متابعة صدى أونلاين
حذرت دراسة كندية جديدة من أن الإجراءات الصارمة لمكافحة تمويل الإرهاب والعقوبات المالية، رغم أهدافها الأمنية المشروعة، باتت تترك آثاراً غير مقصودة على عمل جمعيات خيرية إسلامية في كندا، إلى درجة دفعت بعضها إلى تقليص أو وقف مساعداتها الإنسانية في دول تعاني أزمات حادة، بينها سوريا واليمن.
وتكشف الدراسة، التي أعدها أستاذ القانون والتاريخ ومدير معهد الدراسات الإسلامية في جامعة تورونتو أنفر إمون (Anver Emon)، أن المشكلة لا تقتصر على الرقابة الحكومية، بل تمتد إلى البنوك ومقدمي الخدمات المالية الذين قد يقررون وقف التعامل مع جمعية خيرية بسبب مخاوف مرتبطة بمكافحة تمويل الإرهاب أو العقوبات.
وتصف الدراسة هذه الظاهرة بـ**«إزالة المخاطر المالية» (Financial Derisking)**، عندما تقطع مؤسسة مالية خدماتها عن عميل تعتبر التعامل معه عالي المخاطر، حتى من دون ثبوت ارتكابه مخالفة.
والنتيجة، بحسب الدراسة، قد تكون أكثر خطورة في القطاع الإنساني، إذ تلجأ جمعيات إلى ما يسمى «إزالة المخاطر الإنسانية» (Humanitarian Derisking)، أي تقليص نشاطها أو الانسحاب من دول ومناطق محتاجة خشية تجميد أموالها أو خسارة خدماتها المصرفية أو التعرض للمساءلة.
لماذا تتأثر الجمعيات الإسلامية بصورة خاصة؟
تقول الدراسة إن الجمعيات الإسلامية معرضة لهذه المشكلة بصورة خاصة لأن جزءاً مهماً من نشاطها الإنساني يتركز في مناطق تعاني الحروب والفقر والكوارث، وهي في الوقت نفسه مناطق قد تصنف على أنها مرتفعة المخاطر من ناحية تمويل الإرهاب أو خاضعة لأنظمة عقوبات.
وبذلك تجد بعض الجمعيات نفسها أمام معادلة صعبة: الاستمرار في مساعدة السكان في مناطق شديدة الحاجة، مع ما قد يحمله ذلك من مخاطر مصرفية وقانونية، أو الانسحاب منها لتجنب تلك المخاطر.
جمعيتان تتحدثان عن تجربتهما
وكشفت جمعيتان إسلاميتان كنديتان لـ«The Canadian Press» عن تجاربهما، لكنهما طلبتا عدم الكشف عن اسميهما، خشية أن يؤدي الحديث العلني عن مشكلاتهما إلى إثارة مخاوف المتبرعين والتأثير على التبرعات.
وفي إحدى الحالتين، كانت جمعية تستخدم منصة لمعالجة التبرعات مستخدمة على نطاق واسع في القطاع غير الربحي، قبل أن تتوقف الخدمة فجأة، بحسب روايتها، من دون إنذار مسبق أو تفسير رسمي أو آلية واضحة للاعتراض.
وأبلغتها المنصة بأن السبب مرتبط بالبنك الذي تتعامل معه، من دون تقديم مبررات مكتوبة.
وبحسب التقرير، أدت هذه الصعوبات في نهاية المطاف إلى توقف الجمعية عن العمل في ثلاث دول.
أموال مساعدات سوريا جُمّدت
أما الحالة الثانية فتتعلق بجمعية أطلقت حملة لجمع التبرعات لمشاريع إنسانية في سوريا بعد تعديل كندا نظام العقوبات لتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية.
وبعد عدة أشهر، قام مزود الخدمات المالية بتجميد الأموال المرتبطة بالحملة.
وتقول الجمعية إن مقدم الخدمة لم يكن، في البداية، على علم بالإعفاء المعمول به ضمن نظام العقوبات الكندي الذي يسمح بالنشاط الإنساني المعني.
وحتى بعد إبلاغه بالإعفاء، بقيت الأموال مجمدة خلال مراجعة داخلية مطولة، وفق رواية الجمعية.
وكانت الجمعية قد التزمت بالفعل تنفيذ مشاريع في سوريا وتعتمد على تلك الأموال، ما أدى إلى إبطاء بعض المشاريع أو تأجيلها أو وقفها.
تجربة أفغانستان غيّرت القواعد
وتشير الدراسة أيضاً إلى ما حدث بعد عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021.
فالجمعيات الكندية العاملة هناك واجهت آنذاك احتمال الوقوع تحت طائلة المسؤولية الجنائية إذا استفادت طالبان، ولو بصورة عرضية، من الأموال أو النشاط الإنساني، نظراً إلى إدراجها ككيان إرهابي بموجب القانون الكندي.
وفي عام 2023 عدلت كندا القانون الجنائي للسماح بتقديم المساعدات الإنسانية الأساسية في ظروف معينة، مع اتخاذ جهود معقولة لتقليل استفادة الجماعات الإرهابية منها.
لكن الدراسة ترى أن المشكلة لم تُحل بالكامل، لأن الحدود الفاصلة بين ما يعتبر «مساعدة إنسانية» مشمولة بالاستثناء وبين أنشطة التنمية الأطول أجلاً التي قد تحتاج إلى ترخيص منفصل، ليست واضحة بما يكفي.
وهذا الغموض، بحسب الدراسة، قد يدفع بعض المنظمات إلى اتخاذ القرار الأكثر أماناً بالنسبة إليها: عدم العمل في المنطقة أصلاً.
67% من الجمعيات التي دُققت ملفاتها كانت إسلامية
وتأتي الدراسة في ظل جدل أوسع في كندا بشأن طريقة تعامل السلطات مع الجمعيات الإسلامية في ملفات مكافحة تمويل الإرهاب.
ففي أكتوبر 2025، نشرت الهيئة الوطنية لمراجعة الأمن والاستخبارات (NSIRA) نتائج مراجعتها لعمل قسم المراجعة والتحليل في وكالة الإيرادات الكندية، وهو القسم المعني بمخاطر استغلال القطاع الخيري في تمويل الإرهاب.
وكشفت المراجعة أن 67% من الجمعيات التي اكتملت عمليات تدقيقها لدى هذا القسم بين عامي 2009 و2022 كانت جمعيات يمكن تمييزها على أنها إسلامية، فيما بلغت نسبة الجمعيات السيخية 19%.
ولم تخلص هيئة الرقابة إلى إثبات وجود تمييز متعمد، لكنها وجدت أن أوجه قصور في آلية تحديد الجمعيات واختيارها للتدقيق أدخلت مخاطر للتحيز والتمييز، كما وجدت حالات لم تكن فيها مخاطر تمويل الإرهاب واضحة بما يكفي لتبرير التدقيق.
من جهتها، تؤكد وكالة الإيرادات الكندية أنها لا تختار الجمعيات للتدقيق على أساس الدين أو الطائفة، وأعلنت قبولها معظم توصيات هيئة الرقابة والعمل على تحسين توثيق القرارات وتقييم المخاطر وضمان الاتساق والحياد.
12 توصية للحكومة
ويقدم تقرير إمون 12 توصية إلى جهات فدرالية مختلفة لمعالجة المشكلة.
ومن بين المقترحات إصدار إرشادات أوضح للجمعيات بشأن حدود الاستثناء الإنساني في القانون الجنائي ونظام التصاريح، وتنظيم جلسات دورية بين وكالة الإيرادات والأمن العام والقطاع غير الربحي لشرح القواعد وكيفية الالتزام بها.
كما يدعو إلى تعاون بين وكالة الإيرادات والشؤون العالمية الكندية لتنظيم جلسات دورية تساعد الجمعيات على فهم نظام العقوبات الكندي وتجنب الوقوع في مخالفات غير مقصودة.
ورفضت وكالة الإيرادات التعليق على الدراسة نفسها، مشيرة إلى أنها لا تعلق على تقارير صادرة عن جهات خارجية.
أما وزارة السلامة العامة فقالت إنها اطلعت على التوصيات، وأشارت إلى أنها ووكالة الإيرادات تنظمان منذ 2024 أنشطة تواصل وجلسات معلومات مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية لشرح الاستثناء الإنساني ونظام التصاريح.
وقالت وزارة المالية إنها تراجع توصيات الدراسة، مؤكدة أن الحكومة تسعى إلى إبقاء إجراءات مكافحة تمويل الإرهاب فعالة ومتناسبة، مع معالجة الآثار غير المقصودة على القطاع غير الربحي.
بين حماية النظام المالي ووصول المساعدات
ولا تشكك الدراسة في ضرورة منع وصول الأموال إلى التنظيمات الإرهابية أو حماية النظام المالي الكندي من الاستغلال، بل تقر بأن هذه الإجراءات مرتبطة أيضاً بالتزامات كندا الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يصبح الخوف من المخاطر القانونية والمصرفية كبيراً إلى درجة تدفع جمعية كندية مسجلة وقائمة بصورة قانونية إلى الانسحاب من منطقة يحتاج سكانها إلى المساعدة؟
وهنا تكمن المفارقة التي يسلط عليها التقرير الضوء: إجراءات وضعت لمنع إساءة استخدام الأموال قد تؤدي، إذا لم تكن قواعدها واضحة ومتوازنة، إلى حرمان مدنيين في مناطق الأزمات من مساعدات إنسانية مشروعة.
المصدر: The Canadian Press، مع مراجعة صدى أونلاين لدراسة جامعة تورونتو وتقرير الهيئة الوطنية لمراجعة الأمن والاستخبارات (NSIRA).
84 مشاهدة
17 أغسطس, 2026
86 مشاهدة
17 أغسطس, 2026
132 مشاهدة
16 أغسطس, 2026