Sadaonline

حفل التكليف السنوي "عهدنا بالحجاب": بناء هوية دينية في ظل تزايد الضغوط على الفتيات المحجَّبات والمسلمات

هذا الحفل يقدّم جرعةً كبيرة من الدعم النفسي والروحي للمكلَّفة

 

مونتريال-دارين حوماني

تحت شعار "عهدنا بالحجاب"، وبتنظيم من المجمّع الإسلامي في مونتريال، أقيم يوم أمس الأحد 18-1-2026 حفل التكليف السنوي لتكريم الفتيات اللواتي تتوّجن بالحجاب هذا العام، وذلك على مسرح كلية "ماري فيكتوران" Cégep Marie-Victorin في مونتريال مع حضور حاشد للجالية اللبنانية. والفتيات المكلّفات هنّ:

أسيل نصر الله، آية عبيد، إيفا برجي، بتول عسيلي، تالة خليل، تاليا عباس، جنان مروة، جوليا فقيه، رقية قبلان، رينا السيّد علي، ريحانة دوش، زهراء نصر الله، زينب فضل الله، زينب الشّامي، سالي عامر، سارة عاصي، فاطمة ناصر، فاطمة البتول يحي، فاطمة الزهراء زلّايا، فاطمة حمّود، ليال حمّود، ملاك بعلبكي، ملاك جابر، مريم شومان، ميرال طيبا، نور جفّال، نور فاطمة السوحاني، نور فرحات، نور الزهراء صالح، نور زين، نرجس موسى، وياسمين داغر.  

في حديث لنا مع القيّمة عل الحفل الاختصاصية التربوية دينا رمال عن هذا الحدث، قالت:

"منذ سنوات، يقيم المجمع الإسلامي في مونتريال هذا الحفل السنوي بهدف الاحتفاء والمباركة لفتيات الجالية اللواتي التزمن بفريضة الحجاب، والذي نسعى أن يكون يومًا مميّزًا يُحفَر في ذاكرة المكلَّفات وأهاليهن، وانطلاقةً مشرقةً ملؤها الثقة والدعم في رحلة التشريف والتكليف الإلهي، حيث تشعر كل مكلَّفة بأنها أميرةٌ بحجابها.

وعن مساهمة الحفل في دعم الفتيات نفسيًا وروحيًا، قالت رمال:

"في الوقت الذي تُقدِم فيه المكلَّفات على هذه الخطوة الجريئة في مجتمعٍ تُعَدّ فيه أقلية، وفي ظل تزايد الضغوط على الفتيات المحجَّبات والمسلمات نتيجةً للقوانين والقيود التي تزداد يومًا بعد يوم، يأتي هذا الحفل ليبارك قرارها بالحجاب، وليقدّم جرعةً كبيرة من الدعم النفسي والروحي للمكلَّفة. فتشعر بالمباركة الجماعية من قبل مجتمعها وجاليتها المسلمة، وبأنها أميرةٌ تستحق التكريم والاحتفاء بقرارها الذي اتخذته امتثالًا لأمر الله، فتخرج إلى مجتمعها الكيبيكي والكندي الأوسع بثقةٍ وقوةٍ وفخرٍ أكبر. وقد لمسنا ذلك على مرّ السنوات من خلال آراء الأهل الذين يتحدثون عن الأثر الذي تركه هذا الحفل، بفعالياته المتعددة، من فخرٍ وتمسّكٍ وعزيمة".

وأشارت رمال إلى أنه "بالإضافة إلى التدريبات الأسبوعية على نشيد المكلَّفات، الذي نحرص على أن يعبّر بكلماته، باللغات الثلاث: العربية والفرنسية والإنكليزية، عن القيم المرتبطة بالحجاب والقوة والعزيمة للفتاة المسلمة، والتي يتم شرحها لهن، نقيم أيضًا فعالية ‘يوم المكلَّفة‘، وهو يوم نقدّم فيه ورش عمل تربوية وفقهية. وقد قدّمت الورشة التربوية الدكتورة مريم نجدي، عبر قصة تفاعلية عرضت فيها القيم المكمّلة للحجاب كجواهر تحصل عليها الفتاة المحجبة، والتي تساعدها على تقديم النموذج الأمثل للفتاة المسلمة القوية التي تنطلق في المجتمع رغم التحديات. أما الورشة الفقهية فقد قدّمها الشيخ عباس جواد، وتناول فيها التكليف من الناحية الشرعية. ولكل هذه العناوين أهمية في تثبيت المعنى الحقيقي للتكليف، الذي يساعد المكلَّفات على مواجهة التحديات بقناعةٍ وثبات".

وأشارت رمال إلى أنه كما في كل عام، "نحرص على تقديم الفقرات بقالبٍ فنيٍّ يضيء على مختلف الأبعاد التربوية والرسالية الهادفة، سواءً في الأناشيد، أو كلمات المكلَّفات، أو العمل المسرحي، الذي يقدّم الحجاب على أنه قرار تتخذه المكلَّفات بفخرٍ واعتزازٍ ووعي، ويُحتفل به بكثير من الفرح. كما يقدّم الصورة الحقيقية للفتاة المسلمة التي تقرن الحجاب بالعلم والعمل والحرية، لتكون الإنسان الذي يسعى إلى الكمال بالطريقة التي تؤمن بها، لا التي يفرضها الآخرون".

وختمت "هذه هي الرسالة التي نسعى دائمًا إلى تقديمها، وهي أن الفتاة أو المرأة المسلمة المحجبة مدعاة فخرٍ وقوة، وهي عامل رفعةٍ للمجتمع بل أساسه، وتحظى بكل الدعم والمباركة".

***

بدأ الحفل بآيات من الذكر الحكيم تلاها القارئ حسان قصير. ثم قدّمت فرقة الكورال في المجمّع الإسلامي عددًا من الأناشيد. كما قدّمت الفتيات المكلفات عددًا من الأناشيد، منها: "بعون الله تعصمنا، تصون الإرث تجمعنا" و"طل القمر وقال". وعُرضت فيديوات للفتيات خلال التحضير للتكليف في المجمّع الإسلامي، إذ خضعن لورشة تربوية مع الاختصاصية مريم نجدي، وورشة فقهية مع الأستاذ عباس جواد.

وكان للفتاتين المكلفتين نور جفال وميرال طيبا كلمات مؤثرة في الحفل. 

 

فقد اعتبرت نور جفال بأن هذا اليوم هو بمثابة "تتويج" لمسيرة أخلاقية تبدأ بالوعي وتنتهي بالالتزام. وأكدت أن الحجاب بالنسبة لرفيقاتها ليس مجرد رداء، بل هو رسالة وعي: "نقف اليوم لنعلن لله أن يكون الحجاب اختيارًا نعتز به ونورًا يرافقنا في طريقنا، نلبسه بفرح ونحمله بوعي ونكبره خُلقًا وقيمة".

وأكدت نور في كلمتها أهمية الاقتداء بالسيدة الزهراء والسيدة زينب (عليهما السلام) يمنح الفتاة المعاصرة معادلة التوازن، قائلة: "لنأخذ منهن القوة مع اللطف، والثبات مع الرحمة، لنكون فتيات يرفعن راية الحق ويرفضن الذل، ويحملن الخير أينما كُنّ".

من جهتها، عبّرت ميرال طيبا في كلمتها عن بُعدٍ آخر لاختيار الحجاب، مؤكدة أنه قرار شخصي حر نابع من الإيمان، وقالت: "أتخذ الليلة قرار ارتداء الحجاب لأنه جزء من ديني، قرار حر ومدروس، لا أحد يجبرني عليه، لا عائلتي ولا أي شخص آخر".

وشددت طيبا على أن الحجاب يمثل هويتها وحريتها في آنٍ واحد، مضيفة: "صوتي يرمز إلى حريتي وهويتي وشخصيتي، وأصبح ارتداء الحجاب جزءًا لا يتجزأ مني"

كما عبّرت عن فخرها بانتمائها الديني والوطني، مؤكدة أن هويتها الإسلامية لا تتعارض مع انتمائها إلى كيبيك وكندا، بل تتكامل معه، وقالت: "هويتي الإسلامية وارتباطي بكيبيك لا يتعارضان، بل يتعايشان ويدعمان بعضهما البعض".

وفي ختام كلمتها، أعلنت ميرال طيبا باسمها واسم صديقاتها عهدًا واضحًا، قائلة: "سنرتدي الحجاب بفخر وعلانية، لا عن معارضة بل عن قناعة، لا بدافع الضعف بل بدافع القوة، وسنسعى وراء أحلامنا بشجاعة وثقة لا تتزعزع".

 

الشيخ علي سبيتي: ندعو أصحاب العمل من أبناء الجالية لإعطاء المحجبات الأولوية بالتوظيف

وألقى الشيخ علي سبيتي كلمة توجيهية شاملة بمناسبة حفل تكليف الفتيات، ربط فيها بين ذكرى المبعث النبوي الشريف والمسؤولية الأخلاقية والمدنية الملقاة على عاتق الجالية المسلمة في كندا.

ركز الشيخ علي سبيتي في الشق الأول من حديثه على تزكية النفوس كأداة لتنظيم العلاقات الإنسانية. وأوضح أن الضوابط الشرعية في اللباس والنظر ليست قيودًا، بل هي ضمانات لاستقامة المجتمع، حيث أكد: "من هذه التزكية أن لا يكون جسد المرأة أو الفتاة سببًا لفساد نفوس تستخدم غرائزها دون ضوابط، وأن يغض الرجل بصره حتى تستقيم العلاقات الإنسانية والاجتماعية والزوجية".

وحذر الشيخ سبيتي من اختزال قيمة الفتاة في مظهرها، أو تحول الشاب إلى كائن يركض وراء شهواته، معتبرًا أن الانجذاب الفطري بين الجنسين هو في الأصل "وسيلة لتأسيس أسرة وعائلة كي يكون الإنسان شريكًا في بناء الجماعة البشرية والحضارة الإنسانية". وانتقد بشدة الآثار الاجتماعية لترك هذه القيم، ملاحظًا أنه "لما خالفت الناس شرع الله ونزعت العفاف والحجاب، صار الجسد مبتذلًا.. فأعرض الشباب عن الزواج وبناء الأسرة وصاروا كسرّاق للشهوات".

وفي ردّه على من يصفون الحجاب بأنه مجرد "تقاليد" أو "رموز دينية" يمكن خلعها، شدد الشيخ على أن الحجاب فريضة إلهية ثابتة، قائلًا: "ليس مسألة تعصب لما وجدنا عليه آباءنا.. ونحن اعترضنا على أن يوصف بأنه (Signe religieux)، إنما هذه فريضة فرضها الله تبارك وتعالى، وتتمسك بها الراهبات في المسيحية وترتديها النساء عبر كل الأديان والأزمان". وأشار إلى أن الهجوم على العفاف يخدم في جوهره اقتصادًا قائمًا على الغرائز، بينما النفس البشرية السليمة "تأنس بالعفاف، ويرتاح المرء نفسيًا حين يخاطب المرأة من موقع أنها إنسان يملك عقلًا وفهمًا وذوقًا، ولا يختزل وجودها في جسدها".

وانتقل الشيخ علي سبيتي لتحليل الواقع السياسي والاجتماعي في مقاطعة كيبيك، مشيرًا إلى استخدام "فزاعة المسلمين" في المواسم الانتخابية لصرف الأنظار عن القضايا الحياتية. واستعرض تاريخ الجالية وصمودها أمام محاولات التضييق، منتقدًا التناقض لدى البعض في التعامل مع العلمانية: "هذه دولة علمانية يفترض فيها أن تترك الحرية الدينية للمواطنين.. ولكن هناك انقلاب على شرعة حقوق المواطنين".

وتحدث عن مبادرات "المجمع الإسلامي" منذ عام 2007 في الانفتاح على المجتمع الكندي لكسر حواجز الخوف، مؤكدًا أن "الإنسان عدو ما يجهل، وحين تعرف نفسك للآخر يكتشف أن هذه الفزاعة ليست حقيقية إنما مفتعلة". وأضاف بلهجة واثقة أن "الخوف والجهل هما السببان الرئيسيان لتوليد العنف، وعندما نزيل الخوف وننشر الوعي نستطيع أن ننشر الأمن والأمان".

وطرح الشيخ سبيتي حلولًا لمواجهة التمييز ضد المحجبات، داعيًا أصحاب العمل من أبناء الجالية لإعطائهن الأولوية بالتوظيف: "إذا أنتم ما شغلتوها نحن بنشغلها، وإذا أنتم ما بدكم إياها نحن بدنا إياها ونفتخر بها". كما شجع المؤسسات والمطاعم القريبة من الجامعات على تخصيص أماكن للصلاة للطلاب الذين تضطرهم ظروف الدراسة للتأخر.

ووجّه رسالة قوية لأولئك الذين يطالبون المسلمين بالعودة إلى بلادهم الأصلية، مؤكدًا أن الجيل الجديد هو ابن هذه الأرض: "أولاد هذا المجتمع، أولاد هذه الأرض، لا يمكنكم التعامل معهم بهذه الطريقة، وبالتالي يريدون أن يناضلوا من أجل أن يضمنوا ويحفظوا حقوقهم المدنية". واعتبر أن تمسك الأسرة المسلمة بأخلاقها هو "خدمة كبيرة لهذا البلد، لأنها ستخرج جيلًا واعيًا، خلوقًا، ومهتمًا، يسهم في تطوير البلاد وحفظ العباد".

في ختام كلمته، دعا الشيخ إلى الانخراط السياسي الواعي والتصويت الجماعي لإيصال صوت الجالية، محذرًا من نقل "روح الإحباط" إلى الأبناء. وأثنى على الدور القيادي للمرأة في العمل الإسلامي، مشيرًا إلى أن الأخوات هن من يتصدرن تنظيم هذه الاحتفالات وإدارتها. وختم بكلمات مؤثرة وصف فيها أبناء الجالية بأنهم: "أشرف الناس، تتورثون الشرف، وتعرضون على الجراحات وتصبرون، وتدعمون أهلكم في الوطن الأم وتدعمون أبناءكم في هذا الوطن"، مؤكدًا أن "الخير الكثير لا يزال في هذا الشعب وفي أبنائنا وبناتنا".

**

مسرحية "روحك فينا"

مسرحية "روحك فينا" عمل إبداعي إنساني مؤثر تم عرضه خلال الحفل، يحاكي واقع اللبنانيين في كندا بشكل عام وواقع الفتيات المحجبات بشكل خاص، إذ تطلّ علينا عائلة تعيش في كندا، لكن الوالد والوالدة مرتبطان بلبنان، ويعيشان على فكرة العودة إليه ولو بعد زمن، معتبرين أن كندا ليست سوى مكانًا مؤقتًا لهم: "هني كم سنة زمان منشتغل فيهن ومناخذ الجنسية ومنرجع قبل ما يكبروا الولاد". لكن عشرين عامًا ستمرّ والعائلة لا تزال تعيش في كندا وقد تمكنوا من بناء بيت كبير في قريتهم في لبنان.

الأب لديه مطعم صغير، والأم تساعده، فيما يواظب الشاب على ارتياد المسجد، أما الفتاة ملاك فتعاني من عدم تمكّنها من الحصول على وظيفة تتناسب مع اختصاصها الجامعي في الإعلام كونها محجبة، وهناك قيود وموانع من أن تكون المحجبة إعلامية على الشاشات الكندية. إذ يتم رفضها من التوظيف عند أول مقابلة مباشرة معها بسبب حجابها، تقول: "لما رحت وشافوني محجبة، سبحان الله بطّلوا بحاحة لموظفة جديدة.. كل رفقاتي البنات توظفوا، وأنا عاملة تدريب أكتر منن، الفرق بيني وبينن حجابي".

تدخل الفتاة في نقاش مستمر مع والديها، مصرّة على خلع الحجاب، تقول الأم: "حاولنا أد ما فينا لنحافظ عليكن وعلى دينكن، حطينا دم قلبنا لتتعلموا بمدارس خاصة، والوقت والتبرعات للي قدمناها ليصير عنا هل المجمّع يجمع العائلات وأولادهم".

ويطرح الشاب إشكالية أساسية يعاني منها اللبنانيون في كندا إذ يقول: "ما عاد عارف حالي، ربينا على كلمة كم سنة ومنرجع على لبنان، لا ربينا بلبنان ولا قادرين نعيش هنا متل الخلق".

ويضيف: "مبارح عطوني إنذار بالشغل عشان كتبت بوست على فيبسوك لدعم فلسطين، وقالولي ممنوع صلّي بالشغل.. كيف بلد الحريات، كيف بعدنا ساكتين؟؟. بناتنا رح تصير تشلح الحجاب على باب المدرسة لتفوت تتعلم.. كان لازم تفوتوا بالانتخابات، كان لازم تقتنعوا إنو كندا كمان وطن وتشتغلوا على هيدا الأساس لحتى ما نوصل لهون".  

تبدأ الحرب الإسرائيلية على لبنان، فإذ ببيتهم الواسع يتم قصفه كاملًا، ويشكّل استشهاد من رحلوا نقطة التحول في حياة الفتاة ملاك، تقول: "رحلوا كرمال مبادئ، كرمال هوية وكرامة ووجود، ما رضيوا يساوم عليهم حتى لو خسر حياته. لازم إسأل حالي، ليه عند أول  ضغط، أو أول فرصة، أو أول كلمة منن كنت حس إنو الحجاب هوي للي لازم يروح. ليه أنا محل ما لازم إقوى كنت عم أضعف. كيف بسمح لـ حدا يذلني. هيدي الشهادة عملت جواتي زلزال وخلتني فيق، وإنو إتنازل هي الخسارة الحقيقية".

تظهر الفتاة وهي تقدّم برنامج بودكاست خاصًا بها، قائلة: "طلعت المعركة مش محصورة بمكان، إنما وين فيه إنسان حر بيرفض القيود، ونحنا من هنا لازم نواجه، بالصوت، بالهوية، بالإعلام، بالانتخابات. ورح كون إعلامية كندية محجبة، إذا ما قبلوني بعمل بودكاست إلي وبفرجيهن إنو صوتي ما بيتسكر".

تتميّز هذه المسرحية بقدرتها على تحويل قضية الاغتراب من حكاية فردية إلى سؤال وجودي جماعي، حيث لا تكتفي بعرض معاناة المحجبات في كندا، بل تحاكم فكرة "الوطن المؤقت" وما تخلّفه من تمزّق نفسي وهويّاتي لدى الجيل الثاني. النص المسرحي ينجح في ملامسة التناقض بين شعارات الحرية الغربية والممارسات الإقصائية، لا سيما تجاه المحجبات، من دون الوقوع في خطاب مباشر أو وعظي، بل عبر حوارات مشحونة بالتجربة والخيبة. شخصية "ملاك" تشكّل العمود الفقري الدرامي، إذ تتطوّر من موقع الضحية المترددة إلى فاعلة واعية تعيد تعريف المقاومة خارج الجغرافيا، ما يمنح العمل بعدًا فكريًا معاصرًا يربط الهوية بالفعل الإعلامي والسياسي. غير أن قوة المسرحية لا تكمن فقط في طرحها، بل في جرأتها على مساءلة الأهل والجالية معًا، وتحميلهم مسؤولية الصمت والانسحاب من الفضاء العام والتركيز على فكرة  الوطن المؤقت والعودة، لتؤكد في النهاية أن المعركة الحقيقية ليست بين الحجاب والعمل، ولا بين البقاء في كندا أو العودة إلى لبنان، بل بين الاستسلام والقدرة على تحويل الاغتراب إلى مساحة مقاومة وإثبات هوية.

***

وقد عبّر عدد من الأهالي عن آرائهم ومشاعرهم تجاه حفل التكليف، مؤكدين على أهميته التربوية والنفسية في حياة بناتهم وحفيداتهم، ولا سيما في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الفتاة المحجبة في المجتمع الكندي. وقد عكست شهاداتهم تقديرًا كبيرًا لدور المجمع الإسلامي في تعزيز الهوية الدينية، وبناء الثقة بالنفس، ومواكبة الفتيات في مرحلة حساسة من أعمارهن.

قالت السيدة سكنة فقيه التي حضرت من أجل حفيدتها الفتاة المكلفة جوليا فقيه: "إن هذا الحفل يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لنا، فنحن ننتظره دائمًا بشوق، لأنه فعلًا حدث مميز، سواء في هذا البلد أو في غيره. أسعد في داخلي أن أرى فتيات محجبات دائمًا، وأن يكون لدينا فتيات محجبات؛ فذلك أمر مهم جدًا. تشعرين أنهن يتلقين أشياء جميلة كثيرة نحن، كأهل، قد لا نستطيع أن نقدمها لهن كلها، فيحصلن عليها ويكملنها من خلال الكشاف أو من خلال أنشطة أخرى،. مضيفة أنه لأمر جميل إلى حد كبير، ويساعد الفتيات أنفسهن، في مرحلة المراهقة وفي بدايات خروجهن إلى المجتمع، وهذا بدوره يساعد الأهل كثيرًا أيضًا.

وعن الخوف على الفتيات من الضغط الذي تتعرض له المحجبا، أجابت فقيه: "لا أشعر بوجود خوف، وذلك لأنهن يتعلمن منذ الصغر على هذه المبادئ الإسلامية. فعلى سبيل المثال، الفتاة التي يكون عمرها حوالي عشر سنوات، إذا سألتِها، قد تقول لك إن خالتها غير محجبة، أو إن هناك شخصًا في العائلة غير محجب. لكنها تقول لك: أنا أعرف كيف أجيب كل شخص. وإذا حاول أحد من المجتمع أن يقول لها: لماذا تحجبتِ في هذا العمر؟ فإنها تجيبهم: لأنني مقتنعة بهذا الأمر".

وأكدت فقيه: "بناتنا لديهن القوة، ولديهن الشخصية التي تمكنهن من الدفاع عن أنفسهن. أنا ألاحظ هذا الأمر فيهن. أتحدث هنا تحديدًا عن حفيدتي، فأنا ألاحظ فيها هذه القوة، لأنها تتعلمها. نعم، لديهن هذه القدرة، وقادرات عليها".

وأوضحت فقيه: "لا نريد أن نأخذ الأمور إلى أبعاد كبيرة جدًا، بل نعيش الأمور خطوة خطوة، لأن الأجيال فعلًا تتغير في كل شيء. فأنا قدمت إلى هذا البلد عندما كان عمري ستة عشر أو سبعة عشر عامًا، ويمكن للإنسان أن يرى بوضوح حجم التغيرات التي حصلت، كيف كانت الأمور سابقًا وكيف أصبحت الآن. لذلك، أرى أنهن سيكونن قادرات، لأنهن بدأن بتلقي التعاليم الإسلامية منذ الصغر".

واعتبرت السيدة هبة الأسعد والدة الفتاة المكلفة نور جفّال أن هذا الحفل مهم جدًا، لأنه يعزز لدى الفتيات مسألة التمسك بالحجاب، "هن يرين أنهن لسن وحدهن، وأن هناك الكثير من الأصدقاء والصديقات اللواتي يشاركنهن هذا الطريق ويسرن معهن فيه. وعندما يروننا نحضر مثل هذه الفعاليات، فإن ذلك يشجعهن، وهذا بدوره يمنحهن دافعًا إضافيًا للاستمرار، والمضي قدمًا في هذا الطريق ما دمن قادرات عليه".

وأوضحت الأسعد أن وجود تخوّف على الفتيات أمر طبيعي، "كل الأهالي يشعرون به دون شك، وخاصة فيما يتعلق بأبنائهم وبناتهم. لكن ما يقع على عاتقنا هو أن نعمل على هذا الموضوع، وأن نعزز لديهم الثقة بأنفسهم، والثقة بأنهم قادرون على فعل ما يريدونه وهم مرتدون حجابهم".

وأكدت الأسعد أنه رغم كل ما يحدث، ورغم هذه الحملة أو "الحرب" على الحجاب، فإن هذا الواقع قد يجعلهم أكثر اقتناعًا بأنهم على حق، لأن الحق هو الذي يُحارَب، وليس الباطل. مضيفة "هناك تخوف بالتأكيد، لكن في المقابل علينا مسؤولية كبيرة في تعزيز هذه القناعة لديهم، وأن نمنحهم المقومات والقوة الذاتية التي تمكنهم من مواجهة هذه التحديات في المستقبل".

وقالت السيدة لولو عمّار جدّة الفتاة المكلفة رقية قبلان: "هذه مبادرة جميلة جدًا من المجمّع الإسلامي. فمنذ تأسيس المجمّع، وهو دائمًا يحرص على تحفيز هذا الجيل الصغير، أولادنا وبناتنا، وخاصة الفتيات في بدايات خروجهن إلى المجتمع. نشاطاتهم مميزة، وهناك دائمًا مواكبة للجالية الهربية وللجالية اللبنانية بشكل خاص. هناك اهتمام واضح بمثل هذه المناسبات، ولا سيما المناسبات الإسلامية التي يحرصون دائمًا على إحيائها. ومن ضمنها هذا الحفل السنوي الذي يُقام كل عام، لتكريم الفتيات اللواتي التزمن بالحجاب حديثًا وبلغن سن الحجاب. وهذا أمر مشجع جدًا. ونحن دائمًا نقدّر هذه الجهود".

واعتبرت عمّار أنه دون شك، هناك هذا القلق، "خصوصًا في ظل النظرة التي يحملها المجتمع في كيبيك تجاه الإسلام. وهنا يأتي دور البيئة، ودور الأهل، ودور المؤسسات التي نرتادها باستمرار، في توعية هذا الجيل بطبيعة هذه الأحداث والتحديات". مشيرة إلى أنه من المهم أن يكون هذا الجيل واعيًا، وأن يعرف كيف يواجه، لأن التحديات اليوم كبيرة، وكون الفتاة محجبة في هذا المجتمع وفي هذا الزمن هو أمر صعب جدً"ا.

وأضافت: "لذلك ، نحن كأهل يجب أن نكون على قدر هذه المسؤولية، وأن نمنح أبناءنا الأدوات اللازمة، والسلاح الحقيقي المتمثل في الأخلاق والدين، وأن نعلمهم كيف يتحدثون، وكيف يواجهون، وكيف يتصرفون".

وعن تجربتها في مونتريال والتغيرات المجتمعية، وهي المقيمة فيها منذ خمسة وثلاثين عامًا، قالت: "الفرق بين الماضي والحاضر كبير جدًا. كان المجتمع الكيبيكي في السابق أكثر ترحيبًا بنا. أما اليوم، فقد تغيرت الأمور في ظل التطورات الإقليمية والسياسية، ولا شك أن المجتمعات تتأثر بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بما يُنقل عبره".

وأوضحت إلى أن هناك تغيّر واضح وحدّة أكبر، "ونحن بلا شك لسنا في وضع سهل. ولكننا دائمًا نعوّل على القيّمين على هذه المؤسسات، ليكونوا قدوتنا، وليمسكوا زمام الأمور، ويستمرون في إطلاق مشاريع كهذه، مع برامج توعوية دائمة. كما أن علينا، نحن كأهل، أن نزيد من ثقافتنا إلى حد معين، حتى نتمكن من إفادة هذا الجيل، أبناءنا وأحفادنا، وأن نعرف كيف نرافقهم ونحافظ على استمرارية هذه المسيرة".

وقالت السيدة سلوى مهنا، والدة الفتاة المكلفة رينا السيد علي، إن أهمية هذا الحفل كبيرة جدًا بالنسبة لنا، وخاصة بالنسبة لجاليتنا. فبصراحة، لولا وجود المجمّع الإسلامي، لكنا فقدنا مثل هذه الأمور هنا. وجوده يجعلنا نشعر أنهم يعرفون تمامًا ما الذي يجب فعله. كل ما يقومون به جميل، والتنظيم مميز للغاية. لو لم يكن هناك مثل هذا الجو، لما كانت بناتنا في بيئة كهذه، وربما كنّ قد تُهن. لذلك نشكرهم على خلق هذا الجو الإيجابي والداعم".

وأضافت أن كل هذه التحديات، وخاصة في ظل الضغوط الكبيرة من قبل الحكومة في الوقت الحالي، تعود مسؤولية التعامل معها إلى الأهل، من حيث دعمهم لبناتهم دعمًا نفسيًا ومعنويًا. كما أن لدور الرفقة أهمية كبيرة، إذ يجب على الأهل أن يحسنوا اختيار الصحبة لأبنائهم، وبشكل خاص للفتيات.

وأكدت أنه "طالما أن الفتاة تعيش في مثل هذه الأجواء الداعمة، فإنها تبقى مدعومة نفسيًا ومعنويًا، وتكون قوية في المجتمع، وفي تعاملها مع المجتمع الكيبيكي. وطالما أننا نسير على الطريق السليم وطريق الحق، فلن نشعر بأننا بحاجة إلى الخوف أو التراجع".

وعن تجربتها في كيبيك والتغيرات في النظرة إلى الحجاب، قالت: "أنا مقيمة هنا منذ خمسة وعشرين عامًا. وخلال هذه السنوات، تغيرت أشياء كثيرة، ولا شك أن نظرة المجتمع في كيبيك تجاهنا وتجاه الحجاب قد تغيرت بشكل كبير. في السابق، كان الأمر عاديًا جدًا، ولم نكن نواجه مشاكل تُذكر، ولم يكن الناس يستغربون وجودنا كما يحدث الآن. أما اليوم، فقد أصبحنا نسمع أحيانًا كلمات جارحة، سواء في المراكز التجارية أو في المحال، تتعلق بالحجاب أو بالطعام الحلال أو بغيرها من الأمور. لكن، طالما أننا جميعًا يدًا واحدة، ومتكاتفون، فإن هذا الأمر لن يضيعنا، ولن يجعلنا نبتعد عن الطريق الصحيح".

بدوره اعتبر الشيخ عباس جواد أن أكبر مشكلة نواجهها في هذا البلد كمسلمين كنديين هي هويتنا. فمسألة الهوية تضيع أحيانًا، سواء عند الشباب أو عند الفتيات، فكلاهما يواجه مشكلة في الحفاظ على هويتهما. 

وأضاف: "تشكيل الهوية يتطلب جهدًا كبيرًا في هذا البلد، فهو ليس كما هو في بلادنا، حيث يكون الأمر أسهل بكثير. هنا، كثيرًا ما تكون الهوية ضائعة أو مشوشة".

وأوضح أنه "بالنسبة لفتياتنا اللواتي يرغبن في ارتداء الحجاب، فهن، منذ عمر مبكر، يمثلن الإسلام من خلال حجابهن. هذا العمر المبكر هو عمر التكليف والتشريف، إذ إنه شرف للعبد أن يكون في خدمة ربه وطاعته في هذا العمر. من خلال إحياء مثل هذه المناسبات، نحن نساعد ونساهم عمليًا في أن تتشكل وتنمو الهوية الكندية-المسلمة لهؤلاء الفتيات بشكل سليم".

وأشار إلى هناك قلق من القيود التي تفرضها الحكومة، "ولكن علينا أن نتعامل مع الواقع كما هو، فلا يمكننا أن نقول: "لنرحل جميعًا إلى بلادنا"، فهذا نوع من الاستسلام. أعتقد أنه لا يزال هناك مجال لإيجاد حلول".

وأكد جوار أنه "من خلال تكريم الفتيات اللواتي يتولين المسؤولية الدينية، نحن نعزز موقفهن، ونثبت موقفهن الديني، حتى وإن كنا نعيش في بلد ظروفه صعبة. مع الوقت، نأمل أن تتحسن الظروف تدريجيًا، ويستمر هذا الجيل في مساره الصحيح".

واعتبر السيدان حسن نصر الله وصفاء سمحات، والدا الفتاة المكلفة زهراء نصرالله، أنه "بالنسبة لنا كأهل، فإن حفل التكليف ليس مجرد احتفال، بل هو خطوة تربوية مهمة في حياة بناتنا. في هذا العمر، تتعلّم الفتاة أن علاقتها بالله نابعة من القناعة والمحبة، لا من الخوف أو الضغط".

وأكدا أن "المجمع يقوم بعمل رائع جدًا، حيث يقدم الدين بطريقة إيجابية ومبهجة، ويجعل الفتاة تشعر أن الحجاب والتكليف هما أمر يستحق الفخر، ويشكّلان مصدر قوة وثقة لها، لا عبئًا". معتبرين أنه "في الوقت نفسه، نحن كأهل نؤمن بأن كندا بلد الحرية، ولا نستغرب أي ضغوط تُمارَس على الحجاب أو على الخيارات الدينية الشخصية. نحن لا نطلب شيئًا إضافيًا، بل نريد احترام خيار بناتنا في التعبير عن إيمانهن بكرامة".

وختما بالقول "مثل هذه النشاطات تساعد أبناءنا وبناتنا على أن يكونوا واثقين، محترمين، ومندمجين في المجتمع، وهذا الأمر ليس مخالفًا لقيم البلد، بل هو جزء من صميمها."

***

 

يُذكر أنه في ختام الحفل، تم تقديم الهدايا للفتيات المكلفات.