د. إسماعيل الحاج علي ـ غاتينو
مرحباً بكم في العصر الذهبي للحرية الفردية، حيث يمكنك أن تختار كل شيء: نوع قهوتك، لون جواربك، وهويتك الرقمية… إلا الخروج من زواجك أحياناً، لأن الحساب البنكي له رأي آخر.
فوفق استطلاع حديث، اعترف عدد كبير من الكنديين أنهم بقوا في علاقات انتهت صلاحيتها العاطفية منذ زمن، لا لأن الحب عاد متخفياً، ولا لأن شرارة الرومانسية اشتعلت من جديد، بل لأن الطلاق أصبح مشروعاً استثمارياً يحتاج إلى تمويل وخطة ادخار وربما قرضاً بنكياً.
صار الزوجان يجلسان على مائدة واحدة كما يجلس شريكان في شركة خاسرة. لا أحد يحب الآخر، ولا أحد يطيق الآخر، لكن الطرفين متفقان على بند واحد: الإفلاس أسوأ.
لقد تطورت المؤسسة الزوجية كثيراً. في السابق كان الناس يقولون: “جمع الله بينكما”. أما اليوم فالأدق أن يقال: “جمع بينكما سعر الإيجارات وأقساط الرهن العقاري”.
والمشهد يستحق التأمل. حضارة أمضت عقوداً تبشر الإنسان بأنه سيد نفسه، وأنه لا يخضع لشيء سوى إرادته الحرة، انتهت إلى وضعه أمام معادلة أكثر تواضعاً: افعل ما تشاء… إذا كان رصيدك يسمح.
حتى الانفصال، هذا الرمز المقدس للاستقلال الشخصي، أصبح امتيازاً طبقياً. الأغنياء يطلقون ويتزوجون ويعيدون ترتيب حياتهم، أما بعض أبناء الطبقة المتوسطة فيمارسون شكلاً جديداً من الحب القسري اسمه: “البقاء لأن الانتقال إلى شقة أخرى مستحيل”.
يا للمشهد العبثي. زوجان لا يجمعهما عشق، ولا مشروع، ولا أمل، لكن يجمعهما فاتورة الكهرباء. يتبادلان الصمت على الأريكة نفسها لأن سوق العقارات أكثر قسوة من خلافاتهما الزوجية.
والأطرف أن هذا كله يحدث باسم الحرية. حرية عظيمة إلى درجة أن الإنسان أصبح حراً في البقاء، وحراً في الرحيل، وحراً في الاختيار… بشرط أن يراجع الأسعار أولاً.
أما الزواج بوصفه ميثاقاً وأمانةً وعهداً يتجاوز لغة الربح والخسارة، فقد أصبح يبدو لكثيرين فكرة قديمة الطراز، مع أنه يمنح الإنسان ما عجزت عنه السوق كلها: سبباً للبقاء لا يُقاس بالدولار، وقراراً للفراق لا تحدده أسعار العقارات.
لقد نجحت الحداثة في تحرير الإنسان من كل القيود تقريباً، ثم أعادت ربطه بقيد واحد أكثر صلابة من الجميع: بطاقة الائتمان.
وهكذا لم يعد السؤال: “هل ما زلت تحب شريك حياتك؟” بل: “كم تبلغ كلفة أن تتوقف عن حبه؟”
48 مشاهدة
16 يونيو, 2026
77 مشاهدة
16 يونيو, 2026
41 مشاهدة
16 يونيو, 2026