د. علي ضاهر ـ مونتريال
ليست كل الأمثال الشعبية متساوية في القيمة. بعضها محلي الصنع، لا يغادر حدود الحارة التي وُلد فيها. وبعضها الآخر عابر للقارات، يصلح للاستعمال من جنوب لبنان إلى شمال كندا، وربما يصلح أيضاً إذا نجح البشر يوماً في اكتشاف عوالم جديدة في هذا الكون الشاسع. ومن هذه الفئة الرفيعة المثل الشهير: "أول دخوله شمعة بطوله". وهو مثل يُقال عندما يبدأ المرء مشروعاً جديداً بنوايا بائسة، فلا يكاد يخطو خطوته الأولى حتى يتلقى صفعة مبكرة تجعله يعض أصابع الندم على حماسته.
ويبدو أن هذا المثل وجد أخيراً تجسيده الكيبيكي مع قانون تعزيز العلمانية الجديد. لذا، أهلاً بكم في كيبيك، واحة العلمانية "المفتولة العضلات"، حيث يمكنك أن ترتكب شتى المخالفات وتدفع غرامتها بابتسامة. أما إذا تجرأت وتمتمت بـ "يا رب" أو "الله يعين" أو "آمين" في المكان الخطأ، فهنا تفتح في وجهك أبواب الجحيم البيروقراطي. فالحكومة والبلديات وأجهزة الرقابة لك بالمرصاد. أما القانون الجديد، فجاهز ليذكّرك بأن العلمانية عندما تصاب بالذعر، تصبح شديدة الحساسية تجاه بعض الكلمات والمظاهر.
لقد صدق المثل الشعبي فعلاً: "أول دخوله شمعة بطوله". فحين أُقرّ القانون، خرج وزير علمانية كيبيك وكأنه قائد حملة صليبية معاكسة، يقود لواءً مجوقلاً لتحرير الأرصفة من خطر "الترانيم والأدعية والصلوات". تحدث بحزم عن حماية الفضاء العام وحياد الدولة. ولو استمعت إليه لظننت أن التهديد الوجودي الأكبر الذي يهدد كيبيك ليس أزمة السكن ولا تراجع نظام الصحة، بل احتمال أن يقع سمع أحد المارة على عبارة "يا رب" وهو في طريقه لشراء رغيف الخبز. ولم يكتف الوزير بهذه الملحمة، بل سلّح البلديات بـ "كتالوج" توجيهي يحدد شروطاً لأي نشاط ديني في الشارع، وبدا المشهد يومها وكأن مصير الحضارة الغربية برمتها بات معلقاً على ذلك.
وبما ان حساب الحقل غير حساب البيدر، فما إن أشرقت شمس الثاني من أبريل 2026 ودخل القانون حيز التنفيذ، حتى تحولت شوارع مونتريال إلى حلبة مصارعة دينية - بيروقراطية. الحكومة ظنت أنها صاغت قانوناً عبقرياً سينهي "الصداع الديني" في الفضاء العام، لكنها استيقظت على "شمعة ضخمة بطولها" أشعلتها المنظمات الدينية فوراً في وجه "الدليل التوجيهي". فضربت هذه المنظمات عرض الحائط بالشروط الأربعة "المقدسة" التي وضعتها الحكومة لحماية عقول المارة من التلوث الديني والمتمثلة في: ألا تعرقل المرور، وأن تكون محدودة المدة، ومتاحة للجميع، وألا تهدد أمن المارة!
المنظمات الدينية قرأت الكتالوج الحكومي، وقررت أن ترد التحية بـترنيمة. فبدل أن تختبئ الكنائس في دهاليز الصمت، نزل الآلاف إلى الشوارع في مسيرات الفصح، تلتها مسيرة الجالية البرتغالية "سانتو كريستو"، ومسيرة "عيد القربان" بالشموع. المنظمات الدينية لم تكسر القانون في الخفاء خجلاً، بل كسرته بروح احتفالية، وبأصوات ترانيم هزت جدران المكاتب التي صيغ فيها هذا القانون، وكأنها تقول لهم: " بِلُّوه واشربوا مَيِّتُه"!
المضحك المبكي في هذه الملهاة هو الموقف البطولي -المتخاذل- للبلديات المحلية، وخاصة بلدية حي "بلاتو-مون-رويال". في البداية، تقمص المسؤولون دور حراس المعبد الصارمين ورفضوا إعطاء تصريح للجالية البرتغالية. لكن، ما إن رأوا ألفي مواطن غاضب يستعدون للنزول إلى الشارع حاملين تماثيلهم وطقوسهم، حتى أصيب المسؤولون برعب بيروقراطي حاد وإسهال في التنازلات. فجأة، وسبحان مغير الأحوال من علماني متشدد إلى مرشد سياحي متحمس، تذكرت البلدية أن هذه المسيرة الدينية الصرفة هي في الواقع حدث ثقافي تراثي وسياحي بحت! وتم منح الترخيص تحت الضغط. هكذا ببساطة وبجرة قلم، تحولت الصلاة في الشارع من مخالفة علمانية تهدد السلم الأهلي إلى فلكلور شعبي لطيف يبهج السياح!
الحكومة كانت تحلم بشوارع "معقمة ومطهرة" تماماً من أي مظهر إيماني، لكنها نسيَت أن الشارع لا يُحكم بالفرمانات الصادرة من فوق. فالعادات الدينية المتجذرة في كيبيك، ولا سيما المسيحية، أثبتت أنها أقوى من هندسة القوانين المستعجلة. ولكن، بما أن المسلمين جدد في هذه الأصقاع، ولم تنبت لعاداتهم جذور عميقة في هذه التربة الصقيعية بعد، فنصوص القانون ستُسلّط سكاكينها حتماً عليهم وحدهم! وإذا كانت التقاليد المسيحية الراسخة قادرة على التحول إلى تراث ثقافي كلما اقتضت الحاجة، فهل بقي أحد يجهل أي تقاليد كان القانون يستهدف فرملتها منذ البداية؟
على كل حال، اليوم، إذا أراد المسلمون تنظيم مسيرة دينية في مونتريال، فعليهم أولاً أن يحفظوا نص القانون عن ظهر قلب، ويستعينوا بجيش من المحامين، ويصيغوا طلباً للبلدية وكأنهم يتقدمون بطلب مع إرفاق تعهد مكتوب بأن الصلوات في الشوارع هي مجرد "حركات رياضية" والتهليلات هي عبارة عن "تمارين جماعية لتدريب الأحبال الصوتية"!
دخل القانون العلمانية المقوى والمحصن بشمعة بطولها، ويبدو أن حكومة كيبيك ستحتاج إلى استيراد مستودعات من الشموع لتبحث بها في الظلام عن طريقة لإقناع الجاليات المسيحية بترك صلبانها وطقوسها في البيوت. أما المسلمون، فعليهم التحلي بالصبر، وأمامهم رحلة طويلة من الكد والوقت وبعض الحظ حتى تترقى بعض طقوسهم أيضا من خانة الحظر العلماني الى مرتبة التراث الثقافي المحمي. وحتى ذلك الحين، نتمنى لأهل كيبيك علمانية سعيدة جداً، بمعايير مزدوجة، ومسيرات "ثقافية" ممتعة برعاية حكومية خائفة.
ليست كل الأمثال الشعبية متساوية في القيمة. بعضها محلي الصنع، لا يغادر حدود الحارة التي وُلد فيها. وبعضها الآخر عابر للقارات، يصلح للاستعمال من جنوب لبنان إلى شمال كندا، وربما يصلح أيضاً إذا نجح البشر يوماً في اكتشاف عوالم جديدة في هذا الكون الشاسع. ومن هذه الفئة الرفيعة المثل الشهير: "أول دخوله شمعة بطوله". وهو مثل يُقال عندما يبدأ المرء مشروعاً جديداً بنوايا بائسة، فلا يكاد يخطو خطوته الأولى حتى يتلقى صفعة مبكرة تجعله يعض أصابع الندم على حماسته.
ويبدو أن هذا المثل وجد أخيراً تجسيده الكيبيكي مع قانون تعزيز العلمانية الجديد. لذا، أهلاً بكم في كيبيك، واحة العلمانية "المفتولة العضلات"، حيث يمكنك أن ترتكب شتى المخالفات وتدفع غرامتها بابتسامة. أما إذا تجرأت وتمتمت بـ "يا رب" أو "الله يعين" أو "آمين" في المكان الخطأ، فهنا تفتح في وجهك أبواب الجحيم البيروقراطي. فالحكومة والبلديات وأجهزة الرقابة لك بالمرصاد. أما القانون الجديد، فجاهز ليذكّرك بأن العلمانية عندما تصاب بالذعر، تصبح شديدة الحساسية تجاه بعض الكلمات والمظاهر.
لقد صدق المثل الشعبي فعلاً: "أول دخوله شمعة بطوله". فحين أُقرّ القانون، خرج وزير علمانية كيبيك وكأنه قائد حملة صليبية معاكسة، يقود لواءً مجوقلاً لتحرير الأرصفة من خطر "الترانيم والأدعية والصلوات". تحدث بحزم عن حماية الفضاء العام وحياد الدولة. ولو استمعت إليه لظننت أن التهديد الوجودي الأكبر الذي يهدد كيبيك ليس أزمة السكن ولا تراجع نظام الصحة، بل احتمال أن يقع سمع أحد المارة على عبارة "يا رب" وهو في طريقه لشراء رغيف الخبز. ولم يكتف الوزير بهذه الملحمة، بل سلّح البلديات بـ "كتالوج" توجيهي يحدد شروطاً لأي نشاط ديني في الشارع، وبدا المشهد يومها وكأن مصير الحضارة الغربية برمتها بات معلقاً على ذلك.
وبما ان حساب الحقل غير حساب البيدر، فما إن أشرقت شمس الثاني من أبريل 2026 ودخل القانون حيز التنفيذ، حتى تحولت شوارع مونتريال إلى حلبة مصارعة دينية - بيروقراطية. الحكومة ظنت أنها صاغت قانوناً عبقرياً سينهي "الصداع الديني" في الفضاء العام، لكنها استيقظت على "شمعة ضخمة بطولها" أشعلتها المنظمات الدينية فوراً في وجه "الدليل التوجيهي". فضربت هذه المنظمات عرض الحائط بالشروط الأربعة "المقدسة" التي وضعتها الحكومة لحماية عقول المارة من التلوث الديني والمتمثلة في: ألا تعرقل المرور، وأن تكون محدودة المدة، ومتاحة للجميع، وألا تهدد أمن المارة!
المنظمات الدينية قرأت الكتالوج الحكومي، وقررت أن ترد التحية بـترنيمة. فبدل أن تختبئ الكنائس في دهاليز الصمت، نزل الآلاف إلى الشوارع في مسيرات الفصح، تلتها مسيرة الجالية البرتغالية "سانتو كريستو"، ومسيرة "عيد القربان" بالشموع. المنظمات الدينية لم تكسر القانون في الخفاء خجلاً، بل كسرته بروح احتفالية، وبأصوات ترانيم هزت جدران المكاتب التي صيغ فيها هذا القانون، وكأنها تقول لهم: " بِلُّوه واشربوا مَيِّتُه"!
المضحك المبكي في هذه الملهاة هو الموقف البطولي -المتخاذل- للبلديات المحلية، وخاصة بلدية حي "بلاتو-مون-رويال". في البداية، تقمص المسؤولون دور حراس المعبد الصارمين ورفضوا إعطاء تصريح للجالية البرتغالية. لكن، ما إن رأوا ألفي مواطن غاضب يستعدون للنزول إلى الشارع حاملين تماثيلهم وطقوسهم، حتى أصيب المسؤولون برعب بيروقراطي حاد وإسهال في التنازلات. فجأة، وسبحان مغير الأحوال من علماني متشدد إلى مرشد سياحي متحمس، تذكرت البلدية أن هذه المسيرة الدينية الصرفة هي في الواقع حدث ثقافي تراثي وسياحي بحت! وتم منح الترخيص تحت الضغط. هكذا ببساطة وبجرة قلم، تحولت الصلاة في الشارع من مخالفة علمانية تهدد السلم الأهلي إلى فلكلور شعبي لطيف يبهج السياح!
الحكومة كانت تحلم بشوارع "معقمة ومطهرة" تماماً من أي مظهر إيماني، لكنها نسيَت أن الشارع لا يُحكم بالفرمانات الصادرة من فوق. فالعادات الدينية المتجذرة في كيبيك، ولا سيما المسيحية، أثبتت أنها أقوى من هندسة القوانين المستعجلة. ولكن، بما أن المسلمين جدد في هذه الأصقاع، ولم تنبت لعاداتهم جذور عميقة في هذه التربة الصقيعية بعد، فنصوص القانون ستُسلّط سكاكينها حتماً عليهم وحدهم! وإذا كانت التقاليد المسيحية الراسخة قادرة على التحول إلى تراث ثقافي كلما اقتضت الحاجة، فهل بقي أحد يجهل أي تقاليد كان القانون يستهدف فرملتها منذ البداية؟
على كل حال، اليوم، إذا أراد المسلمون تنظيم مسيرة دينية في مونتريال، فعليهم أولاً أن يحفظوا نص القانون عن ظهر قلب، ويستعينوا بجيش من المحامين، ويصيغوا طلباً للبلدية وكأنهم يتقدمون بطلب مع إرفاق تعهد مكتوب بأن الصلوات في الشوارع هي مجرد "حركات رياضية" والتهليلات هي عبارة عن "تمارين جماعية لتدريب الأحبال الصوتية"!
دخل القانون العلمانية المقوى والمحصن بشمعة بطولها، ويبدو أن حكومة كيبيك ستحتاج إلى استيراد مستودعات من الشموع لتبحث بها في الظلام عن طريقة لإقناع الجاليات المسيحية بترك صلبانها وطقوسها في البيوت. أما المسلمون، فعليهم التحلي بالصبر، وأمامهم رحلة طويلة من الكد والوقت وبعض الحظ حتى تترقى بعض طقوسهم أيضا من خانة الحظر العلماني الى مرتبة التراث الثقافي المحمي. وحتى ذلك الحين، نتمنى لأهل كيبيك علمانية سعيدة جداً، بمعايير مزدوجة، ومسيرات "ثقافية" ممتعة برعاية حكومية خائفة.
86 مشاهدة
17 يونيو, 2026
106 مشاهدة
16 يونيو, 2026
67 مشاهدة
16 يونيو, 2026