Sadaonline

قانون 13: لا تفكر، كيبيك تفكر عنك

انت تُحاسَب على ما فعلت، وتحاسب أيضا على ما يمكن أن تتخيّله الدولة أنك قد تفعله! يعني تحاسب على النية التي تنويها الدولة عنك

د. علي ضاهر - مونتريال 

يا ما تحت السواهي دواهي! وفي كيبيك، لم تعد الدواهي في نصوص القوانين وحدها. إنها تغلغلت الى النوايا التي تصر الدولة على إلزامك بها حتى قبل أن تفكر بها. فالقانون 13 يتجاوز تنظيم الشارع أو ضبط السلوك ليمد يده إلى إحساسك نفسه. كأن السلطة تقول: لا تخف، نحن لا نراقبك فقط، نحن نطمئن على شعورك أيضًا. لأن هناك لحظة في حياة الدولة تقرّر فيها أن تحبّ مواطنيها أكثر مما ينبغي. لحظة أمومة مفرطة، تُشبه إصرار أمٍّ على أن تُلبسك معطف شتويا في تموز لأن "الهوا غدار".
كيبيك وصلت إلى هذه اللحظة، بعد أن تآكلت سلطتها الرمزية وتراجع تأثيرها التقليدي على مواطنيها. فأزمة الثقة بالخدمات العامة، من صحة وتعليم، وتقديمات اجتماعية خلخلت من هيبة السلطة. ثم جاء انفجار المعلومة ليخرج المواطن، خصوصا الشاب، من المدار القومي الضيق إلى فضاءات قيم عالمية وسرديات بديلة. تزامن ذلك مع قوانين حول اللغة والعلمانية والدستور اصطدمت بمبادئ الحقوق الفردية، فاهتزت صورة الدولة كجامعٍ للجميع. أضف إلى ذلك أولويات معيشية دفعت الناس للبحث عن حلول اقتصادية بدل الانشغال بـ"الانفصال" و"الهوية" و"اللغة". ثم جاء تقلّص الوزن الديموغرافي للكيبيكيين من أصول فرنسية، وتراجع نفوذهم السياسي داخل كندا، وتفتّتت الهوية الموحدة أمام موجات مهاجرين جدد يتبنون غالبًا هوية "كندية" أو "عالمية"، لتضيف طبقة جديدة من الخلخلة إلى ثقة المواطن بدولته.
هكذا، لم تعد السردية الواحدة تقنع الجميع، ولم تعد الدولة قادرة على فرضها كما في السابق. وعندما تفقد الدولة قدرتها على الإقناع، لا تتراجع! هي كالحية تغيّر جلدها. بدل أن تقول لك: "اقتنع"! تبدأ بالقول: "التزم"! وهذا، بالضبط، ما سيفعله القانون 13، الذي اقر مؤخرا كحلقة إضافية في مسارٍ، تستبدل فيه كيبيك الإقناع بالإلزام، والاقتناع بالضبط، والحرية بالمحافظة على الأمان. قانون بعنوان مطمئن: "قانون تعزيز الأمن والشعور بالأمن لدى السكان". يعني كيبيك لن تعالج سلامتك فقط، هي سوف تتناول شعورك أيضًا! فالدولة لم تعد تكتفي بحمايتك، هي تريد أن تُشرف على إحساسك وشعورك ايضا.
لنأخذ بعض الأمثلة من بنود القانون. أولا: منع عرض أو ارتداء رموز العصابات. جميل. لكن هل تُحَلّ الجريمة المنظمة بمنع القمصان؟ هل سيجمع زعيم العصابة جماعته ويقول لهم: "خلص يا شباب، فكوها سيرة، ما بقي فينا نلبس اللوجو، فلنعتزل الإجرام ونرسم حمامة السلام على ثيابنا"! ثانيا: من باب المحبة أيضًا، تقرّر الدولة حماية ممثّليها من ممثَّليهم، فيقترح القانون تقييد الاحتجاج قرب منازل المسؤولين المنتخبين. الرسالة واضحة: "نحن نمثّلكم، لكن رجاءً لا تقتربوا منا، لا تزعجونا، فالديمقراطية بخير، شرط أن تمارسوها عن بُعد"! ثالثا: البند الأكثر إثارة، فهو تجريم حيازة أي "شيء قد يُستخدم لإلحاق الضرر". عبارة مطّاطة بما يكفي لتشمل أي شيء: مظلّة؟ عكاز؟ زجاجة ماء؟ كوفية؟ كلها، في نظر القانون، أدوات محتملة لإلحاق الضرر. هنا انت تُحاسَب على ما فعلت، وتحاسب أيضا على ما يمكن أن تتخيّله الدولة أنك قد تفعله! يعني تحاسب على النية التي تنويها الدولة عنك! وهكذا يتحوّل المواطن، بهدوء، إلى احتمال خطر متنقّل! إذا حمل متظاهر زجاجة لسد عطشه، او مظلة لاتقاء المطر، اعتقل بتهمة احتمال استعمالها ضد قوى الامن! اذا وضع على كتفه كوفية قد يعتقل بتهمة احتمال استعمالها في الخنق مثلا!   
ما يجمع كل هذه الإجراءات هو العبارة السحرية: تعزيز شعور الأمان لدى المواطن! وهذه عبارة مثل جراب الكردي، يمكن ان تحتوي على كل شيء! المنع يتم باسم الأمان. تقييد الحريات باسم الأمان. توسيع الصلاحيات باسم الأمان أيضًا. لذا يمكن القول ان القانون 13 ليس مجرد تعديل قانوني. إنه إعادة تقسيم الفضاء العام، وتحديد المسافة بينك وبين الدولة. المساحة التي تتحرك فيها أنت تضيق، بينما المساحة التي تتحرك فيها الدولة تتسع. خطوة صغيرة هنا، وأخرى هناك، إلى أن تجدها جالسة إلى جانبك. تنظر إلى ما ترتدي، وإلى أين تقف، وكيف تشعر. ثم تربّت على كتفك وتقول: لا تقلق، نحن فقط نطمئن على شعورك.
في كيبيك، كما في كل قصص السلطة الخائفة من الفراغ، تبدأ المشكلة حين لا تعود السلطة ترى في المواطن إلا إنساناً يجب إقناعه بالقانون، فتتعامل معه كمساحة تُنظّمها. عندها يفهم المواطن أنها اقتربت منه أكثر مما ينبغي، جلست وراءه ومدّت يدها الى خرجه او لتتفقّد ما في جيبه، وتهمس له: لا تخف! همّنا الاطمئنان عليك وعلى ما تفكر به قبل أن تفكر! وعليك أن تتصالح مع فكرة أن "الأخ الأكبر"، يعني دولة كيبيك العليّة، الى جانب مراقبة أفعالك، تسعى لمواساتك وتنظيم دقات قلبك والاطمئنان على أحاسيسك وشعورك. لذا، حين تمرّ غداً تحت أعين الكاميرات، تذكّر أن ترسم الابتسامة المطلوبة منك! لأن السلطة قررت، قانونياً، أنك يجب أن تشعر بالأمان وتحس به!