Sadaonline

كندا والإسلاموفوبيا بين الصمت والمواجهة...هل ننتظر نقطة اللاعودة؟

الإسلاموفوبيا لا تبدأ دائمًا بالعنف؛ قد تبدأ بكلمة أو صورة أو تعميم أو اتهام جماعي، ثم تتكرر حتى تصبح مألوف

سامر المجذوب ـ مونتريال
هناك لحظات في حياة المجتمعات لا يكفي فيها أن نراقب ما يحدث من بعيد أو نعتبره مجرد موجة عابرة من الخطاب السياسي. وما نشهده اليوم في كندا من مظاهر مقلقة للإسلاموفوبيا يستحق وقفة جادة ومسؤولة، لأن استهداف فئة من المواطنين بسبب معتقداتهم أو أصلهم أو هويتهم لا يضر بهم وحدهم، بل يضعف الأساس الذي يقوم عليه المجتمع كله.
السؤال اليوم ليس: هل نشعر بالإحباط؟ بل: هل نتفاعل قبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة؟
أعتقد أن الاستسلام للإحباط أو الرد بالغضب والاستقطاب ليسا الحل. ما نحتاج إليه هو موقف واضح وهادئ وحازم: رفض الإسلاموفوبيا بكل أشكالها، مع التمييز بين النقد المشروع للأفكار والسياسات، وبين استهداف الناس والتحريض عليهم بسبب هويتهم أو دينهم.
من حق الصحافة والمثقفين والسياسيين والعامة طرح الأسئلة الصعبة حول الهجرة والاندماج والأمن والسياسات العامة، فهذا جزء من الديمقراطية. لكن الديمقراطية لا تعني أن يصبح المسلم هدفًا مفتوحًا للتشهير أو التحريض، أو أن يصبح مسجد أو مركز مجتمعي أو امرأة أو طفل أو مشروع اقتصادي عرضة للاستهداف لمجرد انتمائهم إلى المجتمع المسلم.

الإسلاموفوبيا لا تبدأ دائمًا بالعنف؛ قد تبدأ بكلمة أو صورة أو تعميم أو اتهام جماعي، ثم تتكرر حتى تصبح مألوفة، وقد ينتقل الخطاب من التشويه إلى نزع الشرعية، ثم إلى التبرير، وصولًا إلى الترهيب أو العنف. لذلك لا ينبغي أن ننتظر وقوع الكارثة حتى نعترف بوجود المشكلة.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا نقسم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، أو نضع الجميع في خانة واحدة. المسلمون ليسوا فوق النقد أو القانون، وكل شخص مسؤول عن أفعاله، وكل من يرتكب جريمة يجب أن يحاسب. كما أن المؤسسات الجالية ليست فوق النقد أو المساءلة. لكن، كما نرفض التعميم ضد أي جماعة أخرى، يجب أن نرفضه عندما يتعلق الأمر بالمسلمين.
المسلمون أصبحوا جزءًا أصيلًا من المجتمع الكندي. كثير منهم وُلدوا هنا، ودرسوا وعملوا وبنوا أعمالهم وخدموا مجتمعاتهم وشاركوا في الحياة العامة. هم ليسوا ضيوفًا ينتظرون السماح لهم بالانتماء، بل جزء من النسيج الكندي.
وفي مواجهة الإسلاموفوبيا، لا يكفي أن نطالب الآخرين بالتغيير؛ علينا أيضًا أن نكون جزءًا من الحل، من خلال مزيد من الحضور والانفتاح والحوار، وبناء شراكات مع مختلف مكونات المجتمع الكندي. علينا استخدام القانون والمؤسسات الديمقراطية والإعلام بمسؤولية، وتوثيق الاعتداءات والتحريض، ومواجهة المعلومات المضللة بالحقائق لا بالشائعات المضادة.
قوة كندا لا تكمن في غياب الاختلاف، بل في قدرتها على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى كراهية. يمكن لأي مواطن أن يكون محافظًا أو ليبراليًا، مؤيدًا للهجرة أو معارضًا لها، متدينًا أو غير متدين، وأن ينتقد ما يراه مقلقًا، وفي الوقت نفسه يرفض التحريض والعنف والتمييز.
نحن لا نطلب من المجتمعات أن تتفق معنا في كل شيء. نطلب فقط أن يظل المبدأ ثابتًا: الاختلاف لا يسقط حق الإنسان في الكرامة، والنقد لا يبرر الكراهية، وحرية التعبير لا تمنح أحدًا رخصة للتحريض أو التهديد.
لذلك، فإن مواجهة الإسلاموفوبيا ليست معركة ضد كندا، بل دفاع عن أفضل ما فيها. لا نريد أن نرد على الإقصاء بإقصاء مضاد، بل نريد نقاشًا أكثر شجاعة يسمح بالنقد والاختلاف، ويرفض الكراهية والتحريض، ويناقش الهجرة والهوية والدين والثقافة دون تحويل أي جماعة إلى عدو جماعي.
فإذا أصبح استهداف المسلمين أمرًا عاديًا، أو الاعتداء على مسجد مجرد خبر عابر، أو أصبحت المرأة مطالبة بالدفاع عن حقها في أن تعيش بأمان، فلن تكون المشكلة مشكلة المسلمين وحدهم، بل مشكلة كندا كلها.
لذلك يجب ألا نصاب بالإحباط. علينا أن نتفاعل الآن، بهدوء وحزم؛ لا دفاعًا عن المسلمين وحدهم، بل دفاعًا عن كندا التي نريد أن يبقى فيها القانون أقوى من الكراهية، والحوار أقوى من التحريض، والمواطنة أقوى من الانقسام، قبل أن تصبح الكراهية أمرًا عاديًا وقبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة.