Sadaonline

" كيف أكونُ مسلمًا؟ ": كتاب حواري يعيد طرح الأسئلة الأولى للإيمان، للكاتب أسامة أبو شقرا

الكتاب يقوم على صيغة حوارية بين رجل دين وشخص اتخذ الإسلام دينًا له حديثًا

 بقلم: جاسم نعمة مصاول


ليس من السهل أن يُكتب عن الدين اليوم دون الوقوع في فخ التبسيط أو الخطاب الوعظي، ولا أن يُقدَّم الإسلام بلغة هادئة تخاطب العقل والضمير في آن. من هنا تبرز أهمية كتاب " كيف أكونُ مسلمًا؟ " للكاتب والباحث الكندي اللبناني الأصل أسامة أبو شقرا، الصادر حديثًا في مدينة مونتريال، بوصفه محاولة واعية لإعادة بناء الأسئلة الأساسية للإيمان من خلال الحوار لا التلقين.
الكتاب يقوم على صيغة حوارية بين رجل دين وشخص اتخذ الإسلام دينًا له حديثًا، في سلسلة لقاءات متتابعة، تتدرج من الأسس العقائدية الكبرى إلى تفاصيل العبادات والسلوكيات، في بناءٍ مقصود يُذكّر بأسلوب “الأسئلة الأولى”: ما الدين؟ ما الإيمان؟ ولماذا الإيمان أصلًا؟

العودة إلى الأصل: القرآن والسنة
منذ الصفحات الأولى، يعلن المؤلف انحيازه الواضح إلى ما يسميه “العودة إلى الأصل”، أي القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، بوصفهما المرجعية الوحيدة لفهم الإسلام، مع رفض كل ما يخالف نصوصهما أو يُحمّلهما ما لا يحتملان.
هذا الموقف ليس تفصيلاً عابرًا، بل يشكّل العمود الفقري للكتاب، ويمنحه طابعًا تصحيحيًا في زمنٍ كَثُرتْ فيه القراءات المتضاربة، والتأويلات المُسقَطة على النص الديني.

الدين والإيمان: سؤال البداية
يفتتح الكتاب لقاءه الأول بسؤال جوهري: ما الفرق بين الدين والإيمان؟
يُعاد تعريف الإسلام هنا بوصفه استسلامًا واعيًا لله، يبدأ بالشهادتين، ويتجسّد في تصديق القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح. لا يكتفي الحوار بالتعريف النظري، بل يربط الإيمان بالسلوك اليومي، وبالالتزام الأخلاقي، ليؤكد أن الإيمان ليس فكرة مجرّدة، بل ممارسة حيّة.

التوحيد… الكلمة المفتاح
في اللقاء الثاني، تتصدر عبارة " لا إله إلا الله " بوصفها المفتاح الذي يلخّص جوهر الإسلام كله.
يفصّل الكتاب معنى الإيمان بالله عبر أبعاده الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، في طرح مبسّط لكنه غير سطحي، يوازن بين الاختصار والدقة، ويضع القارئ أمام تصور توحيدي متماسك.

الآخرة، الملائكة، والرسالات
تتتابع اللقاءات لتتناول الإيمان باليوم الآخر، والملائكة، والأنبياء، والكتب السماوية، في سرد متسلسل يربط بين هذه الأركان بوصفها منظومة واحدة لا يمكن فصلها.
ويشدد الكتاب على مركزية الإيمان بالبعث والحساب في ضبط السلوك الإنساني، وعلى احترام جميع الأنبياء دون تفريق، معتبرًا أن المساس بأي نبي هو مساس بجوهر العقيدة نفسها.

العبادات: من الفكرة إلى الممارسة
ينتقل الكتاب لاحقًا إلى أركان الإسلام العملية: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج والعمرة.
ولا تُقدَّم هذه العبادات هنا كطقوس شكلية، بل كوسائل تهذيب وبناء داخلي:
الصلاة صلة يومية مباشرة بين الإنسان وربه،
الزكاة أداة عدالة اجتماعية،
الصيام مدرسة أخلاقية لضبط النفس،
والحج تجربة كونية للمساواة والسكينة.

الجهاد: المفهوم الملتبس
يخصص المؤلف حيّزًا مهمًا لمفهوم الجهاد في سبيل الله، مُحاولًا تفكيك أكثر المفاهيم التباسًا وسوء فهم في الخطاب المعاصر.
يقدَّم الجهاد بوصفه جهدًا متعدّد الأشكال، يبدأ بجهاد النفس، ويخضع في القتال لضوابط أخلاقية صارمة تحرّم الاعتداء والغدر وقتل الأبرياء، وتؤكد أن الغاية هي حماية العقيدة وإقامة العدل، لا العنف لذاته.

المحرمات، الفواحش، والحدود
ينظر الكتاب إلى المحرّمات والفواحش بوصفها تشريعات هدفها حماية الإنسان والمجتمع، لا مجرد أوامر وعقوبات. ويُبرز أن الحدود في الإسلام شُرعت للردع لا للإيقاع، وأنها لا تُطبّق إلا بشروط دقيقة، مع تقديم قراءة عقلانية تُظهر البعد الإنساني في التشريع الإسلامي.

المرأة: من الجاهلية إلى التكريم
في أحد أكثر فصول الكتاب حضورًا، يتناول الحوار منزلة المرأة في الإسلام، مبرزًا التحول الجذري الذي أحدثه الإسلام في وضعها التاريخي، من كونها متاعًا في الجاهلية إلى إنسانة كاملة الحقوق والكرامة. يوثق المؤلف ذلك بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية، تؤكد حق المرأة في التعليم، والملكية، والمشاركة في الشأن العام، وتُفكك كثيرًا من الصور النمطية السائدة.

كتاب أسئلة لا أجوبة جاهزة
في المحصلة، لا يقدّم كتاب " كيف أكونُ مسلمًا؟ " نفسه بوصفه نصًا تعليميًا مغلقًا، بل كمسار حواري مفتوح، يحترم عقل القارئ، ويعيد طرح الأسئلة الأولى للإيمان بلغة هادئة، واضحة، وغير متشنجة، وهي ميزة نادرة في زمن الاستقطاب، تجعل من هذا الكتاب إضافة لافتة في مكتبة الفكر الإسلامي المعاصر، خصوصًا للقارئ غير المتخصص، أو للباحث عن فهم ٍ بعيد عن الضجيج.