Sadaonline

عن أيّ عيد… عذرًا يا عيد

أيّ عيدٍ هذا الذي يتزامن مع القصف؟ أيّ عيدٍ يُولد من بين الركام؟ أيّ فرحٍ يمكن أن يُصنع، وبيوتٌ تُهدَم، وأرضٌ تُغتصب، وأطفالٌ يُنتزعون من طفولتهم قبل أن يتعلّموا معنى العيد أصلًا؟

الدكتورة وفاء مروة بليطة - مونتريال

عن أيّ عيدٍ نتحدّث، ونحن في كلّ مرّة نحاول أن نلفظ كلمة "عيد" نشعر أنّها غريبة عن أفواهنا، كأنّها لا تنتمي إلى هذا الواقع، ولا تشبه هذا الوجع المقيم في تفاصيلنا؟ عذرًا منك يا عيد، لأنّنا لم نعد نعرف كيف نستقبلك، ولا كيف نمنحك حقّك من الفرح، ولا كيف نُقنع قلوبنا أنّك ما زلت تحمل المعنى ذاته الذي تربّينا عليه.
في لبنان، لم يعد العيد موعدًا للبهجة، بل صار توقيتًا إضافيًّا للحزن. تمرّ الأيام التي كانت تُسمّى أعيادًا كأنّها ظلّ ثقيل، لا يترك في الذاكرة سوى شعور النقص، ونبض الخوف، وصوت الغياب. مرّ عيد الفطر كأنّه لم يكن، كأنّ الناس اتّفقوا بصمتٍ موجع على تجاهله، لأنّ الفرح في حضرة الألم يبدو خيانةً لدمٍ لم يجفّ بعد. واليوم، يأتي عيد الأضحى مثقلاً بما لا يُحتمل، كأنّه يحمل على كتفيه كلّ هذا الخراب، ويضعه في قلوبنا دون استئذان.
أيّ عيدٍ هذا الذي يتزامن مع القصف؟ أيّ عيدٍ يُولد من بين الركام؟ أيّ فرحٍ يمكن أن يُصنع، وبيوتٌ تُهدَم، وأرضٌ تُغتصب، وأطفالٌ يُنتزعون من طفولتهم قبل أن يتعلّموا معنى العيد أصلًا؟ لقد تحوّل العيد من مساحةٍ للفرح إلى مساحةٍ للمقارنة، نقيس فيه حجم ما فقدناه، ونستحضر فيه وجوهًا غابت، وضحكاتٍ انطفأت، وأصواتًا لم تعد تعود.
النساء اللواتي كنّ ينسجن من العيد دفئه، أصبحن ينسجن من الحزن صبرًا ثقيلًا، والأمهات اللواتي كنّ ينتظرن صباح العيد ليزيّنّ أولادهنّ، أصبحن ينتظرن خبرًا يطمئن القلب، ولو كان مؤقّتًا. الأطفال الذين كان العيد يعني لهم ثيابًا جديدة وحلوى وضحكًا، صاروا يعرفون أصوات الطائرات أكثر ممّا يعرفون أناشيد العيد، ويحفظون ملامح الخوف أكثر ممّا يحفظون ملامح الفرح.
لم يعد العيد زمنًا نعيشه، بل صار ذكرى نقارن بها حاضرنا المكسور. صار العيد بعيدًا، بعيدًا جدًّا، ليس لأنّه تأخّر في المجيء، بل لأنّه فقد طريقه إلينا. تبخّرت معانيه، وتكسّرت رمزيّته، وانسحب من تفاصيلنا بصمت، تاركًا مكانه لشيء آخر… شيء يشبه الحداد الجماعي، يشبه الصمت الطويل، يشبه وجعًا لا يجد لغةً تكفيه.
يا عيد، إن عدتَ يومًا كما كنت، سنغفر لك غيابك، لكن إلى ذلك الحين، دعنا نعتذر منك مرّة أخرى، لأنّنا لم نعد نملك القدرة على الاحتفال بك، ولا نملك رفاهية الفرح، ولا حتى ترف الحلم. نحن هنا، نعدّ خساراتنا، نحصي غيابنا، ونحاول أن نُبقي في داخلنا شيئًا صغيرًا حيًّا… شيئًا يشبه الأمل، وإن كان متعبًا.
فبأيّة حالٍ عدتَ يا عيد؟
وبأيّ وجهٍ سنستقبلك، ونحن لم نعد نعرف وجوهنا من شدّة ما تغيّرنا؟