Sadaonline

نهضة الأمم تبدأ عندما يلتقي الحق بالحقيقة

النهضة لا تقوم على الشعارات وحدها، ولا على كشف الوقائع وحده. فلا يكفي أن ندافع عن الحق إذا كنا نخشى الحقيقة، ولا يكفي أن نكشف الحقيقة إذا لم نقصد بها خدمة الحق

وليد حديد - مونتريال
الحق والحقيقة كلمتان تنبعان من جذر لغوي واحد هو (ح ق ق)، وهو جذر يحمل معاني الثبوت واليقين والتحقق. ومنه جاءت كلمات: الحق، والحقيقة، والتحقيق، والتحقق، والاستحقاق، وكلها تدور حول معنى الثبات ومطابقة الواقع.
فالحق هو ما ثبت وصحّ وعدل، وهو ما ينبغي أن يكون. إنه يرتبط بالقيم والمبادئ والحقوق والواجبات. وعندما نتحدث عن حق الشعوب في الحرية والسيادة والكرامة والعدالة والتنمية، فإننا نتحدث عن الحق بمعناه الإنساني والحضاري.
أما الحقيقة فهي الأمر كما هو في الواقع، بعيداً عن الأوهام والرغبات والانفعالات. إنها السعي إلى فهم الوقائع كما حدثت، ومعرفة الأسباب الحقيقية للأحداث، مهما كانت مؤلمة أو مخالفة لما نرغب في سماعه.
وإذا كان الحق يحدد الوجهة التي ينبغي أن نسير نحوها، فإن الحقيقة ترسم الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول إليها.
في التجربة العربية، كان هناك اتفاق واسع على الحق؛ حق الشعوب في الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وحقها في بناء دول عادلة وقادرة على خدمة مواطنيها. لكن الخلاف بقي قائماً حول الحقيقة: كيف تشكلت أوضاعنا السياسية؟ وما هي الأسباب الحقيقية لتعثر التنمية؟ وما حجم مسؤولية التدخلات الخارجية مقارنة بمسؤولية النخب المحلية؟
لقد ترك الاستعمار آثاراً عميقة في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكثير من البلدان العربية، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها. لكن الحقيقة نفسها تقتضي أيضاً الاعتراف بأن جزءاً من أزماتنا ناتج عن خيارات داخلية وأخطاء تراكمت عبر العقود. فالمجتمعات التي تعزو كل مشكلاتها إلى الخارج وحده تعجز عن إصلاح ذاتها، كما أن المجتمعات التي تتجاهل أثر الاستعمار والتدخلات الخارجية تقع في قراءة ناقصة للتاريخ.
وفي الحالة اللبنانية، يظهر هذا التلاقي بين الحق والحقيقة بصورة واضحة. فالحق يدفعنا إلى المطالبة بدولة سيدة وعادلة وقادرة على حماية مواطنيها. أما الحقيقة فتدعونا إلى قراءة موضوعية للتاريخ، تشمل الانتداب، والانقسامات الطائفية، والتدخلات الإقليمية والدولية، وكذلك مسؤولية القوى السياسية اللبنانية عن مسار البلاد.
إن النهضة لا تقوم على الشعارات وحدها، ولا على كشف الوقائع وحده. فلا يكفي أن ندافع عن الحق إذا كنا نخشى الحقيقة، ولا يكفي أن نكشف الحقيقة إذا لم نقصد بها خدمة الحق.
فنهضة الأمم تبدأ عندما يلتقي الحق بالحقيقة:
حقٌ يُطلب، وحقيقةٌ تُقال، ومسؤوليةٌ تُمارس، ومستقبلٌ يُبنى.