د. علي ضاهر
المشهد لا يحتاج إلى خبراء استراتيجيات ولا إلى محلّلي خرائط ولا إلى قرّاء أفكار ولا الى من يضرب في المندل. إنه أوضح من الشمس: عدوان مكتمل الأركان. طرفٌ يعتدي وطرفٌ معتدى عليه. هذه ليست معادلة فلسفية، بل واقعة سياسية. ومع ذلك، يقف كثيرون بنظارات سوداء، يبحثون عن زاوية تُظهرهم عقلانيين. يتنطّح من هنا يساريٌّ نسي أبجديّة اليسار، ويقفز من هناك علمانيٌّ أضاع بوصلة العلمانية، وكلاهما يرفع راية لا يعرف معناها، فيقولان بنبرة حكيمة: دعونا لا نتسرّع، فالصورة معقّدة وتتطلب تفكيك! لكن الصورة ليست معقّدة، ولا ما يحزنون. هي فقط محرجة لمن لا يريد أن يسمّي الأشياء بأسمائها. العالم اليوم لا يعاني من نقص في الرؤية، بل من فائض في التجميل. العدوان يُعاد تغليفه بورقٍ فاخر ويُختم بشعار خفض التصعيد. الدم يُعاد تسويقه كتفصيل جانبي. الضحايا يُعاد تصنيفهم كأضرارٍ غير مقصودة. اللغة صارت مستحضرات تجميل سياسية، مهمتها إخفاء الكدمات لا علاجها.
فما يجري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، ليس حرباً ولا أزمة ولا سوء تفاهم. إنه عدوان صريح. وكل عدوان يجب ان يُواجَه بالموقف الواضح: شجب، إدانة، ومساندة المعتدى عليه. لكن الأغرب من العدوان، ذاك الذي يقف في منتصف الطريق، يرفع يديه إلى السماء، معلنا: "أنا لا مع هذا ولا مع ذاك. أنا مع الحكمة. أنا مع التعقّل انا مع المنطق"! بينما التعقّل هنا ليس إلا مراوغة، والحكمة ليست إلا هروب من الحقيقة والمنطق ليس الا "كذب على اللحى" ومحاولة للتفلسف. فالحياد فضيلة حين يتخاصم جاران على سياج، لكنه رذيلة حين يُقصف بيت أحدهما. الحياد حكمة في الشجار، لكنه تواطؤ في العدوان! الفرق بسيط، لكن البعض يتعمّد الخلط، لأن الخلط مربح! فعبارة "أنا لا مع هذا ولا مع ذاك" تبدو جميلة على فنجان قهوة. تصلح لشعار مؤتمر عن السلام. لكنها في الواقع اسمٌ دلعٌ للانتهازية.
لا أحد يطلب من العالم أن يكون بطلاً، ولا أن يحمل سيفاً، ولا أن يكتب قصائد في مدح الشجاعة. كل ما يُطلب هو أن يسمّي العدوان عدواناً، والاعتداء اعتداءً، والضحية ضحية. لكن يبدو أن هذا كثير على زمنٍ صار فيه ادعاء الحياد تجارة، والمواقف مصلحة، والضمائر أجهزة تعمل بالشحن. فالبعض يفضّل الوقوف في المنتصف. وقد لخّصت الأمثال الشعبية هذا السلوك بدقة لا تحتاج إلى لجنة تحقيق ولا الى فذلكة، فقالت: يمشي مع الذئب ويبكي مع الراعي؛ يأكل من الصحنين؛ يصفّق للغالب، ويواسي المغلوب، ويقول للجميع: أنا مع الحق، دون أن يحدّد أيّ حق. وما دام هذا النوع من الحياد هو العملة الرائجة، فسنظل نرى من يصلي مع كل قبلة ويضع "اجر في البور واجر في الفلاحة" ويقسم أنه محايد!
المشهد لا يحتاج إلى خبراء استراتيجيات ولا إلى محلّلي خرائط ولا إلى قرّاء أفكار ولا الى من يضرب في المندل. إنه أوضح من الشمس: عدوان مكتمل الأركان. طرفٌ يعتدي وطرفٌ معتدى عليه. هذه ليست معادلة فلسفية، بل واقعة سياسية. ومع ذلك، يقف كثيرون بنظارات سوداء، يبحثون عن زاوية تُظهرهم عقلانيين. يتنطّح من هنا يساريٌّ نسي أبجديّة اليسار، ويقفز من هناك علمانيٌّ أضاع بوصلة العلمانية، وكلاهما يرفع راية لا يعرف معناها، فيقولان بنبرة حكيمة: دعونا لا نتسرّع، فالصورة معقّدة وتتطلب تفكيك! لكن الصورة ليست معقّدة، ولا ما يحزنون. هي فقط محرجة لمن لا يريد أن يسمّي الأشياء بأسمائها. العالم اليوم لا يعاني من نقص في الرؤية، بل من فائض في التجميل. العدوان يُعاد تغليفه بورقٍ فاخر ويُختم بشعار خفض التصعيد. الدم يُعاد تسويقه كتفصيل جانبي. الضحايا يُعاد تصنيفهم كأضرارٍ غير مقصودة. اللغة صارت مستحضرات تجميل سياسية، مهمتها إخفاء الكدمات لا علاجها.
فما يجري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، ليس حرباً ولا أزمة ولا سوء تفاهم. إنه عدوان صريح. وكل عدوان يجب ان يُواجَه بالموقف الواضح: شجب، إدانة، ومساندة المعتدى عليه. لكن الأغرب من العدوان، ذاك الذي يقف في منتصف الطريق، يرفع يديه إلى السماء، معلنا: "أنا لا مع هذا ولا مع ذاك. أنا مع الحكمة. أنا مع التعقّل انا مع المنطق"! بينما التعقّل هنا ليس إلا مراوغة، والحكمة ليست إلا هروب من الحقيقة والمنطق ليس الا "كذب على اللحى" ومحاولة للتفلسف. فالحياد فضيلة حين يتخاصم جاران على سياج، لكنه رذيلة حين يُقصف بيت أحدهما. الحياد حكمة في الشجار، لكنه تواطؤ في العدوان! الفرق بسيط، لكن البعض يتعمّد الخلط، لأن الخلط مربح! فعبارة "أنا لا مع هذا ولا مع ذاك" تبدو جميلة على فنجان قهوة. تصلح لشعار مؤتمر عن السلام. لكنها في الواقع اسمٌ دلعٌ للانتهازية.
لا أحد يطلب من العالم أن يكون بطلاً، ولا أن يحمل سيفاً، ولا أن يكتب قصائد في مدح الشجاعة. كل ما يُطلب هو أن يسمّي العدوان عدواناً، والاعتداء اعتداءً، والضحية ضحية. لكن يبدو أن هذا كثير على زمنٍ صار فيه ادعاء الحياد تجارة، والمواقف مصلحة، والضمائر أجهزة تعمل بالشحن. فالبعض يفضّل الوقوف في المنتصف. وقد لخّصت الأمثال الشعبية هذا السلوك بدقة لا تحتاج إلى لجنة تحقيق ولا الى فذلكة، فقالت: يمشي مع الذئب ويبكي مع الراعي؛ يأكل من الصحنين؛ يصفّق للغالب، ويواسي المغلوب، ويقول للجميع: أنا مع الحق، دون أن يحدّد أيّ حق. وما دام هذا النوع من الحياد هو العملة الرائجة، فسنظل نرى من يصلي مع كل قبلة ويضع "اجر في البور واجر في الفلاحة" ويقسم أنه محايد!
62 مشاهدة
01 مارس, 2026
128 مشاهدة
27 فبراير, 2026
87 مشاهدة
26 فبراير, 2026