من هذا النوع سيبقى ملزماً باحترام الحقوق الأساسية التي تحميها شرعة الحقوق والحريات الكندية وشرعة حقوق الإنسان في كيبيك.
وتبرز هنا ثلاث إشكاليات رئيسية:
- 1. الحق في الخصوصية
إن الكشف عن السوابق الجنائية يشكّل تدخلاً كبيراً في الحياة الخاصة. ففي القانون الكندي، حتى الشخص المدان يبقى محتفظاً بحقوق أساسية بعد انتهاء عقوبته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
ما هي المعلومات التي يمكن كشفها؟ وفي أي ظروف؟ ووفق أي معايير؟
فأي كشف واسع وغير مضبوط قد يؤدي إلى وصم اجتماعي دائم يتعارض مع مبدأ إعادة التأهيل الذي يقوم عليه النظام الجنائي الكندي.
- خطر التحوّل إلى سجل علني
بدأت بعض الجهات تطالب بإنشاء سجل علني للمكرّرين في قضايا العنف الأسري على نسق سجل المحكومين في قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال.
لكن هذا النموذج سيكون أكثر عرضة للطعن الدستوري، لأن الفرق كبير بين كشف معلومات محددة ومدروسة من قبل الشرطة لحماية شخص معيّن، وبين إنشاء قاعدة بيانات عامة متاحة للجميع.
فالسجل العلني قد يؤدي إلى:
- أخطاء في تحديد الهوية؛
- حملات تشهير وانتقام؛
- صعوبات كبيرة في العمل والاندماج الاجتماعي؛
- ظهور نوع من «العدالة الشعبية» خارج إطار القضاء.
والخطر هنا أن تتحوّل الوقاية تدريجياً إلى شكل من أشكال النفي الاجتماعي الدائم.
- قرينة البراءة واحتمال سوء الاستخدام
يثير النقاش العام أيضاً مخاوف مرتبطة بإمكانية إساءة استخدام هذه الآليات، خصوصاً إذا تم الكشف عن معلومات تستند إلى اتهامات غير مثبتة أو أحداث قديمة لا تعبّر بالضرورة عن خطر حالي.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي:
ما هو الحد الأدنى المطلوب للكشف عن المعلومات؟
هل يقتصر الأمر على الإدانات الجنائية؟
أم يشمل أوامر الحماية؟
أم التدخلات الشرطية المتكرّرة؟
أم حتى القضايا التي ما زالت أمام المحاكم؟
فكلما توسّع نطاق المعلومات المكشوفة، زادت احتمالات المساس بالحقوق الأساسية.
4. تحديد ماهية "الشريك الحميم" و "الشخص المعرض للخطر"
مشروع القانون يعرف هذين التعريفين وفقا للآتي:
« partenaire intime » : une personne qui a ou a eu une relation intime, telle de nature conjugale, sentimentale ou sexuelle, avec une personne à risque, sans égard à leur cohabitation ou au caractère sérieux ou stable de leur relation;
« personne à risque » : une personne qui a des préoccupations concernant le risque qu’un partenaire intime peut présenter pour sa sécurité ou celle de son enfant.
"الشريك الحميم": هو الشخص الذي تربطه أو ربطته علاقة حميمية بشخص معرّض للخطر، سواء كانت العلاقة ذات طابع زوجي أو عاطفي أو جنسي، وذلك بغضّ النظر عن إقامتهما المشتركة أو عن مدى جدّية العلاقة أو استقرارها.
"الشخص المعرّض للخطر": هو الشخص الذي لديه مخاوف بشأن الخطر الذي قد يشكّله شريك حميم على سلامته أو على سلامة طفله.
نلاحظ هنا تعابير عامة جدا وقابلة لاحتواء الكثير من التفاسير والاحتمالات، مما يمكن أن يخلي مشروع القانون هذا من روحه والسبب من طرحه في الأساس.
أزمة اجتماعية أعمق من مجرد مسألة قانونية
لكن اختزال العنف الأسري بمسألة كشف السوابق يبقى تبسيطاً للأزمة.
فالكثير من الضحايا يبقين في علاقات مؤذية رغم معرفتهن بالخطر، بسبب:
- التبعية الاقتصادية؛
- الخوف؛
- العزلة الاجتماعية؛
- وجود الأطفال؛
- الصدمات النفسية؛
- نقص المساكن ومراكز الإيواء والدعم.
- مراكز الإيواء؛
- الخدمات النفسية والاجتماعية؛
- برامج إعادة التأهيل؛
- مراقبة المكرّرين؛
- التوعية حول العلاقات السامة؛
كما أن عدداً كبيراً من حالات العنف لا يتم التبليغ عنها أصلاً، ما يعني أنّ القانون، حتى لو طُبّق، لن يتمكّن من كشف كل الأشخاص الخطرين.
بمعنى آخر، قد يكون الشخص خطيراً جداً رغم عدم امتلاكه سجلاً جنائياً.
لذلك، فإن القانون قد يكون مفيداً، لكنه لن يكون كافياً وحده.
خطر التشريعات العاطفية
هناك أيضاً خطر ما يُعرف بـ«التشريع العاطفي»، أي سنّ قوانين تحت ضغط الصدمة الشعبية الناتجة عن جريمة مروّعة.
صحيح أنّ هذه القوانين تنبع غالباً من حاجة حقيقية، لكنها قد تعطي أحياناً شعوراً بالأمان يفوق فعاليتها الفعلية.
فحتى لو ساهم القانون في إنقاذ بعض الأرواح، فإن غياب استثمارات جدّية في:
قد يجعل القانون أقرب إلى رمز سياسي منه إلى إصلاح بنيوي حقيقي.
خاتمة: توازن هش بين الحماية والحريات
يمثّل «قانون غابي رينو» واحداً من أكثر النقاشات القانونية والاجتماعية حساسية في كيبيك خلال السنوات المقبلة.
فمن جهة، تتحمّل الدولة مسؤولية أخلاقية وقانونية لحماية الضحايا المحتملين بشكل أفضل، خصوصاً بعدما أثبتت جرائم قتل النساء المتكرّرة أنّ الآليات الحالية غير كافية.
ومن جهة أخرى، فإن أي مجتمع ديمقراطي يجب أن يبقى حذراً عندما يمنح الدولة صلاحية كشف معلومات شخصية مرتبطة بالماضي الجنائي للأفراد.
وبالتالي، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في مبدأ الحماية بحد ذاته، بل في كيفية تنظيم هذه الحماية قانونياً دون التضحية بالضمانات الأساسية لدولة القانون.
وفي النهاية، لن يُقاس نجاح هذا القانون فقط بقدرته على منع جرائم جديدة، بل أيضاً بمدى حفاظه على التوازن الدقيق بين الأمن العام، والعدالة الوقائية، واحترام الحريات الفردية وأخيرا بمدى احترامه للقوانين الدستورية وشرعة حقوق الإنسان الكندية والكيبكية حيث انه من شبه المؤكد انه في حال التصديق عليه في نسخته الحالية، سيتم الطعن فيه أمام المحاكم المختصة.
82 مشاهدة
13 مايو, 2026
145 مشاهدة
11 مايو, 2026
226 مشاهدة
08 مايو, 2026