د. علي ضاهر - مونتريال
من باريس إلى برلين، ومن لندن إلى روما، تتكرّر الحكاية نفسها ضدّ المهاجرين، وتُستعاد الصفات ذاتها وكأن أوروبا كانت جنّة عدن إلى أن حلّ فيها، حسب رأي الأوروبيين، "رعاع" من شتى الأصقاع فحولوها الى صحراء أنحس من الربع الخالي. فجأةً، صار المهاجر مسؤولًا عن كل شيء: الحفر في الشوارع، ازدحام المترو، ارتفاع الإيجارات، تدهور الاقتصاد، تغيّر الطقس، وربما تأخّر القطارات أيضًا.
ولأن اليمين المتطرّف يفضّل الحلول السهلة التي لا تحتاج إلى كثرة تفكير، ولم يعد مهتما إن وُصف بالعنصرية أو قيل عنه اكثر مما قاله مالك بالخمر، فقد اختصر المسألة بشعار مبسّط: أغلقوا الباب، ارموا المفتاح، ثم أعيدوا المهاجرين بقوارب مهلهلة من حيث أتوا. فإن وصلوا، نكون قد تخلّصنا منهم ومن صداعهم ووسخهم، وإن لم يصلوا فلا بأس، فهذه نعمة كون البحر انفع من قوانين حقوق الإنسان. لا تُكثروا علينا الحديث عن اللجوء والمواثيق الدولية، فهذه مصطلحات بالية لا تصلح في عصر البلطجة. اسألوا السيّد ترامب، قائد الغرب المتوَّج، فهو يشرح الحقوق بأسلوب مباشر لا يحتاج إلى فلسفة: الحدود أولًا، ثم أولًا، ثم أولًا، والباقي خس! و"الباقي خس" هي جملة يستعملها اللبنانيون، علمه إياها مبعوثه الشرق اوسطي، اللبناني الأصل والجذر، توم برًاك، والذي بالرغم من تهديده بتغير خريطة بلاد الشام، أصبح نجما ساطعا لدى بعض سيادي لبنان! فهنيئا ومبروك لهم به، ويشربوه بالهنا والشفا!"
هكذا وُلدت فكرة "الهجرة العكسية" التي غزت معظم البلدان، لا كزلة لسان، بل كمفهوم سياسي تغلغل واستقرّ في عقول ونفوس أصحاب ربطات العنق اليمينية الهوى. وبموجب هذا المفهوم لم يعد المطلوب دمج المهاجر، بل اختباره نفسيًا ولغويًا وأخلاقيًا، ثم تذكيره بلطف أن بقاءه مؤقّت، وقابل للمراجعة عند أوّل منعطف.
أما كندا، التي اعتادت أن تُقدَّم للعالم كملاذ أخلاقي بلهجة مهذّبة، فقد بدأت هي الأخرى تراجع مواقفها، وقد شهدت انخفاضًا تاريخيًا خلال الربع الثالث من عام 2025 (من يوليو إلى أكتوبر)، حيث فقدت حوالي 76 ألف شخص وهو أكبر انخفاض منذ عام 1946. ويعود هذا التراجع بشكل رئيسي إلى الانخفاض الحاد في عدد المقيمين غير الدائمين، وذلك أساسًا بسبب إعادة ضبط تدفّقات الهجرة المؤقتة عقب تطبيق لوائح جديدة نتيجة تغييرات في سياسات الهجرة. ويُعدّ هذا أول انخفاض فصلي منذ عقود، في تناقض واضح مع الزيادات الكبيرة التي سُجّلت في السنوات السابقة! ففي كندا، ولغاية الان، لا أحد يقول للمهاجر "ارحل"، فالكلمة فظة ولا تليق بالدبلوماسية الكندية. البديل ألطف: سقف للطلاب الدوليين، قيود على العمال المؤقتين، وخفض للهجرة الدائمة. الرسالة هنا تُكتب بالأرقام: أهلاً بكم، ولكن بعدد محسوب، ولفترة قابلة للتجديد إذا بقي الاقتصاد راضيًا مرضيً.
أما كيبيك، فهي طائر يغرد خارج السرب، وتكتب قصتها مع المهاجرين بأسلوب يجمع بين إصدار القوانين والمراقبة اللغوية والثقافية. فهي لا تطرد المهاجر صراحةً، فالدستور، لغاية الان، يقف لها بالمرصاد، لكنها تستطيع أن تُتعبه وتنغّص عليه العيشة. "تنغيص العيشة" بدأتها بالمسلمين عبر قوانين "العلمانية المقوّاة"، ثم وسّعت عملية "التنغيص" رويدًا رويدًا فكدرت ثم أَغْضَبَت فأَغاظَت فأَتْعَسَت فأَشْقَت في محاولة منها لدفع المستهدفين الى قول: "أمان يا ربي أمان!". فشعار "الاستبدال الكبير" الفرنسي، أُعيد تدويره محليًا في أورقه الصالون الأزرق، مقر البرلماني في كيبيك، تحت اسم أكثر تهذيبًا: "الاستبدال العلماني واللغوي". هنا لا يُسأل القادم الجديد عن دينه، بل عن لباسه وطريقة نُطقه. لا يهم من أنت، بل ما تضع على رأسك وأين تصلّي وماذا تقول: بونجور أو غود مورننغ. من يستر راسه او يتحجب يدفع الى الذهاب لينستر وينحجب في اصقاع أخرى من كندا او في غير مكان ومن لا يتقن لغة موليير يُنصح أن يبحث عن موطئ قدم آخر يناسب قدراته اللغوية والصوتية.
المفارقة أن أوروبا تريد إعادة المهاجرين إلى بلدان تقبلهم مقابل مبلغ من المال على الرأس، او تقيم لهم أماكن في الصحاري؛ وكندا تريد الاحتفاظ بهم لكن بأعداد أقل، وتفعل ذلك "من تحت الطاولة" بصمت وهدوء. أما كيبيك فتريد إعادتهم إلى مدارس الأزياء لتحسين هندامهم والى صفوف اللغة الفرنسية، لتنظيم لكنتهم. اما إذا استقلّت يومًا ما، فقد تصبح أول دولة في التاريخ تطبّق الهجرة العكسية التي قد يطلق عليها اسم: الهجرة الهندام-لغوية!، حيث لا يؤخذ بعين الاعتبار لا الاصل ولا الفصل بل ينظر فيها الى اللبس واللغة واللكنة.
لذا يمكن القول إن "الهجرة العكسية" ليست تيارًا أوروبيًا محضا، بل مزاجًا عالميًا يتبدّل شكله ولا يتغيّر جوهره. فمن باريس إلى مونتريال، النص واحد، والقلق واحد. الهوامش فقط تتغيّر. فنحن نعيش في عالم يقرأ من الورقة نفسها، ثم يضيف ملاحظة بخط صغير كما تفعل الشركات عند توقيع العقود: يرجى الالتزام بالقواعد المحلية، باللغة، بالمظهر، بالعدد، وبحدود الصبر. لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يصل الموس إلى لحانا هنا في كيبيك إن استقلّت؟ او بمعنى اخر، هل يطالنا تيار "الهجرة العكسية" فيأخذنا بطريقه، ان استقلت كيبيك؟؟
من باريس إلى برلين، ومن لندن إلى روما، تتكرّر الحكاية نفسها ضدّ المهاجرين، وتُستعاد الصفات ذاتها وكأن أوروبا كانت جنّة عدن إلى أن حلّ فيها، حسب رأي الأوروبيين، "رعاع" من شتى الأصقاع فحولوها الى صحراء أنحس من الربع الخالي. فجأةً، صار المهاجر مسؤولًا عن كل شيء: الحفر في الشوارع، ازدحام المترو، ارتفاع الإيجارات، تدهور الاقتصاد، تغيّر الطقس، وربما تأخّر القطارات أيضًا.
ولأن اليمين المتطرّف يفضّل الحلول السهلة التي لا تحتاج إلى كثرة تفكير، ولم يعد مهتما إن وُصف بالعنصرية أو قيل عنه اكثر مما قاله مالك بالخمر، فقد اختصر المسألة بشعار مبسّط: أغلقوا الباب، ارموا المفتاح، ثم أعيدوا المهاجرين بقوارب مهلهلة من حيث أتوا. فإن وصلوا، نكون قد تخلّصنا منهم ومن صداعهم ووسخهم، وإن لم يصلوا فلا بأس، فهذه نعمة كون البحر انفع من قوانين حقوق الإنسان. لا تُكثروا علينا الحديث عن اللجوء والمواثيق الدولية، فهذه مصطلحات بالية لا تصلح في عصر البلطجة. اسألوا السيّد ترامب، قائد الغرب المتوَّج، فهو يشرح الحقوق بأسلوب مباشر لا يحتاج إلى فلسفة: الحدود أولًا، ثم أولًا، ثم أولًا، والباقي خس! و"الباقي خس" هي جملة يستعملها اللبنانيون، علمه إياها مبعوثه الشرق اوسطي، اللبناني الأصل والجذر، توم برًاك، والذي بالرغم من تهديده بتغير خريطة بلاد الشام، أصبح نجما ساطعا لدى بعض سيادي لبنان! فهنيئا ومبروك لهم به، ويشربوه بالهنا والشفا!"
هكذا وُلدت فكرة "الهجرة العكسية" التي غزت معظم البلدان، لا كزلة لسان، بل كمفهوم سياسي تغلغل واستقرّ في عقول ونفوس أصحاب ربطات العنق اليمينية الهوى. وبموجب هذا المفهوم لم يعد المطلوب دمج المهاجر، بل اختباره نفسيًا ولغويًا وأخلاقيًا، ثم تذكيره بلطف أن بقاءه مؤقّت، وقابل للمراجعة عند أوّل منعطف.
أما كندا، التي اعتادت أن تُقدَّم للعالم كملاذ أخلاقي بلهجة مهذّبة، فقد بدأت هي الأخرى تراجع مواقفها، وقد شهدت انخفاضًا تاريخيًا خلال الربع الثالث من عام 2025 (من يوليو إلى أكتوبر)، حيث فقدت حوالي 76 ألف شخص وهو أكبر انخفاض منذ عام 1946. ويعود هذا التراجع بشكل رئيسي إلى الانخفاض الحاد في عدد المقيمين غير الدائمين، وذلك أساسًا بسبب إعادة ضبط تدفّقات الهجرة المؤقتة عقب تطبيق لوائح جديدة نتيجة تغييرات في سياسات الهجرة. ويُعدّ هذا أول انخفاض فصلي منذ عقود، في تناقض واضح مع الزيادات الكبيرة التي سُجّلت في السنوات السابقة! ففي كندا، ولغاية الان، لا أحد يقول للمهاجر "ارحل"، فالكلمة فظة ولا تليق بالدبلوماسية الكندية. البديل ألطف: سقف للطلاب الدوليين، قيود على العمال المؤقتين، وخفض للهجرة الدائمة. الرسالة هنا تُكتب بالأرقام: أهلاً بكم، ولكن بعدد محسوب، ولفترة قابلة للتجديد إذا بقي الاقتصاد راضيًا مرضيً.
أما كيبيك، فهي طائر يغرد خارج السرب، وتكتب قصتها مع المهاجرين بأسلوب يجمع بين إصدار القوانين والمراقبة اللغوية والثقافية. فهي لا تطرد المهاجر صراحةً، فالدستور، لغاية الان، يقف لها بالمرصاد، لكنها تستطيع أن تُتعبه وتنغّص عليه العيشة. "تنغيص العيشة" بدأتها بالمسلمين عبر قوانين "العلمانية المقوّاة"، ثم وسّعت عملية "التنغيص" رويدًا رويدًا فكدرت ثم أَغْضَبَت فأَغاظَت فأَتْعَسَت فأَشْقَت في محاولة منها لدفع المستهدفين الى قول: "أمان يا ربي أمان!". فشعار "الاستبدال الكبير" الفرنسي، أُعيد تدويره محليًا في أورقه الصالون الأزرق، مقر البرلماني في كيبيك، تحت اسم أكثر تهذيبًا: "الاستبدال العلماني واللغوي". هنا لا يُسأل القادم الجديد عن دينه، بل عن لباسه وطريقة نُطقه. لا يهم من أنت، بل ما تضع على رأسك وأين تصلّي وماذا تقول: بونجور أو غود مورننغ. من يستر راسه او يتحجب يدفع الى الذهاب لينستر وينحجب في اصقاع أخرى من كندا او في غير مكان ومن لا يتقن لغة موليير يُنصح أن يبحث عن موطئ قدم آخر يناسب قدراته اللغوية والصوتية.
المفارقة أن أوروبا تريد إعادة المهاجرين إلى بلدان تقبلهم مقابل مبلغ من المال على الرأس، او تقيم لهم أماكن في الصحاري؛ وكندا تريد الاحتفاظ بهم لكن بأعداد أقل، وتفعل ذلك "من تحت الطاولة" بصمت وهدوء. أما كيبيك فتريد إعادتهم إلى مدارس الأزياء لتحسين هندامهم والى صفوف اللغة الفرنسية، لتنظيم لكنتهم. اما إذا استقلّت يومًا ما، فقد تصبح أول دولة في التاريخ تطبّق الهجرة العكسية التي قد يطلق عليها اسم: الهجرة الهندام-لغوية!، حيث لا يؤخذ بعين الاعتبار لا الاصل ولا الفصل بل ينظر فيها الى اللبس واللغة واللكنة.
لذا يمكن القول إن "الهجرة العكسية" ليست تيارًا أوروبيًا محضا، بل مزاجًا عالميًا يتبدّل شكله ولا يتغيّر جوهره. فمن باريس إلى مونتريال، النص واحد، والقلق واحد. الهوامش فقط تتغيّر. فنحن نعيش في عالم يقرأ من الورقة نفسها، ثم يضيف ملاحظة بخط صغير كما تفعل الشركات عند توقيع العقود: يرجى الالتزام بالقواعد المحلية، باللغة، بالمظهر، بالعدد، وبحدود الصبر. لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يصل الموس إلى لحانا هنا في كيبيك إن استقلّت؟ او بمعنى اخر، هل يطالنا تيار "الهجرة العكسية" فيأخذنا بطريقه، ان استقلت كيبيك؟؟
86 مشاهدة
30 يناير, 2026
114 مشاهدة
27 يناير, 2026
95 مشاهدة
27 يناير, 2026