Sadaonline

كندا دولة مقاومة! فهل تُدرَج على لوائح الإرهاب؟

الدولة التي ترفع عاليا راية سيادتها وتتغنّى بها قد تتحوّل، عند اول اختبار، إلى ساحة سائبة ومفتوحة أمام الجار القوي


د. علي ضاهر - مونتريال

هل نحن أمام رئيس أميركي يفكّر فعلًا بإضافة كندا وغرينلاند وفنزويلا إلى دفتر الولايات المتحدة كولاياتٍ بأرقام 51 و52 و53؟ فبحسب صورة نشرها دونالد ترامب على حسابه في "تروث سوشال" لا تبدو مزحة عابرة ولا نزوة عاطفية لرجل اعتاد التغريد قبل التفكير. بل توحي، كعادته، بأن السياسة عنده امتدادٌ طبيعي لبرامج تلفزيون الواقع، حيث تُدار الدول كما تُدار حلقات الترفيه: ضمّ، إقصاء، مفاجآت، وتصفيق مصطنع.
ترامب، الذي كان مالكًا لمنظمة ملكات جمال الكون لسنوات طويلة، أحبَّ إحاطة نفسه دائما بنساء جميلات، وأراد ان ينسحب ذلك على محيطه السياسي فاشترط من معاونيه خلق مشهد تجميلي حوله، من زوجات وبنات ووزيرات ومندوبات أُخِذن بعناية من كتالوج الصورة، مما أوحى بحبه التعامل مع الجغرافيا كما كان يتعامل مع ديكور برامجه الترفيهية. وحده توم باراك، مندوبه إلى تركيا وسوريا ولبنان، كسر هذا النمط، كأنّ الجغرافيا الشرقية التي لا تفرح اثرت على نفسيته فدفعته الى اختيار، السيد توم! 
عبث ترامب، المتمثل بابتلاع كندا، دفع قواتها المسلحة إلى القيام بتمرين ذهني يستشرف كيفية الرد على التهديد الأميركي المحتمل، فجاءت تقديرات المؤسسة العسكرية صادمة: أي هجوم من الجنوب قادر على شلّ المواقع الاستراتيجية في كندا خلال أيام، وربما خلال 48 ساعة. اعترافٌ ضمنيّ بأن الدولة التي ترفع عاليا راية سيادتها وتتغنّى بها قد تتحوّل، عند اول اختبار، إلى ساحة سائبة ومفتوحة أمام الجار القوي والعملاق. لذا ولسد عجز القوات المسلحة عن القيام بواجبها في الدفاع عن نفسها وصدّ العدوان، وجدت ان السيناريو "الأكثر فعالية"، كما تراه القيادة العسكرية، لا يقوم على المواجهة الكلاسيكية، ولا على قوة كندا في ضعفها ولا على الدبلوماسية، بل على تمرّد منظّم: كمائن، حرب عصابات، حرب استنزاف طويلة النفس، على الطريقة الأفغانية او على الطريقة اللبنانية، هذه الأخيرة إضافة من كاتب المقال! 
المفارقة المضحكة المبكية، لكنها المألوفة في هذا الأمر ان نعيش في عالم تُوزَّع فيه الأوصاف السياسية كما تُوزَّع الأوسمة: "اليوم أنت حركة مقاومة، غدًا أنت منظمة إرهابية، وبعد غد أنت دولة شرعية، كل ذلك وفقًا لتقلّبات المصلحة لا لمعايير القانون"! فأي شماتة هذه: كندا التي تعد نفسها رمزا للديمقراطية الغربية وعضوا في النادي الأطلسي المميز، تستعير لقب المقاوم، "المكروه" لديها والذي طالما كانت تلصقه بالآخرين. كأنها تقول، بلا خجل: " ما كان محرّمًا عليكم، مباحٌ لنا. وما كان إرهابًا حين فعلتموه، يصبح دفاعًا مشروعًا حين نمارسه". هكذا يذوب الخط الفاصل بين الدولة والحركة المسلّحة، بين الجيش والتمرّد، في مشهدٍ واحد يجمع بين الجيش والشعب والمقاومة في "معادلة" ذهبية للرد على المعتدي. فبماذا يذكر هذا الخطاب؟ وهل يتعظ البعض ويتشبه بالرجل الأبيض الكندي! وهنا يفرض السؤال نفسه، بلا مواربة: لو خرجت مجموعات كندية مسلّحة لتطبيق سيناريو المقاومة، هل ستُوصَف بأنها "مقاومة وطنية" تدافع عن سيادتها؟ أم سيُعلّق عليها الملصق الجاهز الذي أُتقن استخدامه لعقود ضد شعوب أخرى: الإرهاب؟
التاريخ لا يترك مجالًا كبيرًا للشك. في الجزائر، كانت جبهة التحرير "إرهابية" حتى أصبحت دولة. في جنوب أفريقيا، كان مانديلا إرهابيًا حتى صار قديس السياسة العالمية. في إيرلندا، كان الجيش الجمهوري لعنةً قبل أن يصبح شريك سلام. في فلسطين، كانت منظمة التحرير منبوذة قبل أن تُستقبل في البيت الأبيض. وحتى في كينيا، تحوّلت حركة الماو ماو من "عصابة" إلى رمز وطني. الخلاصة فاضحة في بساطتها: الإرهاب ليس توصيفًا قانونيًا، بل أداة سياسية. يُستعمل للتجريم حين يكون الخصم ضعيفًا، ويُسحَب حين يصبح واقعًا لا يمكن تجاهله. هو ملصق لاصق، يُنزع ويُعاد لصقه بحسب اتجاه الريح. فإن اضطُرّت كندا يومًا، وهذا امر غير مستبعدا، إلى رفع راية المقاومة دفاعًا عن نفسها ولتحرير ارضها، فلن تكون المشكلة في السلاح ولا في التكتيك، بل في القاموس. عندها، لا شك، سيقف الغرب أمام مرآته، ينظر الى نفسه مرتبكًا، عاجزًا عن شرح كيف تتحوّل "حرب العصابات"، التي تقوم بها دولة ديمقراطية غربية متحضرة، فجأة من إرهابٍ بربري حين يمارسها الآخرون، إلى بطولة وطنية حين تُفكّر بها دولة بيضاء ذات لهجة فرنسية إنكليزية مهذّبة. عندها فقط، قد نكتشف أنّ المشكلة لم تكن يومًا فيمن يقاوم، بل فيمن يملك حق تسمية المقاومة.