د. وفاء مروة بليطة – مونتريال
أنا المسافر…
أمشي وفي داخلي أكثر من طريق، وأحمل في قلبي مدنًا لا تُرى، ووجوهًا تركتها على عتبات الوداع كي لا يثقلني الحنين. أحمل معي تفاصيل كثيرة لا يعرفها أحد، أصواتًا ما زالت تسكن الذاكرة، وأماكن كلما ابتعدت عنها شعرت أنها تقترب مني أكثر. فهناك أماكن لا نغادرها حين نغادرها، لأنها ببساطة تصبح جزءًا من تكويننا، وترافقنا أينما ذهبنا.
أسافر… لا هربًا من المكان، بل بحثًا عن معنى يشبهني، عن ذاتٍ ضاعت بين المسافات، وعن حلمٍ لم يكتمل بعد. أسافر لأن الإنسان في كثير من الأحيان يحتاج إلى أن يبتعد قليلًا حتى يرى الأشياء بوضوح، وحتى يسمع صوته الداخلي بعيدًا عن ضجيج الحياة. وقد يكون السفر أحيانًا محاولة لاكتشاف الإنسان لنفسه، أكثر مما هو اكتشاف لبلد جديد أو مدينة جديدة.
في كل رحلة شيء منا يرحل، وشيء آخر يولد. نترك خلفنا أشياء كثيرة، لكننا نأخذ معنا ما لا تستطيع الحقائب حمله: الذاكرة، الحنين، الخوف، الأمل، والوجوه التي أحببناها. نغادر ونحن نظن أن المسافة ستخفف عنا ثقل الذكريات، ثم نكتشف أن بعض الذكريات لا تزداد إلا حضورًا كلما ابتعدنا.
أنا المسافر الذي تعلّم أن الطريق ليس دائمًا وجهة، وأن الرحيل أحيانًا يكون الطريقة الوحيدة للبقاء. تعلّمت أن الوصول ليس دائمًا نهاية الطريق، وأن الإنسان قد يصل إلى مكان جديد، ثم يبدأ رحلة أخرى داخل نفسه. فالطريق الحقيقي ليس الطريق الذي تقطعه أقدامنا، بل ذلك الذي تقطعه أرواحنا ونحن نبحث عن معنى لحياتنا.
تعلمت في السفر أن العالم أوسع مما كنا نعتقد، وأن البشر، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم وأوطانهم، يشتركون في أشياء كثيرة: في الفرح، وفي الخوف، وفي الحاجة إلى الأمان، وفي البحث عن حياة أفضل. وعندما نخرج من حدود المكان الذي اعتدنا عليه، نكتشف أن ما كنا نظنه حقيقة مطلقة قد يكون مجرد زاوية صغيرة من صورة أكبر.
لكنني أيضًا… أنا العائد.
أعود… لا لأن الطريق انتهى، بل لأن القلب تعب من الغياب، ولأن في الداخل صوتًا يناديني كل مساء: عُد....
أعود إلى شرفة الانتظار، إلى تلك الزاوية التي شهدت أول حلم، وأول خيبة، وأول دمعة خبّأتها عن العالم. أعود إلى الأماكن التي تركت فيها جزءًا من طفولتي، وإلى الذاكرة التي ظلت مفتوحة رغم مرور السنوات.
لكن العودة ليست دائمًا سهلة.
فالذي يعود بعد سنوات من الغياب لا يعود كما رحل. السنوات تغيّر الإنسان، كما تغيّر الأماكن. قد يعود الإنسان إلى الشارع نفسه، لكنه لا يجد نفسه القديمة. قد يبحث عن وجوه أحبها، فيجد أن بعضها غاب، وبعضها تغيّر، وبعضها أصبح مجرد صورة في الذاكرة.
وهنا ندرك أن العودة ليست عودة إلى الماضي، لأن الماضي لا يعود. العودة الحقيقية هي أن نتصالح مع الزمن، وأن نقبل أن الأشياء تغيّرت، وأن نحمل ما تبقى منها في قلوبنا دون أن نعيش أسرى لها.
أتنفّس صمت الصباح، كأنني أستعيد به نفسي، وأرتّب في قلبي سلام الذاكرة… تلك التي لم تنسَ، ولن تنسى.
فالذاكرة ليست مجرد صندوق نضع فيه صور الماضي. إنها جزء من هويتنا. نحن أبناء ما عشناه، أبناء الأماكن التي احتضنت طفولتنا، والأشخاص الذين تركوا أثرًا في حياتنا، والأيام التي صنعت شخصياتنا.
ولهذا، فإن الإنسان المغترب يعيش أحيانًا بين عالمين؛ عالم تركه خلفه، وعالم يعيش فيه اليوم. وبين العالمين تتشكل هوية جديدة، ليست بالضرورة مقسومة، بل قد تكون أكثر اتساعًا. فالاغتراب يمكن أن يمنح الإنسان فرصة ليرى وطنه من بعيد، وأن يفهم ثقافته بصورة أعمق، وأن يكتشف قيمة أشياء كان يظنها عادية.
في الغربة تعلمت أن اللغة وطن، وأن الذاكرة وطن، وأن الإنسان يستطيع أن يحمل بلاده في كلماته، وفي عاداته، وفي طريقته في تربية أبنائه، وفي القصص التي يرويها لهم عن المكان الذي جاء منه.
ولهذا، فإن الحفاظ على اللغة والثقافة في بلاد الاغتراب ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو حفاظ على جزء من الهوية، وعلى جسر يصل الأجيال الجديدة بجذورها. نحن لا نريد لأبنائنا أن يعيشوا أسرى للماضي، ولا أن ينقطعوا عنه، بل نريدهم أن يعرفوا جذورهم وأن ينفتحوا في الوقت نفسه على العالم الذي يعيشون فيه.
في جعبتي قلم وورقة، لكنّي لا أكتب فقط. أنا أرمّم نفسي بالحروف، وأعيد بناء ما هدمه الغياب.
الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد كلمات تُرتّب على الورق. الكتابة ذاكرة، وموقف، وتجربة، ومحاولة لفهم الحياة. عندما نكتب عن الوجع، لا نعيد فتح الجرح فقط، بل نحاول أن نفهمه. وعندما نكتب عن الفرح، نحاول أن نحتفظ به حتى لا تسرقه الأيام.
أخطّ ما تبقّى من ليل الحنين، ذلك الليل الطويل الذي لم ينتهِ، والذي علّمني أن الوجع أيضًا وطن.
كم من إنسان يحمل في داخله وجعًا لا يراه الآخرون؟ وكم من مغترب يبتسم في حياته الجديدة، بينما في قلبه حكاية لم تنتهِ؟ وكم من إنسان بنى نجاحه وسط الغربة، لكنه ما زال يحتفظ في داخله بطفل صغير ينظر إلى الوطن من نافذة قديمة؟
ربما لهذا السبب يصبح الإنسان أكثر تعلقًا بالأشياء البسيطة كلما ابتعد. يصبح للخبز رائحة مختلفة، وللقهوة معنى آخر، وللأغنية القديمة قدرة عجيبة على فتح أبواب الذاكرة.
أنا العائد… أنا المسافر، بين خطوتين أعيش، بين رحيلٍ لا ينتهي، ووصولٍ لا يكتمل.
وهكذا هي الحياة. نحن دائمًا في طريق ما. نغادر مرحلة لنصل إلى أخرى، ونودّع أشخاصًا لنلتقي بآخرين، ونفقد أحلامًا لنكتشف أحلامًا جديدة. وربما لا يكون المطلوب أن نصل إلى النهاية، بل أن نتعلم كيف نعيش الطريق.
لقد علّمتني السنوات أن الإنسان لا ينبغي أن يخاف من البدايات. فكل بداية تحمل احتمالًا جديدًا، وكل نهاية قد تكون بابًا لم نكن نراه.
أكتب عن شمسٍ تشرق، لا لتضيء الطريق فقط، بل لتذكّرني أن الظلام مؤقّت، وأن الغروب ليس إلا وعدًا خفيًا بصباحٍ جديد.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من الحياة هو ألا يسمح للأيام الصعبة بأن تقنعه بأن المستقبل يشبه الماضي. فالليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع الصباح، والشتاء مهما اشتد لا يستطيع أن يلغي الربيع.
أيامٌ جميلة تقف على الأبواب، أشعر بها وإن لم أرها بعد، كأنها تعرفني، وتعرف كم انتظرت.
أؤمن أن الإنسان يحتاج إلى الأمل كما يحتاج إلى الهواء. الأمل ليس تجاهلًا للواقع، وليس هروبًا من الألم، بل هو القدرة على أن ننظر إلى ما هو قادم، رغم كل ما مررنا به، ونقول: ما زال هناك شيء جميل ينتظرنا.
تأتي الأيام الجميلة من بعيد كالوعد، مبلّلةً بندى الأمل، محمّلةً برائحة الوطن، تلك الرائحة التي تعيدني إلى نفسي قبل أن أكون مسافرًا.
الوطن بالنسبة لي ليس مجرد حدود على خريطة. الوطن هو الذاكرة، وهو الأهل، وهو اللغة، وهو المكان الذي ترك فينا أول أثر. وقد يكون الوطن بعيدًا، لكن حضوره في القلب لا يحتاج إلى جواز سفر.
وفي قلبي شيءٌ لا يزال يؤمن، رغم التعب، رغم الخيبات، رغم كل الرحلات التي لم تصل.
يؤمن بأن الغد أجمل، بأن العودة ليست نهاية، بل بداية أخرى، وبأن المسافر سيجد يومًا مكانًا يشبهه.
ربما لا نجد المكان الذي يشبهنا بسهولة، وربما نحتاج إلى سنوات طويلة حتى نكتشف أين ننتمي. لكنني أصبحت أؤمن أن المكان الذي يشبه الإنسان ليس بالضرورة مكانًا جغرافيًا. قد يكون فكرة، أو حلمًا، أو عائلة، أو عملًا نحبه، أو كلمة طيبة، أو أثرًا نتركه في حياة الآخرين.
وقد يكون الوطن الحقيقي هو المكان الذي نشعر فيه أننا قادرون على أن نكون أنفسنا دون خوف.
لهذا، لا أرى في الرحيل نهاية، ولا في العودة بداية وحيدة. الرحيل والعودة وجهان لتجربة واحدة اسمها الحياة. نحن نسافر كي نكتشف، ونبتعد كي نعرف قيمة القرب، ونفقد كي نتعلم معنى الامتنان، ونتعب كي نفهم قيمة الراحة، ونكبر كي نعيد قراءة الأشياء التي ظننا أننا فهمناها منذ زمن. انا المسافر.....وأنا العائد
وبينهما أكتب حياتي....
أكتب عن طريق طويل لم يكن دائمًا سهلًا، وعن سنوات حملت الكثير من الأسئلة، وعن مدن احتضنتني، وعن وطن ظل يسكنني مهما ابتعدت عنه.
أكتب لأقول إن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، مهما كانت المسافات بعيدة، ومهما كان الطريق طويلًا.
أكتب لأقول لكل من يشعر أنه تأخر: إن الحياة لا تقيسنا بعدد السنوات التي مضت، بل بما نستطيع أن نصنعه فيما تبقى.
وأكتب لأقول إن الغربة، مهما كانت قاسية، قد تمنحنا أحيانًا فرصة لنرى أنفسنا بوضوح أكبر، وأن نكتشف أن في داخلنا قوة لم نكن نعرف أنها موجودة.
أنا المسافر… وأنا العائد.
وبين الرحيل والوصول، بين الوطن والمهجر، بين الذاكرة والحاضر، أواصل السير.
لا أعرف دائمًا إلى أين سيأخذني الطريق، لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أنني لن أتوقف عن الحلم.
وأنني سأظل أبحث عن ذلك المكان الذي يشبهني، عن ذلك الصباح الذي طال انتظاره، وعن تلك اللحظة التي أستطيع فيها أن أقول لنفسي، بعد كل هذه الرحلات: لقد وصلت
ليس الى مكان فقط،بل الى نفسي.
أنا المسافر…
أمشي وفي داخلي أكثر من طريق، وأحمل في قلبي مدنًا لا تُرى، ووجوهًا تركتها على عتبات الوداع كي لا يثقلني الحنين. أحمل معي تفاصيل كثيرة لا يعرفها أحد، أصواتًا ما زالت تسكن الذاكرة، وأماكن كلما ابتعدت عنها شعرت أنها تقترب مني أكثر. فهناك أماكن لا نغادرها حين نغادرها، لأنها ببساطة تصبح جزءًا من تكويننا، وترافقنا أينما ذهبنا.
أسافر… لا هربًا من المكان، بل بحثًا عن معنى يشبهني، عن ذاتٍ ضاعت بين المسافات، وعن حلمٍ لم يكتمل بعد. أسافر لأن الإنسان في كثير من الأحيان يحتاج إلى أن يبتعد قليلًا حتى يرى الأشياء بوضوح، وحتى يسمع صوته الداخلي بعيدًا عن ضجيج الحياة. وقد يكون السفر أحيانًا محاولة لاكتشاف الإنسان لنفسه، أكثر مما هو اكتشاف لبلد جديد أو مدينة جديدة.
في كل رحلة شيء منا يرحل، وشيء آخر يولد. نترك خلفنا أشياء كثيرة، لكننا نأخذ معنا ما لا تستطيع الحقائب حمله: الذاكرة، الحنين، الخوف، الأمل، والوجوه التي أحببناها. نغادر ونحن نظن أن المسافة ستخفف عنا ثقل الذكريات، ثم نكتشف أن بعض الذكريات لا تزداد إلا حضورًا كلما ابتعدنا.
أنا المسافر الذي تعلّم أن الطريق ليس دائمًا وجهة، وأن الرحيل أحيانًا يكون الطريقة الوحيدة للبقاء. تعلّمت أن الوصول ليس دائمًا نهاية الطريق، وأن الإنسان قد يصل إلى مكان جديد، ثم يبدأ رحلة أخرى داخل نفسه. فالطريق الحقيقي ليس الطريق الذي تقطعه أقدامنا، بل ذلك الذي تقطعه أرواحنا ونحن نبحث عن معنى لحياتنا.
تعلمت في السفر أن العالم أوسع مما كنا نعتقد، وأن البشر، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم وأوطانهم، يشتركون في أشياء كثيرة: في الفرح، وفي الخوف، وفي الحاجة إلى الأمان، وفي البحث عن حياة أفضل. وعندما نخرج من حدود المكان الذي اعتدنا عليه، نكتشف أن ما كنا نظنه حقيقة مطلقة قد يكون مجرد زاوية صغيرة من صورة أكبر.
لكنني أيضًا… أنا العائد.
أعود… لا لأن الطريق انتهى، بل لأن القلب تعب من الغياب، ولأن في الداخل صوتًا يناديني كل مساء: عُد....
أعود إلى شرفة الانتظار، إلى تلك الزاوية التي شهدت أول حلم، وأول خيبة، وأول دمعة خبّأتها عن العالم. أعود إلى الأماكن التي تركت فيها جزءًا من طفولتي، وإلى الذاكرة التي ظلت مفتوحة رغم مرور السنوات.
لكن العودة ليست دائمًا سهلة.
فالذي يعود بعد سنوات من الغياب لا يعود كما رحل. السنوات تغيّر الإنسان، كما تغيّر الأماكن. قد يعود الإنسان إلى الشارع نفسه، لكنه لا يجد نفسه القديمة. قد يبحث عن وجوه أحبها، فيجد أن بعضها غاب، وبعضها تغيّر، وبعضها أصبح مجرد صورة في الذاكرة.
وهنا ندرك أن العودة ليست عودة إلى الماضي، لأن الماضي لا يعود. العودة الحقيقية هي أن نتصالح مع الزمن، وأن نقبل أن الأشياء تغيّرت، وأن نحمل ما تبقى منها في قلوبنا دون أن نعيش أسرى لها.
أتنفّس صمت الصباح، كأنني أستعيد به نفسي، وأرتّب في قلبي سلام الذاكرة… تلك التي لم تنسَ، ولن تنسى.
فالذاكرة ليست مجرد صندوق نضع فيه صور الماضي. إنها جزء من هويتنا. نحن أبناء ما عشناه، أبناء الأماكن التي احتضنت طفولتنا، والأشخاص الذين تركوا أثرًا في حياتنا، والأيام التي صنعت شخصياتنا.
ولهذا، فإن الإنسان المغترب يعيش أحيانًا بين عالمين؛ عالم تركه خلفه، وعالم يعيش فيه اليوم. وبين العالمين تتشكل هوية جديدة، ليست بالضرورة مقسومة، بل قد تكون أكثر اتساعًا. فالاغتراب يمكن أن يمنح الإنسان فرصة ليرى وطنه من بعيد، وأن يفهم ثقافته بصورة أعمق، وأن يكتشف قيمة أشياء كان يظنها عادية.
في الغربة تعلمت أن اللغة وطن، وأن الذاكرة وطن، وأن الإنسان يستطيع أن يحمل بلاده في كلماته، وفي عاداته، وفي طريقته في تربية أبنائه، وفي القصص التي يرويها لهم عن المكان الذي جاء منه.
ولهذا، فإن الحفاظ على اللغة والثقافة في بلاد الاغتراب ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو حفاظ على جزء من الهوية، وعلى جسر يصل الأجيال الجديدة بجذورها. نحن لا نريد لأبنائنا أن يعيشوا أسرى للماضي، ولا أن ينقطعوا عنه، بل نريدهم أن يعرفوا جذورهم وأن ينفتحوا في الوقت نفسه على العالم الذي يعيشون فيه.
في جعبتي قلم وورقة، لكنّي لا أكتب فقط. أنا أرمّم نفسي بالحروف، وأعيد بناء ما هدمه الغياب.
الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد كلمات تُرتّب على الورق. الكتابة ذاكرة، وموقف، وتجربة، ومحاولة لفهم الحياة. عندما نكتب عن الوجع، لا نعيد فتح الجرح فقط، بل نحاول أن نفهمه. وعندما نكتب عن الفرح، نحاول أن نحتفظ به حتى لا تسرقه الأيام.
أخطّ ما تبقّى من ليل الحنين، ذلك الليل الطويل الذي لم ينتهِ، والذي علّمني أن الوجع أيضًا وطن.
كم من إنسان يحمل في داخله وجعًا لا يراه الآخرون؟ وكم من مغترب يبتسم في حياته الجديدة، بينما في قلبه حكاية لم تنتهِ؟ وكم من إنسان بنى نجاحه وسط الغربة، لكنه ما زال يحتفظ في داخله بطفل صغير ينظر إلى الوطن من نافذة قديمة؟
ربما لهذا السبب يصبح الإنسان أكثر تعلقًا بالأشياء البسيطة كلما ابتعد. يصبح للخبز رائحة مختلفة، وللقهوة معنى آخر، وللأغنية القديمة قدرة عجيبة على فتح أبواب الذاكرة.
أنا العائد… أنا المسافر، بين خطوتين أعيش، بين رحيلٍ لا ينتهي، ووصولٍ لا يكتمل.
وهكذا هي الحياة. نحن دائمًا في طريق ما. نغادر مرحلة لنصل إلى أخرى، ونودّع أشخاصًا لنلتقي بآخرين، ونفقد أحلامًا لنكتشف أحلامًا جديدة. وربما لا يكون المطلوب أن نصل إلى النهاية، بل أن نتعلم كيف نعيش الطريق.
لقد علّمتني السنوات أن الإنسان لا ينبغي أن يخاف من البدايات. فكل بداية تحمل احتمالًا جديدًا، وكل نهاية قد تكون بابًا لم نكن نراه.
أكتب عن شمسٍ تشرق، لا لتضيء الطريق فقط، بل لتذكّرني أن الظلام مؤقّت، وأن الغروب ليس إلا وعدًا خفيًا بصباحٍ جديد.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من الحياة هو ألا يسمح للأيام الصعبة بأن تقنعه بأن المستقبل يشبه الماضي. فالليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع الصباح، والشتاء مهما اشتد لا يستطيع أن يلغي الربيع.
أيامٌ جميلة تقف على الأبواب، أشعر بها وإن لم أرها بعد، كأنها تعرفني، وتعرف كم انتظرت.
أؤمن أن الإنسان يحتاج إلى الأمل كما يحتاج إلى الهواء. الأمل ليس تجاهلًا للواقع، وليس هروبًا من الألم، بل هو القدرة على أن ننظر إلى ما هو قادم، رغم كل ما مررنا به، ونقول: ما زال هناك شيء جميل ينتظرنا.
تأتي الأيام الجميلة من بعيد كالوعد، مبلّلةً بندى الأمل، محمّلةً برائحة الوطن، تلك الرائحة التي تعيدني إلى نفسي قبل أن أكون مسافرًا.
الوطن بالنسبة لي ليس مجرد حدود على خريطة. الوطن هو الذاكرة، وهو الأهل، وهو اللغة، وهو المكان الذي ترك فينا أول أثر. وقد يكون الوطن بعيدًا، لكن حضوره في القلب لا يحتاج إلى جواز سفر.
وفي قلبي شيءٌ لا يزال يؤمن، رغم التعب، رغم الخيبات، رغم كل الرحلات التي لم تصل.
يؤمن بأن الغد أجمل، بأن العودة ليست نهاية، بل بداية أخرى، وبأن المسافر سيجد يومًا مكانًا يشبهه.
ربما لا نجد المكان الذي يشبهنا بسهولة، وربما نحتاج إلى سنوات طويلة حتى نكتشف أين ننتمي. لكنني أصبحت أؤمن أن المكان الذي يشبه الإنسان ليس بالضرورة مكانًا جغرافيًا. قد يكون فكرة، أو حلمًا، أو عائلة، أو عملًا نحبه، أو كلمة طيبة، أو أثرًا نتركه في حياة الآخرين.
وقد يكون الوطن الحقيقي هو المكان الذي نشعر فيه أننا قادرون على أن نكون أنفسنا دون خوف.
لهذا، لا أرى في الرحيل نهاية، ولا في العودة بداية وحيدة. الرحيل والعودة وجهان لتجربة واحدة اسمها الحياة. نحن نسافر كي نكتشف، ونبتعد كي نعرف قيمة القرب، ونفقد كي نتعلم معنى الامتنان، ونتعب كي نفهم قيمة الراحة، ونكبر كي نعيد قراءة الأشياء التي ظننا أننا فهمناها منذ زمن. انا المسافر.....وأنا العائد
وبينهما أكتب حياتي....
أكتب عن طريق طويل لم يكن دائمًا سهلًا، وعن سنوات حملت الكثير من الأسئلة، وعن مدن احتضنتني، وعن وطن ظل يسكنني مهما ابتعدت عنه.
أكتب لأقول إن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، مهما كانت المسافات بعيدة، ومهما كان الطريق طويلًا.
أكتب لأقول لكل من يشعر أنه تأخر: إن الحياة لا تقيسنا بعدد السنوات التي مضت، بل بما نستطيع أن نصنعه فيما تبقى.
وأكتب لأقول إن الغربة، مهما كانت قاسية، قد تمنحنا أحيانًا فرصة لنرى أنفسنا بوضوح أكبر، وأن نكتشف أن في داخلنا قوة لم نكن نعرف أنها موجودة.
أنا المسافر… وأنا العائد.
وبين الرحيل والوصول، بين الوطن والمهجر، بين الذاكرة والحاضر، أواصل السير.
لا أعرف دائمًا إلى أين سيأخذني الطريق، لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أنني لن أتوقف عن الحلم.
وأنني سأظل أبحث عن ذلك المكان الذي يشبهني، عن ذلك الصباح الذي طال انتظاره، وعن تلك اللحظة التي أستطيع فيها أن أقول لنفسي، بعد كل هذه الرحلات: لقد وصلت
ليس الى مكان فقط،بل الى نفسي.
19 مشاهدة
11 أغسطس, 2026
101 مشاهدة
11 أغسطس, 2026
67 مشاهدة
07 أغسطس, 2026