درويش صباغ - مونتريال
في متاهة السيدة لطيفة الحاج قديح تتشكل رواية تحكي عن عائلة لبنانية ، مؤلفة من الأب حاتم والأم وفاء وثلاثة أبناء . تسافر العائلة الى دولة الإمارات العربية للعمل ، ومن ثم تهاجر من هناك إلى كندا ، وبعد حين تعود الى لبنان للعيش فيه ، ولكن الظروف الصعبة التي يمر بها الوطن ، جعلت هذه العائلة تعيش متاهة حياة غير مستقرة ، بعد إصابة آخر العنقود بمرض نفسي وعصبي لم يستطع الطب في لبنان علاجه على الرغم من المصاريف الباهظة التي يتطلبها العلاج في المشافي والمصحات التي تتطلب الدفع النقدي في دولة لا تتحمل مسؤولية علاج مواطنيها ، مهما كانت حالة المريض أو وضعه.
تتحمل الأم كامل المسؤوليه الصعبة، مع تقدم مرض ولدها النفسي وتطوره ، وما ينتج عن ذلك من المتاعب والصعوبات التي يتعرض لها ويعرض معه العائلة بأكملها .
من ناحية أخرى لا يلبث رب الأسرة أن يقع هو أيضا فريسة مرض عضال ، لا شفاء منه ، فتشعر وفاء أن القدر يظلمها ، ولكنها مع ذلك ، تتحمل ظلم القدر وتصبر وتكافح وتحاول أن تكون قدوة للآخرين ، فهي الآن الزوجة والأم التي يقع على كاهلها رعاية الزوج المريض ، وكذلك مرض ابنها وما يتطلبه من انتقال إلى المشافي والمصحات من فترة إلى أخرى ، بالإضافة الى تحملها تصرفاته الصادمة والقاسية بصدر رحب ، وتحاول أن تتجلد وتتماسك ولا تنهار أمام كل تلك الظروف الصعبة التي تمر بها .
وكانت الأم والزوجة تدرك صعوبة الدور المنوط بها لرعاية مريضيها ، ولكنها تبقى متماسكة على الرغم من صعوبة الظروف ، وتصر على التضحية في سبيل عائلتها ، ولكن القدر لا يمهلها ، فلا تلبث روح حبيبها أن تفيض بين يديها ، فيرحل عن هذه الدنيا ، فتبقى وفاء وحيده مع ابنها المريض، فإبنها
البكر يعيش في أميركا ، اما ابنها الأوسط فما لبث أن هاجر هو الآخر وعائلته الى كندا مع من هاجر من اللبنانيين ، بعد أزمة كوفيد ومأساة انفجار مرفأ بيروت، وسرقة ودائع الشعب ، وانهيار العملة الوطنية ، إضافة الى الظروف الأمنية الصعبة التي يعيشها لبنان ، ما قضى على آمال الشعب بالحياة الحرة الكريمة في وطنهم الأم .
لقد استطاعت المؤلفة السيدة لطيفة في روايتها المتاهة أن تصور لنا مدينة بيروت ، وهي مدينتها الأثيرة، على حقيقتها ، وكما هي، بشوارعها وأسواقها، وناسها ، وصخرة الروشة ، وكل معالمها ، كما فعل " فيكتور هيجو" في بؤسائه ، فقد صور " هيجو" قبل اكثر من مئتي عام ، مدينة باريس ورسم معالمها، وكذلك قامت لطيفة في المتاهة بالتركيز على أسماء الشوارع والفنادق ومعالم العاصمة بيروت التي قضت فيها سنوات عمرها وعرفتها حق المعرفة .
في رواية " المتاهة" وهو المؤلف الحادي عشر للأديبة ، والذي يقع في 421 صفحة من الحجم المتوسط ، نجد أنفسنا أمام سؤال بديهي وبريء : لماذا يا ترى تقسو الحياة على بعض العائلات فتحرمهم نعمة الإستقرار النفسي الذي يوفره العيش في الوطن الأم ، ولا سيما بعد أن أودعت تلك العائلة مدخراتها المالية أحد مصارف العاصمة ، فخسرتها ، بعد أن قامت البنوك بابتلاع ارصدة المودعين وتركت الناس على حافة العوز والفقر، ما دفع الام وفاء، بعد أن اصبحت وحيدة مع ابنها المريض ، للتفكير بالهجرة مرة أخرى إلى حيث يتم علاج ولدها مجانا وعلى نفقة الدولة الكندية . ومن ناحيتها فسوف تساعدها الدولة هي ايضا على جمع شتات نفسها ، والانطلاق مجددا في رحلة الحياة.
إن رواية المتاهة للأديبة لطيفة الحاج قديح ليست فقط قصة اسرة بل هي قصة أمة بكاملها ، هي قصة الشعب اللبناني في ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد ، وهي في نفس الوقت رحلة إنسانية تدغدغ مشاعر القارئ وتحركها طارحة الكثير من التساؤلات التي لن يجد جوابا لاي منها . فما مر به لبنان من ظروف معقدة وصعبة هو أمر غير طبيعي ، من حيث النتائج ، وتصرفات رجالات السياسة والحكام الذين يمسكون بزمام الدولة بكل ما فيها من فساد وسوء إدارة واستهتار بالمواطن المسكين الذي لا حول له ولا قوة .
ويبقى السؤال الكبير : كيف الخروج من المتاهة، ومتى ، والزمن يتقدم ، والعمر يتقدم ، ولا شيء يشير الى بصيص ضوء يعطي الأمل ويفتح نافذة جميلة على المستقبل الذي يتخطانا ولا نستطيع اللحاق به أو إمساكه لأننا في متاهة من الصعب الخروج منها .
52 مشاهدة
10 يناير, 2026
488 مشاهدة
07 يناير, 2026
225 مشاهدة
03 يناير, 2026