طلال مصطفى طه ـ مونتريال
يقول الراوي: كانت النبطية.. أو كفر الكونية، أو كفر الكون على قول متين، في عصور جيولوجية قديمة تطل على البحر، وكان ناسها يشهدون قرص الشمس يسقط في الطرف الآخر من الماء، وكانوا فرحين بذلك، ثم في ليلة شؤم غاب فيها القمر، جاءت ريح غرب عاصفة، حملت بعض القرية وبعض ناسها وبيوتها ومتاعها الى الشرق قليلا، وحطت حيث هي الآن، أقرب الى الصحراء.. ولا زالت منذ ذاك التاريخ تقيم عزاءها وتبكي!
المدن في علوم الجغرافيا وخيارات الطبيعة تبنى قريبة من الماء، على شواطئ البحار وضفاف الأنهار والبحيرات، ومنابع ومساقط المياه، هكذا دأبت الشعوب القديمة.. والحديثة منها، كلما اقتربت من الماء كلما ضمنت عناصر الحياة بأنواعها.. كل شيء حي!
كفر الكونية - كما يقول الراوي - إضافة الى هبات الطبيعة المتنوعة والسخية، أسست على مجموعة من النذور والحظوظ والأدعية، فجاءت على قدر!
ولما كان للطبيعة طرائقها وذائقتها في تشكيل ذاتها، هكذا نبتت التلال حول المدينة، وتوزعت الصخور في جنباتها، شبت شجرات سرو وصنوبر بري في أنحائها، واتخذ وليها "الشميلي" مقاما له في ظلال صنوبرات هرمات تحت "الشقيف"، يطل من هناك على "حي السراي" ويبارك ناسه الذين يزورونه ويحرصون على إضاءة مقامه وتقديم النذور له، والالحاح عليه بطلب الشفاء والبنين والرزق والمطر!..
يخترق التلال التي تحيط بالبلدة طرقات شقت وعبدت على عجل، استدلت عليها الدواب أولا، ثم اعتمدها انسان قديم، ثم توسعت لأسباب لوجستية وعسكرية لاحقا، بعدها استفاد الناس منها اقتصاديا واجتماعيا ومعيشيا..
يرتادها ناس طيبون صباح كل يوم اثنين من كل اسبوع، الأكثر حظا تحملهم سيارات نقل يعودون بها محملين بالمتاع والأغذية واللعب، الأقل حظا يأتون باكرا على دوابهم، وقد يوفقون لبيعها في سوق الدواب، فيعودون راجلين..
وكانت الحياة تمر هادئة في كفر الكونية، وكان الناس راضون، لا يخدش صفحة استقرارهم سوى النبوءة واللعنة لاحقا ثم الوباء!..
ويتابع الراوي: لا تزال لكفر الكونية رائحة البحر، ورائحة الملح نفاذة تخترق الأنوف، وشيئا من صدى موجه يصل آخر الليل الى النوافذ المفتوحة والاسماع الساهرة، وعلى بعد عصفور صغير من الشاطئ تقف كفر الكونية بإجلال كأنها تصلي لشمس تعود متعبة الى مأواها بعد نهار حار وطويل!..
سميت كفر الكونية أو كفر الكون على قول، وقيل كان لها اسم آخر ذهب مع العثماني حين غادرها كسيرا مهزوما، ثم أعطى الفرنسي لهذا الجبل اسما مزغولا، سرعان ما لفظته الضيعة، ومسحته من الكتب والذاكرة وقصص العجائز وعلماء الانساب ورواد المقاهي!
لا تذكر الضيعة من الذي وضع الحجر الأول في عمارتها، بعض الرواة يتحدثون عن محطة لتجار يعبرون جنوبا محملين بالبضائع، فيقيلون لبعض الوقت في ساحة فيء وماء، تحيط بها تلال أربعة، ثم كان "النزل"، وتبعه المطعم ومربط الدواب، ثم نذر أحدهم سبيل ماء للعابرين والعطاشى، ثم بكى الناس اماما لهم، فتشكلت نواة ضيعة توزع الخبز والدمع كل عزاء!..
تشكلت الضيعة – المدينة على أنساق متعددة، وعبرت اطوارا جيولوجية عدة، تركت آثارا في الحجر وصلابة لدى البشر، بعض احياؤها نجت من عبث الحضارة والمدنية، لم أكن مهتما بأن أعرف هل الكنيسة بنيت أولا أو المسجد، وحين ألحت علي حشريتي، رحت الى ذاكرة الكبار فتلعثموا، وحين عدت الى الكتب ابيضت صفحاتها، ولما قصدت الخوري والشيخ - وكانا في حديث حول قديس لا أعرفه - تبسما، وتابعا حديثهما عن الانبياء الذين عبروا كفر الكونية والجوار، وتركوا آثارا من متاع السماء على الارض، لكل منهما له فيه حصة!
يعتقد أهل الضيعة أن إلها أو ملاكا بمرتبة رفيعة قد رصد لحماية ناسها، وهو يعمل بوقت كامل ويتعجل بنقل أدعية المؤمنين لإله آخر لحمايتهم من اللعنة او النبوءة الخبيثة!
ويقول بعض عرافي البلدة ومنجميها أن ملائكة بيض يقفون فوق تلال المدينة خلال الليل الى الصباح، يحرسون نعاسها وأحلام ناسها ويداوون بؤسها!
الذين لا يعرفون كفر الكونية يسمونها ضيعة، تقع على خط زلازل قديم فوق تلال في الجنوب، تتجه بدورها جنوبا أيضا، حيث لعنة الجغرافيا، الذين يعرفونها أكثر يدعونها بلدة، فهي أكبر، والذين يفخرون بها وبناسها يزعمون أنها مدينة، والذين ازدادوا تعصبا قالوا إنها كفر الكون!..
فالقادم اليها من العاصمة يقول: أنا طالع الى الضيعة نهاية الاسبوع، والزائر لها من الضيع المجاورة يقول: انا قاصد المدينة، والساكن فيها يقول ما يحلو له وهو مصيب..
وهي، بزعمي - أنا، شيء من هذا وذاك!..
* الصورة من كامل وهبي
303 مشاهدة
11 يونيو, 2026
521 مشاهدة
31 مايو, 2026
276 مشاهدة
25 مايو, 2026