د. علي ضاهر- مونتريال
لا حاجة للعودة إلى العصور الغابرة للتنقيب عن سوسة الفساد والرشاوى والصفقات التي تنخر جسد المملكة العربية السعودية. هذه المملكة "الميمونة"، أو مملكة «الخير» كما يحب قادتها تسميتها، أوغلت في مضمار الإنفاق غير الرشيد والمشاريع العبثية، حتى أضحى هدر المال يبدو كارتفاع الحرارة إلى خمسين درجة في قيظ آب السعودي! لقد غدت المملكة "خَيّرة" لدرجة أسالت لعاب المتلاعبين والمفسدين وشذاذ الآفاق، وجذبت السماسرة وشبيحة العمولات، فحاموا حولها كما يحوم الذباب على بقايا الموائد. فحين يغيب الحساب ويتحول التدقيق إلى مجرد اسم، يطل علينا المثل: "غاب القط، اسرح يا فأر". وفي بيئة كهذه، يتحول المال العام إلى ما يشبه "البوفيه المفتوح": الكل يقتطع حصته. أما من يخرج جائعا فـ"ذنبه على جنبه".
لن ننبش دفاتر الماضي كلها، وإلا لاحتجنا إلى مكتبة كاملة لا إلى مقال. لكن يكفي التوقف عند محطتين. الأولى: سيل الالتزامات والاستثمارات وصفقات السلاح التي أعلنتها الرياض لترضية ترامب، والتي قاربت التريليون دولار. وفي عالم الصفقات المليارية، يكفي أن يُعلن الرقم حتى يسيل لعاب السماسرة، وتنفتح شهية الوسطاء، ويبدأ المقربون والحاشية بفرك أيديهم حماسةً، بينما تتسابق الشركات لحساب الأرباح، وتصل الفواتير الوهمية إلى الطاولة، حتى قبل أن يجف حبر التوقيع!
أما المحطة الثانية، فتتمثل في فضيحة صفقة "اليمامة" الشهيرة، التي غدت أمَّ فضائح العمولات والرشاوى المرتبطة بعقود السلاح السعودية-البريطانية. وما كشفته التحقيقات حينها من مدفوعات سرية وعمولات بمليارات الدولارات انتهى بفضيحة أكبر، تمثلت بتدخل حكومة توني بلير عام 2006 لإيقاف التحقيق بداعي "الأمن القومي والعلاقات الاستراتيجية". وهذه العبارة هي الشماعة التقليدية التي تلجأ إليها الدول حين تبحث عن مقبرة جماعية تدفن فيها فضائحها وفضائح حلفائها، أو بالأحرى توابعها!
في هذه العجالة، نقع في حيرة: أي الملفات نفتح أولا؟ أنتحدث عن "نيوم"؟ أم عن أسلوب إدارة المملكة لعلاقاتها مع المقاولين والشركات والمشاريع؟ أم ننكأ جرح اليمن؟ أم نعرّج على صفقات الغولف وكرة القدم والفورمولا 1؟ أم نلج إلى "مواسم" آل الشيخ الترفيهية؟ فالخيارات كثيرة ودسمة، إلى درجة تجعل الكاتب بحاجة ماسة إلى حقنة "أوزمبيك" لسد شهيته المفتوحة على الفضائح، وتخفيف الوزن الثقيل لهذه الملفات! فلنبدأ بـ"نيوم".
نيوم: مدينة لا مستقبل فيها إلا للفواتير!
و"نيوم"، التي نام الفساد في أحضانها، أو هكذا يشي حجم الإنفاق، قُدّمت للعالم باعتبارها المعجزة التي ستعيد تعريف المدينة والإنسان والتكنولوجيا والحياة نفسها! في بداياته، أُعلن عن المشروع بكلفة تقارب 500 مليار دولار، ثم أخذت الطموحات تتضخم بتضخم الخطط، حتى أضحت "نيوم" تضم مدنًا ومنتجعات وجزرًا وحلبات ومطارات وملاعب، وخصوصًا سماسرة ومرتشين! أما "ذا لاين"، فكانت الحلم الأكبر: مدينة شريطية بطول 170 كيلومترًا، تُدار بالطاقة النظيفة بلا سيارات ولا شوارع تقليدية. لكن الحلم ما لبث أن تحول إلى كابوس. إذ كشفت التقارير أن الحلم انكمش من 170 كيلومترًا إلى كيلومترين ونيف! ومدينة المستقبل التي قيل إنها ستلامس السحاب، أصبحت تحاول نفض الرمال عن وجهها، لعلها تُنهي أجزاءً تعادل حيًّا صغيرا في "شبرا الخيمة"! ولم يقف الأمر عند انكماش الأحلام. التقارير كشفت أن "نيوم" دفعت نحو 16 مليار دولار لمجرد غرامات وجزاءات إلغاء العقود مع المقاولين. تصوروا: ستة عشر مليار دولار فقط كي لا يُبنى المشروع! هنا لا يسعنا إلا الوقوف مذهولين أمام هذه المدرسة الاقتصادية الفريدة، لنمجد عقلًا مبدعًا جعل المشروع يكلف المليارات كي يُبنى، ثم يكلف مليارات أخرى كي يطويه الإلغاء! تدفع المليارات قبل أن يبدأ، وتدفع أثناء تعثره، ثم تدفع مجددًا حين يتقرر إيقافه! يا سلام على مشروع يدفع لك حين تبنيه، ويدفع لك أيضًا حين لا تبنيه!
تروجينا: المنتجع الثلجي أو "بانف BANFF" الربع الخالي!
قصة تروجينا، أو المنتجع الشتوي الصحراوي، أكثر طرافة. كان يُفترض أن يستضيف الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، بعد أن مُنحت السعودية حق الاستضافة عام 2022، قبل أن تُنقل الاستضافة رسميًا إلى كازاخستان. نعم، لا تستغربوا: ألعاب شتوية في قلب الصحراء! كان المطلوب بناء منشآت، وبنية تحتية، وبحيرة صناعية بعمق 140 مترا، ومنتجع شتوي كامل وسط رمال لا تعرف الثلج، بل تكتوي برياح "السَّموم". ثم هبت العاصفة، فدفنت معالم الطريق إلى "تروجينا" ودفن معها المشروع كله! طارت ألعاب 2029 إلى كازاخستان، وبقي السؤال الحارق: ماذا عن المليارات التي أُنفقت على الأعمال التحضيرية والتصميمات والحفريات وعقود الشركات العالمية؟ تتحدث الأرقام عن التكلفة المخططة لمنتجع "تروجينا" بما يقارب 38 مليار دولار. صُرف جزء منها على التصاميم والاستشارات والحفر، قبل أن يتضح أن "الشتاء المنشود" قد غاب عن الوعي جراء ضربة شمس صحراوية، فلم يصل في موعده! المبدأ بسيط: المشروع الذي لا يُقام لا يُعيد تلقائيًا الأموال التي أُنفقت من أجله. كان المطلوب أن تصنع الرياض شتاءً في الصحراء، فإذا بالشتاء يهجّ مسرعًا إلى ألماتي الكازاخية! وبقيت بوسترات "تروجينا" الدعائية الرائعة معلقة: جبل أخضر، ثلج أبيض، ومدينة مستقبلية! تمتعوا بالصورة على الأقل، قبل أن تطل عليكم الفاتورة، فتحيل لون وجوهكم إلى لون الرمال!
الرياضة: فواتير أسرع من اللاعبين!
وإذا كانت "نيوم" ثقبًا أسود ابتلع عشرات المليارات، فإن الرياضة السعودية قررت دخول خط المنافسة بقوة: غولف، كرة قدم، فورمولا 1، ملاعب، بطولات، كأس عالم، وألعاب آسيوية. لكل لعبة فواتيرها! في الغولف، أنشأت الرياض دوري "LIV Golf" بمليارات الدولارات. وضخَّت أكثر من 5 مليارات دولار في هذا المشروع. النتيجة؟ في سبتمبر 2026، دخل "LIV Golf" إجراءات الحماية من الإفلاس، بالتزامات وُصفت بالمحيّرة، تراوحت بين 500 مليون ومليار دولار!
المفارقة أن وثائق المحكمة أظهرت أن كبار اللاعبين تحولوا أنفسهم إلى دائنين يطالبون الدوري بملايين الدولارات. وعلى رأي المثل: المال السائب بيشطّط الريلة!
يا لها من دورة مالية مبهرة: يذهب المال للاعب، ثم يعود اللاعب ليطالب بالمال! وكأن كرة الغولف لم تعد تبحث عن حفرتها العشبية، بل سقطت في حفرة مالية لا قاع لها!
ثم جاء دور الساحرة المستديرة: كرة القدم. أكثر من 1.5 مليار دولار دُفعت لمجرد رسوم انتقالات لاعبين أجانب خلال طفرة الصفقات السعودية، بلغ فيها إنفاق الأندية في صيف 2023 وحده زهاء 875.4 مليون دولار! أما جدول الرواتب، ففلكي: رونالدو بعقد سنوي يتجاوز 200 مليون دولار، يليه بنزيما، ونيمار، والقائمة تطول. بل إن السخاء امتد ليغدق عروضًا بمئات الملايين على نجوم لم يطأوا أرض المملكة أصلًا! فالعرض الخرافي لـ"مبابي" وصل إلى 332 مليون دولار كرسوم انتقال، يضاف إليها راتب ناهز 776 مليون دولار لموسم واحد! أما «ميسي»، فدارت في فلكه عروض وتقويمات تُقاس بمئات الملايين سنويًا! وهكذا، لم يعد السؤال: من سيتوّج باللقب؟ بل: من سيقبض أكثر؟ فتحولت كرة القدم من لعبة يتنافس فيها 22 لاعبًا على عشب الميدان، إلى مزاد علني تتناطح فيه الأرقام على شاشات البورصة!
ثم أطلت علينا الفورمولا 1! استضافة "جائزة السعودية الكبرى" في مدينة جدة ترتبط برسوم سنوية تُقدّر بـ55 إلى 65 مليون دولار، أي مئات الملايين على مدى العقد. لكن جدة لم تكن النهاية. هناك استثمار إضافي يقدّر بنحو 500 مليون دولار في حلبة لتصبح موطنًا دائمًا للسباق. تدفع الملايين لاستضافة السباق، ثم تبني حلبة جديدة بجماليات خيالية كي تستضيف السباق ذاته! السيارة تدور دورة كاملة في الحلبة، والمال يلفّ ويدور معها!
وجاء دور معركة كأس العالم. قدّر صندوق النقد الدولي الإنفاق المتوقع بنحو 26 مليار دولار، تشمل ملاعب جديدة وتحديث أخرى، وتوسعات في مترو الرياض والمطارات وقدرات الضيافة. وهكذا يصبح المشهد كاملًا: مدينة للمستقبل، منتجع للشتاء، حلبة للسيارات، ملاعب لكرة القدم، ملاعب للغولف، وفنادق لاستقبال الجمهور. لكن السؤال المقلق يبقى: ماذا عن البطولات التي لا تُقام، أو يُنقل مكانها، أو تتغير قبل أن تكتمل؟ لأن تكلفة البطولة ليست مجرد تكلفة إقامتها، بل أحيانًا تكون هناك "تكلفة عدم إقامتها": عقود وُقّعت، ومقاولون استُقدموا، وأعمال بدأت، ودفعات سُددت، ثم يأتي قرار التراجع أو التعديل أو الإلغاء، لتفتح أروقة الشروط الجزائية والتعويضات والتسويات والمطالبات. المبالغ المخصصة لإنهاء العقود بالغة الدلالة. المشروع لا يدفع فقط عندما يبني، بل، في "مملكة الخير"، يدفع بنفس الكرم والشهامة عندما يتراجع! سيما أن معظم هذه المشاريع مبالغ فيها أصلًا، وكأنها صُممت خصيصًا كي لا تُنفذ! ليكون الشعار: ادفع أولًا، وفكّر لاحقًا!
اليمن: الفاتورة بلا ملعب!
وأخيرًا يأتي ملف اليمن، حيث الفاتورة بلا ملعب، ولا كأس، ولا نجوم كرة قدم. هناك حرب عبثية. ورغم أن السعودية لم تعلن رسميًا عن التكلفة الإجمالية لتدخلها العسكري، فإن التقديرات تشير إلى أرقام خيالية قد تتجاوز 350 مليار دولار!
أما الفصل الأكثر عبثية في هذه الحرب، فهو ما كشفت عنه التقارير حول ظاهرة "الجنود الوهميين" في صفوف التشكيلات المدعومة من التحالف: أسماء مرصوفة على الورق، ومخصصات تُصرف شهريًا لجيوش لا وجود لها في الواقع! وفي مفارقة تجمع بين عبقرية النصَّاب وسذاجة المُنصَب عليه، نجد جنديًا لا يُرى، لا يقاتل، لا يأكل، ولا ينام، لكنه يتقاضى راتبه بانتظام! هنا يتجلى المال الفاسد بوصفه "أكثر ذكاءً" من صاحبه. فالجندي الحقيقي يحتاج إلى طعام وسلاح ومأوى وإجازة، أما الجندي الوهمي فلا يحتاج سوى إلى حبر قلم يخط اسمه في قائمة الرواتب!
المال كثير، لكن الحساب أين؟
من "نيوم" إلى الغولف، ومن كرة القدم إلى الفورمولا 1، ومن كأس العالم إلى الألعاب الشتوية، ومن الملاعب إلى المدن الرياضية، ومن الحرب في اليمن إلى العقود التي تُلغى والتسويات التي تُدفع، القصة ليست أن دولة تنفق أموالها. فهذا شأنها. لكن المال العام ليس مجرد أرقام في دفاتر الدولة. إنه، في النهاية، مدارس ومستشفيات، وفرص عمل، وسكن، وخدمات، ومستقبل أجيال كاملة. والمليار الذي يُهدر ليس مجرد رقم اختفى من شاشة الحاسبة، بل أشياء كان يمكن أن تكون موجودة في حياة الناس. فيصبح السؤال أكبر من: كم دُفع؟ بل: من يسأل عندما تُدفع المليارات لبناء مشروع لإرضاء خيال حاكم، ثم تُدفع المليارات لإلغائه؟ ومن يحاسب عندما تصبح المشاريع لزوم ما لا يلزم؟ والأهم: من يسأل عن المواطن الذي لا يرى من كل هذه المليارات إلا الأضواء من بعيد، والمدينة المستقبلية في شاشات التلفزيون، بينما يبحث هو عن بيت يناسب دخله، أو وظيفة، أو خدمة عامة لا تحتاج إلى واسطة؟ هنا نعود إلى المثل الشعبي الذي بدأنا به: غاب القط، اسرح يا فأر! فالقط هنا ليس كائنًا أليفًا. القط هو الرقابة، والقانون، والبرلمان، والصحافة المستقلة. وهذه كلها مؤسسات غائبة أو مغيَّبة في مملكة "الخير"! فمن يجرؤ على النقد، أو على أن يقول لصاحب القرار: تمهّل! هذا المشروع يحتاج إلى دراسة قبل أن يحتاج إلى مليار آخر. لأن المال العام، في النهاية، ليس ملك الحاكم، ولا ملك الوزير، ولا المقاول، ولا السمسار. إنه مال الناس. وفي النهاية، حين يغيب الحساب، لا يختفي الفأر وحده من الصورة. يختفي معه نصيب الناس من المال، ومن الخدمة، ومن المستقبل!
لا حاجة للعودة إلى العصور الغابرة للتنقيب عن سوسة الفساد والرشاوى والصفقات التي تنخر جسد المملكة العربية السعودية. هذه المملكة "الميمونة"، أو مملكة «الخير» كما يحب قادتها تسميتها، أوغلت في مضمار الإنفاق غير الرشيد والمشاريع العبثية، حتى أضحى هدر المال يبدو كارتفاع الحرارة إلى خمسين درجة في قيظ آب السعودي! لقد غدت المملكة "خَيّرة" لدرجة أسالت لعاب المتلاعبين والمفسدين وشذاذ الآفاق، وجذبت السماسرة وشبيحة العمولات، فحاموا حولها كما يحوم الذباب على بقايا الموائد. فحين يغيب الحساب ويتحول التدقيق إلى مجرد اسم، يطل علينا المثل: "غاب القط، اسرح يا فأر". وفي بيئة كهذه، يتحول المال العام إلى ما يشبه "البوفيه المفتوح": الكل يقتطع حصته. أما من يخرج جائعا فـ"ذنبه على جنبه".
لن ننبش دفاتر الماضي كلها، وإلا لاحتجنا إلى مكتبة كاملة لا إلى مقال. لكن يكفي التوقف عند محطتين. الأولى: سيل الالتزامات والاستثمارات وصفقات السلاح التي أعلنتها الرياض لترضية ترامب، والتي قاربت التريليون دولار. وفي عالم الصفقات المليارية، يكفي أن يُعلن الرقم حتى يسيل لعاب السماسرة، وتنفتح شهية الوسطاء، ويبدأ المقربون والحاشية بفرك أيديهم حماسةً، بينما تتسابق الشركات لحساب الأرباح، وتصل الفواتير الوهمية إلى الطاولة، حتى قبل أن يجف حبر التوقيع!
أما المحطة الثانية، فتتمثل في فضيحة صفقة "اليمامة" الشهيرة، التي غدت أمَّ فضائح العمولات والرشاوى المرتبطة بعقود السلاح السعودية-البريطانية. وما كشفته التحقيقات حينها من مدفوعات سرية وعمولات بمليارات الدولارات انتهى بفضيحة أكبر، تمثلت بتدخل حكومة توني بلير عام 2006 لإيقاف التحقيق بداعي "الأمن القومي والعلاقات الاستراتيجية". وهذه العبارة هي الشماعة التقليدية التي تلجأ إليها الدول حين تبحث عن مقبرة جماعية تدفن فيها فضائحها وفضائح حلفائها، أو بالأحرى توابعها!
في هذه العجالة، نقع في حيرة: أي الملفات نفتح أولا؟ أنتحدث عن "نيوم"؟ أم عن أسلوب إدارة المملكة لعلاقاتها مع المقاولين والشركات والمشاريع؟ أم ننكأ جرح اليمن؟ أم نعرّج على صفقات الغولف وكرة القدم والفورمولا 1؟ أم نلج إلى "مواسم" آل الشيخ الترفيهية؟ فالخيارات كثيرة ودسمة، إلى درجة تجعل الكاتب بحاجة ماسة إلى حقنة "أوزمبيك" لسد شهيته المفتوحة على الفضائح، وتخفيف الوزن الثقيل لهذه الملفات! فلنبدأ بـ"نيوم".
نيوم: مدينة لا مستقبل فيها إلا للفواتير!
و"نيوم"، التي نام الفساد في أحضانها، أو هكذا يشي حجم الإنفاق، قُدّمت للعالم باعتبارها المعجزة التي ستعيد تعريف المدينة والإنسان والتكنولوجيا والحياة نفسها! في بداياته، أُعلن عن المشروع بكلفة تقارب 500 مليار دولار، ثم أخذت الطموحات تتضخم بتضخم الخطط، حتى أضحت "نيوم" تضم مدنًا ومنتجعات وجزرًا وحلبات ومطارات وملاعب، وخصوصًا سماسرة ومرتشين! أما "ذا لاين"، فكانت الحلم الأكبر: مدينة شريطية بطول 170 كيلومترًا، تُدار بالطاقة النظيفة بلا سيارات ولا شوارع تقليدية. لكن الحلم ما لبث أن تحول إلى كابوس. إذ كشفت التقارير أن الحلم انكمش من 170 كيلومترًا إلى كيلومترين ونيف! ومدينة المستقبل التي قيل إنها ستلامس السحاب، أصبحت تحاول نفض الرمال عن وجهها، لعلها تُنهي أجزاءً تعادل حيًّا صغيرا في "شبرا الخيمة"! ولم يقف الأمر عند انكماش الأحلام. التقارير كشفت أن "نيوم" دفعت نحو 16 مليار دولار لمجرد غرامات وجزاءات إلغاء العقود مع المقاولين. تصوروا: ستة عشر مليار دولار فقط كي لا يُبنى المشروع! هنا لا يسعنا إلا الوقوف مذهولين أمام هذه المدرسة الاقتصادية الفريدة، لنمجد عقلًا مبدعًا جعل المشروع يكلف المليارات كي يُبنى، ثم يكلف مليارات أخرى كي يطويه الإلغاء! تدفع المليارات قبل أن يبدأ، وتدفع أثناء تعثره، ثم تدفع مجددًا حين يتقرر إيقافه! يا سلام على مشروع يدفع لك حين تبنيه، ويدفع لك أيضًا حين لا تبنيه!
تروجينا: المنتجع الثلجي أو "بانف BANFF" الربع الخالي!
قصة تروجينا، أو المنتجع الشتوي الصحراوي، أكثر طرافة. كان يُفترض أن يستضيف الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، بعد أن مُنحت السعودية حق الاستضافة عام 2022، قبل أن تُنقل الاستضافة رسميًا إلى كازاخستان. نعم، لا تستغربوا: ألعاب شتوية في قلب الصحراء! كان المطلوب بناء منشآت، وبنية تحتية، وبحيرة صناعية بعمق 140 مترا، ومنتجع شتوي كامل وسط رمال لا تعرف الثلج، بل تكتوي برياح "السَّموم". ثم هبت العاصفة، فدفنت معالم الطريق إلى "تروجينا" ودفن معها المشروع كله! طارت ألعاب 2029 إلى كازاخستان، وبقي السؤال الحارق: ماذا عن المليارات التي أُنفقت على الأعمال التحضيرية والتصميمات والحفريات وعقود الشركات العالمية؟ تتحدث الأرقام عن التكلفة المخططة لمنتجع "تروجينا" بما يقارب 38 مليار دولار. صُرف جزء منها على التصاميم والاستشارات والحفر، قبل أن يتضح أن "الشتاء المنشود" قد غاب عن الوعي جراء ضربة شمس صحراوية، فلم يصل في موعده! المبدأ بسيط: المشروع الذي لا يُقام لا يُعيد تلقائيًا الأموال التي أُنفقت من أجله. كان المطلوب أن تصنع الرياض شتاءً في الصحراء، فإذا بالشتاء يهجّ مسرعًا إلى ألماتي الكازاخية! وبقيت بوسترات "تروجينا" الدعائية الرائعة معلقة: جبل أخضر، ثلج أبيض، ومدينة مستقبلية! تمتعوا بالصورة على الأقل، قبل أن تطل عليكم الفاتورة، فتحيل لون وجوهكم إلى لون الرمال!
الرياضة: فواتير أسرع من اللاعبين!
وإذا كانت "نيوم" ثقبًا أسود ابتلع عشرات المليارات، فإن الرياضة السعودية قررت دخول خط المنافسة بقوة: غولف، كرة قدم، فورمولا 1، ملاعب، بطولات، كأس عالم، وألعاب آسيوية. لكل لعبة فواتيرها! في الغولف، أنشأت الرياض دوري "LIV Golf" بمليارات الدولارات. وضخَّت أكثر من 5 مليارات دولار في هذا المشروع. النتيجة؟ في سبتمبر 2026، دخل "LIV Golf" إجراءات الحماية من الإفلاس، بالتزامات وُصفت بالمحيّرة، تراوحت بين 500 مليون ومليار دولار!
المفارقة أن وثائق المحكمة أظهرت أن كبار اللاعبين تحولوا أنفسهم إلى دائنين يطالبون الدوري بملايين الدولارات. وعلى رأي المثل: المال السائب بيشطّط الريلة!
يا لها من دورة مالية مبهرة: يذهب المال للاعب، ثم يعود اللاعب ليطالب بالمال! وكأن كرة الغولف لم تعد تبحث عن حفرتها العشبية، بل سقطت في حفرة مالية لا قاع لها!
ثم جاء دور الساحرة المستديرة: كرة القدم. أكثر من 1.5 مليار دولار دُفعت لمجرد رسوم انتقالات لاعبين أجانب خلال طفرة الصفقات السعودية، بلغ فيها إنفاق الأندية في صيف 2023 وحده زهاء 875.4 مليون دولار! أما جدول الرواتب، ففلكي: رونالدو بعقد سنوي يتجاوز 200 مليون دولار، يليه بنزيما، ونيمار، والقائمة تطول. بل إن السخاء امتد ليغدق عروضًا بمئات الملايين على نجوم لم يطأوا أرض المملكة أصلًا! فالعرض الخرافي لـ"مبابي" وصل إلى 332 مليون دولار كرسوم انتقال، يضاف إليها راتب ناهز 776 مليون دولار لموسم واحد! أما «ميسي»، فدارت في فلكه عروض وتقويمات تُقاس بمئات الملايين سنويًا! وهكذا، لم يعد السؤال: من سيتوّج باللقب؟ بل: من سيقبض أكثر؟ فتحولت كرة القدم من لعبة يتنافس فيها 22 لاعبًا على عشب الميدان، إلى مزاد علني تتناطح فيه الأرقام على شاشات البورصة!
ثم أطلت علينا الفورمولا 1! استضافة "جائزة السعودية الكبرى" في مدينة جدة ترتبط برسوم سنوية تُقدّر بـ55 إلى 65 مليون دولار، أي مئات الملايين على مدى العقد. لكن جدة لم تكن النهاية. هناك استثمار إضافي يقدّر بنحو 500 مليون دولار في حلبة لتصبح موطنًا دائمًا للسباق. تدفع الملايين لاستضافة السباق، ثم تبني حلبة جديدة بجماليات خيالية كي تستضيف السباق ذاته! السيارة تدور دورة كاملة في الحلبة، والمال يلفّ ويدور معها!
وجاء دور معركة كأس العالم. قدّر صندوق النقد الدولي الإنفاق المتوقع بنحو 26 مليار دولار، تشمل ملاعب جديدة وتحديث أخرى، وتوسعات في مترو الرياض والمطارات وقدرات الضيافة. وهكذا يصبح المشهد كاملًا: مدينة للمستقبل، منتجع للشتاء، حلبة للسيارات، ملاعب لكرة القدم، ملاعب للغولف، وفنادق لاستقبال الجمهور. لكن السؤال المقلق يبقى: ماذا عن البطولات التي لا تُقام، أو يُنقل مكانها، أو تتغير قبل أن تكتمل؟ لأن تكلفة البطولة ليست مجرد تكلفة إقامتها، بل أحيانًا تكون هناك "تكلفة عدم إقامتها": عقود وُقّعت، ومقاولون استُقدموا، وأعمال بدأت، ودفعات سُددت، ثم يأتي قرار التراجع أو التعديل أو الإلغاء، لتفتح أروقة الشروط الجزائية والتعويضات والتسويات والمطالبات. المبالغ المخصصة لإنهاء العقود بالغة الدلالة. المشروع لا يدفع فقط عندما يبني، بل، في "مملكة الخير"، يدفع بنفس الكرم والشهامة عندما يتراجع! سيما أن معظم هذه المشاريع مبالغ فيها أصلًا، وكأنها صُممت خصيصًا كي لا تُنفذ! ليكون الشعار: ادفع أولًا، وفكّر لاحقًا!
اليمن: الفاتورة بلا ملعب!
وأخيرًا يأتي ملف اليمن، حيث الفاتورة بلا ملعب، ولا كأس، ولا نجوم كرة قدم. هناك حرب عبثية. ورغم أن السعودية لم تعلن رسميًا عن التكلفة الإجمالية لتدخلها العسكري، فإن التقديرات تشير إلى أرقام خيالية قد تتجاوز 350 مليار دولار!
أما الفصل الأكثر عبثية في هذه الحرب، فهو ما كشفت عنه التقارير حول ظاهرة "الجنود الوهميين" في صفوف التشكيلات المدعومة من التحالف: أسماء مرصوفة على الورق، ومخصصات تُصرف شهريًا لجيوش لا وجود لها في الواقع! وفي مفارقة تجمع بين عبقرية النصَّاب وسذاجة المُنصَب عليه، نجد جنديًا لا يُرى، لا يقاتل، لا يأكل، ولا ينام، لكنه يتقاضى راتبه بانتظام! هنا يتجلى المال الفاسد بوصفه "أكثر ذكاءً" من صاحبه. فالجندي الحقيقي يحتاج إلى طعام وسلاح ومأوى وإجازة، أما الجندي الوهمي فلا يحتاج سوى إلى حبر قلم يخط اسمه في قائمة الرواتب!
المال كثير، لكن الحساب أين؟
من "نيوم" إلى الغولف، ومن كرة القدم إلى الفورمولا 1، ومن كأس العالم إلى الألعاب الشتوية، ومن الملاعب إلى المدن الرياضية، ومن الحرب في اليمن إلى العقود التي تُلغى والتسويات التي تُدفع، القصة ليست أن دولة تنفق أموالها. فهذا شأنها. لكن المال العام ليس مجرد أرقام في دفاتر الدولة. إنه، في النهاية، مدارس ومستشفيات، وفرص عمل، وسكن، وخدمات، ومستقبل أجيال كاملة. والمليار الذي يُهدر ليس مجرد رقم اختفى من شاشة الحاسبة، بل أشياء كان يمكن أن تكون موجودة في حياة الناس. فيصبح السؤال أكبر من: كم دُفع؟ بل: من يسأل عندما تُدفع المليارات لبناء مشروع لإرضاء خيال حاكم، ثم تُدفع المليارات لإلغائه؟ ومن يحاسب عندما تصبح المشاريع لزوم ما لا يلزم؟ والأهم: من يسأل عن المواطن الذي لا يرى من كل هذه المليارات إلا الأضواء من بعيد، والمدينة المستقبلية في شاشات التلفزيون، بينما يبحث هو عن بيت يناسب دخله، أو وظيفة، أو خدمة عامة لا تحتاج إلى واسطة؟ هنا نعود إلى المثل الشعبي الذي بدأنا به: غاب القط، اسرح يا فأر! فالقط هنا ليس كائنًا أليفًا. القط هو الرقابة، والقانون، والبرلمان، والصحافة المستقلة. وهذه كلها مؤسسات غائبة أو مغيَّبة في مملكة "الخير"! فمن يجرؤ على النقد، أو على أن يقول لصاحب القرار: تمهّل! هذا المشروع يحتاج إلى دراسة قبل أن يحتاج إلى مليار آخر. لأن المال العام، في النهاية، ليس ملك الحاكم، ولا ملك الوزير، ولا المقاول، ولا السمسار. إنه مال الناس. وفي النهاية، حين يغيب الحساب، لا يختفي الفأر وحده من الصورة. يختفي معه نصيب الناس من المال، ومن الخدمة، ومن المستقبل!
71 مشاهدة
21 سبتمبر, 2026
60 مشاهدة
21 سبتمبر, 2026
101 مشاهدة
21 سبتمبر, 2026