طلال طه - مونتريال
لم تتوقف الحرب في غزة، لقد توقفت الحرب.. أو كادت، قد تندلع مجددا بصور أبشع، غدا أو بعد غد، لا يهم، هناك الألاف منهم لا تزال أيديهم على الزناد، هناك منهم ما يكفي لمتابعة مسرحية الدم والأشلاء، هكذا كانوا - عبر التاريخ - هكذا هم، وهكذا هم منذرورن للدم والشقاء والتيه!
إنها الحرب، بعيون غزاوية، حرب مؤجلة لصالح حرب أكثر حذاقة واتساعا وعمقا وعنفا.. لا يهم!
سواء توقفت الحرب أو اعتدلت في رصاصها، أو استمرت في عنفها، هنالك مخلوقات جاؤوا من أربعة زوايا الكوكب، مخلوقات هجينة بطعم البارود، بعضهم وضع أسلحته جانبا، آخرون يخلعون ثياب الحرب ويخلعون قناع الوحش عن وجوههم ـ يزعمون يرجعون الى آدميتهم المفقودة!
بعضهم قد وصل منذ أشهر الى كندا، وأمريكا، وأوروبا، بعضهم يحمل جنسيات هذه الدول، يحملون جنسيات مزدوجة، يخدمون في "دولة الكيان"، يخدمون في جيش الاحتلال، قتلة ومدمنو حروب، جزارو أطفال ونساء، محترفون وهواة، يبدعون كأشهر مجرمي التاريخ.. أو يفوقونهم فظاعة وقسوة ودموية وانتهاكا لحقوق البشر والحجر والحيوان!
لقد مروا عبر المطارات والحدود البرية والبحرية في كندا، بهويات صحيحة وأخرى مزورة، مسحوا ذاكرة هواتفهم لكيلا يطل عبر شاشاتها أطفال غزة وفلسطين بجراحهم ودمائهم وأوجاعهم وجثثهم!
لماذا لم ينتبه موظفي دائرة الهجرة في المعابر، في المطارات خصوصا، الكلاب المدربة لكانت اعترضتهم ونهشتهم لأن رائحة الدماء تعشش في أجسادهم وثيابهم، ولا تزال ظلال الشهداء وشخوص أجسامهم مطبوعة في صفحات عيونهم.. كيف تسمح لهم السلطات بأن يمروا!
خرجوا من المطار الى سيارات مريحة، أوصلتهم الى شقق مفروشة، يشبهوننا بالخلق لا بالخلق، بيض وسمر وعيون ملونة ويتقنون لغاتنا وعاداتنا، يحسنون التمرن على المواطنة.. لقد أصبحوا بيننا!
قد تراهم في نفس الشارع، نفس المبنى، نفس المطعم، هم ذاتهم المجرمون الذين خلعوا ثياب العسكر منذ أشهر، أو أسابيع.. أو أيام قليلة. لا تزال رائحة البارود تفوح من انفاسهم، وقطرات من الدم تلوث لغتهم وثيابهم، وأرقام ضحايا غزة ترتفع في عداد صباحاتهم!
لقد أصبحوا بيننا.. يا إلهي!
هم ليسوا أفرادا أو عشرات، هم بالمئات والآلاف، وعشرات الآلاف توزعوا في زوايا الكوكب، الى الشمال، نحو أوروبا وأمريكا وكندا، حيث جواز السفر قد يتواطأ مع المجرمين: محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن تمت في عام 1997 من قبل قتلة يحملون الجنسية الكندية المزورة، اغتيال المبحوح في دبي في 2010 تم عبر عملاء استباحوا الجنسيات البريطانية والفرنسية والألمانية وغيرها!
هم يحسنون الدخول والخروج والمواربة واستعمال جنسيتنا المحترمة في حملات القتل والاجرام والعنصرية، وقد أتساءل ممن يحملون الجنسية الكندية الذين قاتلوا مع ما يسمى "جيش دفاع الكيان"، هل قاتلوا وقتلوا وأجرموا واغتصبوا بصفتهم الكندية أو الإسرائيلية.. أو كليهما!
في بلادنا يتنقلون بجوازات صحيحة أو مزورة.. لا يهم، يأتون مع جمعيات NGO بألوان ومهمات وهويات مختلفة، يدخلون في مدننا وقرانا، ويجتاحون بيوتنا وأسواقنا، يسرقون داتا المعلومات من مؤسساتنا ودوائرنا الرسمية.. ثم يشهرون رصاصهم في صدورنا وظهورنا!
يتوزعون في كل أصقاع الأرض، لا شك هم موجودون في كندا، في مونتريال تحديدا، قتلة من النخبة والقوات الخاصة ومن المجندين والاحتياط.. كلهم قتلة، ومجرمون، ومصاصو دماء، مسوخ انسان، تلاميذ نجباء لشيطان قاتل ومجرم، متعلمون بإخلاص في مدرسة الدم وأكاديمية الاغتصاب وجامعة تستبيح كل شروط الأنسان.. يتخرج منها مجموعة من القتلة عبروا بوابات المطار حديثا في كندا، جاؤوا بصفتهم الكندية - الإسرائيلية المزدوجة، أو طمعا بلجوء سياسي أو انساني يغطي جرائمهم وينظف أيديهم وثيابهم وذاكرتهم من صور المجزرة المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023، أو قل منذ عام 1948... ومستمرة!
إنهم بيننا، في الشارع مرة أخرى، ينتظرون بعض أطفال على أبواب المدارس وحضانات الأطفال.. يا الهي كم هو مرعب مجرد التفكير في المشهد: أن هذا الذي قتل 70.000 ضحية في غزة أو يزيد، أغلبهم من الأطفال وجرح 150.000 انسان سوي، أصبحت حيواتهم لا كما قبل، سيعيشون مع جراحهم وإعاقاتهم وخجلهم من الإتكاء على أهاليهم وأصدقائهم ومؤسسات العلاج والخدمات المتنوعة!
الذين قتلوا في غزة من أطفال ونساء وشيوخ وعائلات بأكملها، كانوا أناسا يستحقون الحياة التي عاشوها، لديهم صورهم وأحلامهم وآمالهم وذاكرتهم النشطة، سقط كل ذلك في الدمار، تحت الأنقاض!
بشر جربوا الموت عدة مرات، لم يفلح الموت في ثنيهم عن الحياة، صلوا: إما عظماء فوق الأرض، او عظام تحت الأرض - كما قال غسان كنفاني، كتبوا نصوصهم على شواطئ غزة، على رمال تصلبت صخرا!
* * * * * *
بعد إيقاف اطلاق النار سيزداد عدد المهاجرين واللاجئين والسياح القتلة الى كندا، سوف يأتون بأعداد كبيرة، رائحة الدم تحاصرهم في "الكيبوتز" هناك، صراخ الأطفال وأنين الأمهات يطن ويصم آذانهم، أشباح الضحايا تلاحقهم في نومهم ومخادعهم.. سوف يمسحوا هواتفهم من جديد، يمسحوا من ذاكرتهم مشاهد الأشلاء المقطعة، والمستشفيات والكنائس والمساجد والمدارس ومراكز الإيواء التي مسحوها عن وجه الأرض!
إنهم قتلة يا إلهي، كيف يدخلون الى كندا بهذه السهولة، كيف لا تلاحقهم كلاب الدم والمخدرات، كيف يخفون الإجرام في أعينهم وملامحهم وهوياتهم الشخصية.. هل تعطلت أجهزتنا، هل تعفنت بيروقراطيتا في دوائر الهجرة في المطارات، هل امحت حواسنا النشطة لكشف المجرمين في فلتات لسانهم وضياع نظراتهم والارباك في حركتهم.. إنهم مجرمون يا سادة!
* * * * *
بعد الحرب القذرة التي جرت وتجري في غزة ولبنان واليمن وايران، يسألني أحفادي: هل نحن آمنون في كندا؟
ماذا أقول لهم، هل أجرؤ أن أقول أن القتلة صاروا بيننا، نعم، لقد عبروا، يلبسون لباسا مدنيا، غسلوا أيديهم من دماء أطفال غزة وفلسطين ولبنان، يتحدثون الفرنسية والإنكليزية ولغات أخرى، بعضهم جاء عبر الجزيرة، بطائرة خاصة، تناول بعضا من جسد فتاة قاصرة كان قد اغتصبها الليلة الماضية، ألتقط صورا له مع مخلوقات شاذة من مشاهير السياسة والمال والفن والاعلام، وغيرهم من معطوبي هذا الكوكب!
لقد عبروا، كل كلاب المطارات والمعابر الحدودية لم تعترضهم، سأشكو كلاب الهجرة لأمن الدولة، لماذا التسامح بإدخال القتلة وجزاري الأطفال ومغتصبي النساء والرجال في السجون (بقرار من حكومة الكيان، قرار رسمي بإباحة اغتصاب الرجال في السجون، نعم، قرار قضائي)!
* * * * * *
يا الهي، لقد رأيت أحدهم بالأمس في محطة المترو، يحمل حقيبة عل ظهره يقطر منها الدم، تنبعث منها رائحة أطفال بلا عيون، كانت ملأى بقرنيات لأعين شاخصة!
يا الهي، إنهم يبيعون أعضاء أطفال غزة قطع غيار في أسواق الغرب: لقد وجدت أما فلسطينية من غزة في برلين عاصمة ألمانيا، عيون أطفالها في وجه فتاة ألمانية شقراء، هي تعرف عيون سحر - ابنتها، ابنة العشر سنوات، حين ألحدوها القبر كانت بلا عيون، ها هي سحر الآن تنظر الى أمها من خلال هذه الفتاة، لقد دفعت ثمنا باهظا ثمن نافذتين على الدنيا.. كانتا يوما لسحر في غزة!
لاحظت الأم أن في عيون هذه الفتاة نفس الضحكات والنعاس والخبث الطفولي والخبز الطازج يخرج من بين يديها ذات أيام في غزة!
حين التفتت والدة الفتاة الألمانية الى المرأة الفلسطينية، لاحظت أن عيونها تشبه عيون ابنتها "المستعارة"، فارتبكت وأخذت بيد ابنتها وغابت في الجموع - كانت حافلة المترو قد وصلت الى محطة جديدة!
* * * * *
إنهم يبيعون أعضاء أبنائنا في محطات مترو المدينة، أعرف هذا الوجه، كان بلباس عسكري يقتحم منزلا في غزة ويرتدي ثياب النساء، صورهم موجودة على صفحات الأثير، يحمل عيون أطفال غزة وفلسطين في حقيبة، يبيعها لمن يدفع أكثر، اقتربت منه فأحسست برائحة المستشفى، وتحديدا برادات الجثث في الأسفل، قلت له أريد عينتان مندهشتان مفتوحتان على ربيع وسماء زرقاء، قال لم يبق عندي عيون مفتوحة على الفرح، لدي عيون مفتوحة على الرعب والخوف والحذر والدهشة!
قلت هذه إذن، أدفع لك ما تريد مقابل عيون منذورة للدهشة، فجاءني بعينين كل واحدة بلون، وقال حصل خطأ، لقد بعنا واحدة من كل زوج لزبون ثري أعمى الله بصره وبصيرته، ولكن لحسن الحظ، هما نفس المقاس، لصبيين أخوين لعلهما في حوالي العاشرة من العمر، من نفس الحارة في غزة، توفيا معا، متعانقان، كانت الأجسام ممزقة، وحدها العيون سليمة ومفتوحة على الدهشة!
.. ثم تجمع الناس حولنا، وسألوه عن بضاعته في الحقيبة، فقال ليس لديه إلا العيون، فهي الأسهل حصادا، والأغلى سعرا، ويسهل تمريرها عبر الحدود!
ثم قال: لدينا قطع غيار أخرى، من كل أعضاء الجسم البشري، ووزع رقم هاتفه للتواصل!
حين استفقت من النوم، تمنيت لو أنني حصلت على رقم هاتفه لأعطيه للشرطة!
77 مشاهدة
03 مارس, 2026
88 مشاهدة
03 مارس, 2026
132 مشاهدة
01 مارس, 2026