إسماعيل الحاج علي
حين يصبح الخوف رفيق العائلة في وطن الأمان
شهادة البراءة
تعبنا من الخوف، ومن أن نُحاسَب عند كل حدث على ما لم نفعل، كأن أسماءنا، ووجوهنا، ولباس نسائنا، ولهجات أطفالنا تحتاج في كل مرة إلى شهادة براءة جديدة. تعبنا أن نثبت وطنيتنا الكندية كما لو كانت المواطنة امتحاناً يومياً للأقليات، لا حقاً قانونياً وأخلاقياً ثابتاً لكل من يعيش في هذا البلد ويسهم في بنائه. تعبنا أن نخرج مع أطفالنا للتنزه وقلوبنا معلقة باحتمال أذى من موتور مسيّس، أو حاقد أعمى، أو إنسان صنعت منه الأخبار والخوارزميات قنبلة غضب تمشي في الطريق، فيصبّ خوفه وحقده على طفل بريء، أو امرأة مطمئنة، أو شيخ كبير جاء إلى هذا البلد طالباً للسكينة.
قلق الطريق
تعبنا من التمييز العرقي والديني والعنصري يلاحق نساءنا وبناتنا وشبابنا في الشارع، والعمل، والمدرسة، والحافلة، والسوق، حتى صارت العائلة تشعر أحياناً أنها مستهدفة بشكل ممنهَج لمجرد أنها أرادت أن تعيش حياة طبيعية، وأن تخرج، وتندمج، وتفرح، وتتنفس بلا قلق. كل يوم نودع أبناءنا وبناتنا حين يخرجون إلى المدرسة أو العمل أو طلب الرزق بابتسامة نحاول أن نجعلها مطمئنة، لكن في القلب دعاء طويل لا يسمعه أحد، وخوف نحاول ألا نورثه لهم، لأننا نعرف أن الخوف إذا دخل طفولة الإنسان كسر شيئاً عميقاً في روحه.
ديار مفقودة
وهنا يحضر القرآن كأنه يضع يده على الجرح حين يقول: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، الحج: 40. فالديار ليست حجارة فقط، بل هي الطمأنينة حين تُسلب، والأمان حين يصير حلماً، والهوية حين تتحول إلى تهمة، والإنسان حين يُجبر على الرحيل من خوف إلى خوف. لقد تركنا أوطاناً تعبنا فيها من الخوف، وحملنا أبناءنا إلى بلد قلنا لهم عنه: هنا القانون، هنا العدالة، هنا لن يُحاكم الإنسان على اسمه أو دينه أو ملامحه. فهل صرنا نحتاج اليوم أن نعلمهم كيف يخفون خوفهم في وطن يفترض أن يحميهم؟ وأي وطن هذا إذا صار الطفل يدفع ثمن سياسة لم يفهمها، وحرب لم يخترها، وكراهية لم يصنعها؟
السنن لا ترحم المجتمعات التي تعبث بالخوف
ردود الأفعال
ولا بد أن نقولها بوضوح، من دون تهديد، ومن دون انفعال، ومن دون دعوة إلى أي فوضى: إن للقوانين الاجتماعية والتاريخية سنناً لا تجامل أحداً. لكل فعل رد فعل، وهذه ليست دعوة إلى الانتقام، بل تحذير من العبث بوجدان الناس. حين تُضغط جماعة إنسانية طويلاً، وحين يُهان أطفالها ونساؤها وكبارها، وحين تشعر أن القانون يراها متأخرة أو متردداً أو انتقائياً، فإن الجرح لا يبقى ساكناً إلى الأبد. ما يُزرع في الخيال الاجتماعي يعود، وما يُسكب في الذاكرة الجماعية لا يتبخر، وما يُمارس على الأطفال اليوم قد يظهر في أسئلتهم، وغضبهم، وارتباكهم، وشعورهم بالغربة غداً.
استدراج الوجع
نحن الكبار ملتزمون دينياً وأخلاقياً وقانونياً أن لا نُستدرج إلى هذا الوحل. ونحن نرى أن هناك من يريد تحويل الخوف إلى صراع، والوجع إلى كراهية مقابلة، والضحية إلى مادة انتخابية أو إعلامية. نعرف أن بعض الذين فشلوا في قيادة شعوبهم، وفشلوا في الوفاء بوعودهم، وفشلوا في مواجهة تحديات العالم الجديد، يبحثون عن عدو جاهز يعلقون عليه عجزهم. ولذلك نقول لأبنائنا: لا تنجروا، لا تكرهوا، لا تسمحوا لهم أن يصنعوا منكم نسخة أخرى من خوفهم. لكن السؤال الذي يمزق القلب هو: إلى متى نستطيع أن نحمي أرواح أطفالنا من أثر ما يرونه بأعينهم؟ إلى متى نقنعهم بالثقة وهم يرون الكراهية تُمارس ضدهم وعليهم؟ إلى متى نقول لهم إن القانون يحمي الجميع، وهم يشعرون أن بعض الحماية تصل متأخرة، أو باردة، أو مشروطة او لا تصل ابداً؟
مسؤولية العدل
هنا تكمن المسؤولية الكبرى للدولة والمجتمع والإعلام والمؤسسات. ليست القضية أن نمنع رد الفعل بالعظة فقط، بل أن نمنع أسبابه بالعدل. ليست الحكمة أن نقول للضحية: اهدأ، بل أن نقول للمعتدي: توقف، وللمحرض: كفى، وللمؤسسات: تحركي قبل أن يتحول الخوف إلى ذاكرة. فالسنن الاجتماعية لا تنتظر خطابات التهدئة، والمجتمعات التي تسمح بتطبيع الكراهية ضد فئة من أبنائها تفتح باباً لا تعرف من سيدخل منه غداً.
من وجع الخوف إلى وعد الأمن
حق الطمأنينة
نحن لا نطلب امتيازاً، ولا نريد أن نعيش ضد أحد، ولا نربي أبناءنا على كراهية أحد، بل نريد فقط أن يمشي أطفالنا آمنين، وأن تخرج نساؤنا بلا إهانة، وأن يعمل شبابنا بلا خوف، وأن يشعر كبارنا أن أعمارهم المتعبة وجدت أخيراً مكاناً للسكينة لا ساحة جديدة للقلق. نريد قانوناً يحمي الإنسان في الواقع، لا قانوناً يطمئننا في النصوص ثم يتركنا وحدنا أمام الشارع الغاضب، ونريد وطناً لا يجعل المواطنة امتحاناً دائماً لمن اختلف اسمه أو دينه أو لباسه أو أصله.
كرامة المواطنة
نريد أن يُحاسَب المعتدي وحده، لا أن تُدان جماعة كاملة بجريرة لا علاقة لها بها، وأن لا تتحول كرامتنا إلى مادة انتخابية، أو عنوان إعلامي، أو وقود لمنصات تبحث عن التفاعل ولو على حساب خوف العائلات. لسنا ملفات أمنية، ولسنا ضيوفاً مؤقتين، ولسنا عبئاً على بلد نشارك في بنائه كل يوم، بل نحن عائلات تعمل، وتدفع الضرائب، وتربي، وتخاف على هذا البلد كما تخاف على بيوتها. ومن يحب كندا حقاً لا يصمت حين يرى الخوف يتحول إلى سياسة، والكراهية إلى عادة، والتمييز إلى أمر عادي.
رجاء القرآن
ومع ذلك، لا نريد أن نُسلّم أرواحنا لليأس، ولا أن نسمح للكراهية أن تلد فينا كراهية مضادة، لأن القرآن لا يترك الخائفين في آخر النفق، بل يفتح لهم باب الرجاء حين يقول: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، النور: 55. هذا الوعد ليس تخديراً للجرح، بل قوة داخلية تقول لنا إن الخوف ليس نهاية الطريق، وإن الظلم لا يملك الكلمة الأخيرة، وإن الإنسان يستطيع أن يتمسك بكرامته من غير أن يفقد عدله، وبإيمانه من غير أن يفقد إنسانيته، وبحقه من غير أن يعتدي على حق غيره.
دعاء الخاتمة
إلهي، إنك ترى ما يُصنع بنا، وترى الدموع حين نخفيها عن أطفالنا، وترى القلق حين نسميه صبراً، وترى خوف الأمهات والآباء حين يخرج أبناؤهم إلى الحياة في زمن صارت فيه الكراهية أحياناً أسرع من الرحمة. اللهم خذ بأيدينا، واحفظ أطفالنا ونساءنا وبناتنا وشبابنا وكبارنا من كل سوء، وكف شر من يريد بنا وبأهلنا شراً، ولا تجعلنا نخرج من خوف إلى خوف، ولا من غربة إلى غربة، واجعل هذا البلد آمناً لكل من يعيش فيه بسلام.
حسبنا الله، ونعم الوكيل.
حين يصبح الخوف رفيق العائلة في وطن الأمان
شهادة البراءة
تعبنا من الخوف، ومن أن نُحاسَب عند كل حدث على ما لم نفعل، كأن أسماءنا، ووجوهنا، ولباس نسائنا، ولهجات أطفالنا تحتاج في كل مرة إلى شهادة براءة جديدة. تعبنا أن نثبت وطنيتنا الكندية كما لو كانت المواطنة امتحاناً يومياً للأقليات، لا حقاً قانونياً وأخلاقياً ثابتاً لكل من يعيش في هذا البلد ويسهم في بنائه. تعبنا أن نخرج مع أطفالنا للتنزه وقلوبنا معلقة باحتمال أذى من موتور مسيّس، أو حاقد أعمى، أو إنسان صنعت منه الأخبار والخوارزميات قنبلة غضب تمشي في الطريق، فيصبّ خوفه وحقده على طفل بريء، أو امرأة مطمئنة، أو شيخ كبير جاء إلى هذا البلد طالباً للسكينة.
قلق الطريق
تعبنا من التمييز العرقي والديني والعنصري يلاحق نساءنا وبناتنا وشبابنا في الشارع، والعمل، والمدرسة، والحافلة، والسوق، حتى صارت العائلة تشعر أحياناً أنها مستهدفة بشكل ممنهَج لمجرد أنها أرادت أن تعيش حياة طبيعية، وأن تخرج، وتندمج، وتفرح، وتتنفس بلا قلق. كل يوم نودع أبناءنا وبناتنا حين يخرجون إلى المدرسة أو العمل أو طلب الرزق بابتسامة نحاول أن نجعلها مطمئنة، لكن في القلب دعاء طويل لا يسمعه أحد، وخوف نحاول ألا نورثه لهم، لأننا نعرف أن الخوف إذا دخل طفولة الإنسان كسر شيئاً عميقاً في روحه.
ديار مفقودة
وهنا يحضر القرآن كأنه يضع يده على الجرح حين يقول: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، الحج: 40. فالديار ليست حجارة فقط، بل هي الطمأنينة حين تُسلب، والأمان حين يصير حلماً، والهوية حين تتحول إلى تهمة، والإنسان حين يُجبر على الرحيل من خوف إلى خوف. لقد تركنا أوطاناً تعبنا فيها من الخوف، وحملنا أبناءنا إلى بلد قلنا لهم عنه: هنا القانون، هنا العدالة، هنا لن يُحاكم الإنسان على اسمه أو دينه أو ملامحه. فهل صرنا نحتاج اليوم أن نعلمهم كيف يخفون خوفهم في وطن يفترض أن يحميهم؟ وأي وطن هذا إذا صار الطفل يدفع ثمن سياسة لم يفهمها، وحرب لم يخترها، وكراهية لم يصنعها؟
السنن لا ترحم المجتمعات التي تعبث بالخوف
ردود الأفعال
ولا بد أن نقولها بوضوح، من دون تهديد، ومن دون انفعال، ومن دون دعوة إلى أي فوضى: إن للقوانين الاجتماعية والتاريخية سنناً لا تجامل أحداً. لكل فعل رد فعل، وهذه ليست دعوة إلى الانتقام، بل تحذير من العبث بوجدان الناس. حين تُضغط جماعة إنسانية طويلاً، وحين يُهان أطفالها ونساؤها وكبارها، وحين تشعر أن القانون يراها متأخرة أو متردداً أو انتقائياً، فإن الجرح لا يبقى ساكناً إلى الأبد. ما يُزرع في الخيال الاجتماعي يعود، وما يُسكب في الذاكرة الجماعية لا يتبخر، وما يُمارس على الأطفال اليوم قد يظهر في أسئلتهم، وغضبهم، وارتباكهم، وشعورهم بالغربة غداً.
استدراج الوجع
نحن الكبار ملتزمون دينياً وأخلاقياً وقانونياً أن لا نُستدرج إلى هذا الوحل. ونحن نرى أن هناك من يريد تحويل الخوف إلى صراع، والوجع إلى كراهية مقابلة، والضحية إلى مادة انتخابية أو إعلامية. نعرف أن بعض الذين فشلوا في قيادة شعوبهم، وفشلوا في الوفاء بوعودهم، وفشلوا في مواجهة تحديات العالم الجديد، يبحثون عن عدو جاهز يعلقون عليه عجزهم. ولذلك نقول لأبنائنا: لا تنجروا، لا تكرهوا، لا تسمحوا لهم أن يصنعوا منكم نسخة أخرى من خوفهم. لكن السؤال الذي يمزق القلب هو: إلى متى نستطيع أن نحمي أرواح أطفالنا من أثر ما يرونه بأعينهم؟ إلى متى نقنعهم بالثقة وهم يرون الكراهية تُمارس ضدهم وعليهم؟ إلى متى نقول لهم إن القانون يحمي الجميع، وهم يشعرون أن بعض الحماية تصل متأخرة، أو باردة، أو مشروطة او لا تصل ابداً؟
مسؤولية العدل
هنا تكمن المسؤولية الكبرى للدولة والمجتمع والإعلام والمؤسسات. ليست القضية أن نمنع رد الفعل بالعظة فقط، بل أن نمنع أسبابه بالعدل. ليست الحكمة أن نقول للضحية: اهدأ، بل أن نقول للمعتدي: توقف، وللمحرض: كفى، وللمؤسسات: تحركي قبل أن يتحول الخوف إلى ذاكرة. فالسنن الاجتماعية لا تنتظر خطابات التهدئة، والمجتمعات التي تسمح بتطبيع الكراهية ضد فئة من أبنائها تفتح باباً لا تعرف من سيدخل منه غداً.
من وجع الخوف إلى وعد الأمن
حق الطمأنينة
نحن لا نطلب امتيازاً، ولا نريد أن نعيش ضد أحد، ولا نربي أبناءنا على كراهية أحد، بل نريد فقط أن يمشي أطفالنا آمنين، وأن تخرج نساؤنا بلا إهانة، وأن يعمل شبابنا بلا خوف، وأن يشعر كبارنا أن أعمارهم المتعبة وجدت أخيراً مكاناً للسكينة لا ساحة جديدة للقلق. نريد قانوناً يحمي الإنسان في الواقع، لا قانوناً يطمئننا في النصوص ثم يتركنا وحدنا أمام الشارع الغاضب، ونريد وطناً لا يجعل المواطنة امتحاناً دائماً لمن اختلف اسمه أو دينه أو لباسه أو أصله.
كرامة المواطنة
نريد أن يُحاسَب المعتدي وحده، لا أن تُدان جماعة كاملة بجريرة لا علاقة لها بها، وأن لا تتحول كرامتنا إلى مادة انتخابية، أو عنوان إعلامي، أو وقود لمنصات تبحث عن التفاعل ولو على حساب خوف العائلات. لسنا ملفات أمنية، ولسنا ضيوفاً مؤقتين، ولسنا عبئاً على بلد نشارك في بنائه كل يوم، بل نحن عائلات تعمل، وتدفع الضرائب، وتربي، وتخاف على هذا البلد كما تخاف على بيوتها. ومن يحب كندا حقاً لا يصمت حين يرى الخوف يتحول إلى سياسة، والكراهية إلى عادة، والتمييز إلى أمر عادي.
رجاء القرآن
ومع ذلك، لا نريد أن نُسلّم أرواحنا لليأس، ولا أن نسمح للكراهية أن تلد فينا كراهية مضادة، لأن القرآن لا يترك الخائفين في آخر النفق، بل يفتح لهم باب الرجاء حين يقول: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، النور: 55. هذا الوعد ليس تخديراً للجرح، بل قوة داخلية تقول لنا إن الخوف ليس نهاية الطريق، وإن الظلم لا يملك الكلمة الأخيرة، وإن الإنسان يستطيع أن يتمسك بكرامته من غير أن يفقد عدله، وبإيمانه من غير أن يفقد إنسانيته، وبحقه من غير أن يعتدي على حق غيره.
دعاء الخاتمة
إلهي، إنك ترى ما يُصنع بنا، وترى الدموع حين نخفيها عن أطفالنا، وترى القلق حين نسميه صبراً، وترى خوف الأمهات والآباء حين يخرج أبناؤهم إلى الحياة في زمن صارت فيه الكراهية أحياناً أسرع من الرحمة. اللهم خذ بأيدينا، واحفظ أطفالنا ونساءنا وبناتنا وشبابنا وكبارنا من كل سوء، وكف شر من يريد بنا وبأهلنا شراً، ولا تجعلنا نخرج من خوف إلى خوف، ولا من غربة إلى غربة، واجعل هذا البلد آمناً لكل من يعيش فيه بسلام.
حسبنا الله، ونعم الوكيل.
80 مشاهدة
07 يوليو, 2026
129 مشاهدة
05 يوليو, 2026
213 مشاهدة
20 يونيو, 2026