Sadaonline

قراءة في وجع الجنوب بين النزوح والانتظار

كيف يمكن للفصول أن تستعيد معناها في أرضٍ لم تلتئم جراحها بعد؟

د. وفاء مروة -مونتريال

نزحوا في السابع من آذار قسرًا، تاركين خلفهم بيوتًا لم تُقفل أبوابها بإرادتهم، وذكرياتٍ لم تكتمل فصولها. لم يكن الرحيل خيارًا، بل كان ثِقلًا فُرض عليهم، فحملوا وجعهم ومضوا، وكأن الأرض التي احتضنتهم يومًا ضاقت فجأة بأحلامهم.

وجاء الربيع…
لكنّه لم يأتِ كما اعتدناه. لم تتفتّح الأزهار، ولم تُزهر الحقول، بل ارتوت الأرض بدماء الأطفال الأبرياء. تحوّل الربيع من فصل للحياة إلى شاهدٍ على الألم، ومن وعدٍ بالولادة إلى ذاكرةٍ تنبض بالفقد. صار الربيع عابرًا مثقلاً، لا يحمل إلا صدى الحزن.

وجاء الصيف…
وجاء معه سؤال أكبر من الزمن: أيّ صيفٍ هذا الذي يمرّ والقلوب ما زالت معلّقة عند لحظة الرحيل؟ أيّ دفءٍ يمكن أن يُشعر به من اقتُلع من جذوره؟ في الجنوب، لم يكن الصيف فصلًا للراحة، بل امتدادًا للانتظار. انتظار العودة، انتظار الأمان، انتظار أن تعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي.

أهل الجنوب لا يعدّون الفصول، بل يعدّون الأيام والدقائق، مترقّبين لحظة العودة التي لم تتّضح معالمها بعد. فالنزوح القسري لا يسرق المكان فقط، بل يسرق الطمأنينة، ويترك الإنسان معلقًا بين ماضٍ لم ينتهِ، ومستقبلٍ لم يبدأ.

وأمام هذا الواقع، يتحوّل الجنوب من جغرافيا إلى ذاكرة حيّة:
هو زهرة الورد في حديقة الجدّات،
ورائحة الحبق والزعتر البرّي والمردكوش،
هو شجرة الزيتون التي تقاوم الزمن،
وسنبلة القمح التي ترمز للحياة رغم كل شيء،
وهو عصافير الوادي والعين… التي تعرف طريق العودة دائمًا.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للفصول أن تستعيد معناها في أرضٍ لم تلتئم جراحها بعد؟ وكيف يمكن للصيف أن يكون صيفًا، إن لم يحمل معه عودةً طال انتظارها؟

الجنوب ليس فقط مكانًا…
إنه قضيّة، وذاكرة، وصمود.
وما بين الربيع الذي نزف، والصيف الذي جاء مثقلاً، يبقى الأمل فعل مقاومة، وبوصلةً تشير دائمًا نحو العودة.