د. بلال العاملي ـ مونتريال
ليس غريباً أن يتخلى رؤساء لبنان عن الدفاع عن جنوبه. فلننظر في تاريخ السابقين منهم، كي نفهم ما يحدث اليوم.
أولاً بخصوص رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على الحكم منذ تأسيس لبنان عام 1920 حتى يومنا هذا، فإن معظمهم، ما عدا القلة منهم، كانوا ينظرون إلى جنوب لبنان على أنه عبء عليهم، لذلك أهملوه، بل تمنى بعضهم أن تضمه إسرائيل إليها، تلبية لرغبة شخصية دينية بارزة عارضت ضم المناطق الإسلامية إلى لبنان، المولود جديداً، مخافة قلب الميزان الديموغرافي لصالح المسلمين. لكنه خضع لاحقاً لإرادة رجال الأعمال والمتنفذين من العائلات الإقطاعية المسيحية الذين نظروا إلى المسألة من الناحية الاقتصادية، مع طمأنة فرنسا بأن حكم لبنان سيكون بيد الموارنة خصيصاً. و بالفعل تفرد المسيحيون في حكم لبنان من عام 1920 لغاية 1943 ، فتبوؤا رئاسة الجمهورية، و رئاسة الوزارة، و رئاسة مجلس النواب. فقط سمحوا لعدد قليل من المسلمين السنة شغل مناصب رئاسة الوزراء و رئاسة مجلس النواب لفترات قصيرة. أما المسلمون الشيعة فقد استبعدوا كلياً، علماً بأنهم كانوا يشكلون جزءاً كبيراً من السكان.
أولاً، بالنسبة للرئيس إميل إده (1936-1941)، فقد كان له علاقات حميمة مع زعماء الحركة الصهيونية، فقد زاره حاييم وايزمن عدة مرات في بيروت، قبل أن يصبح رئيساً للكيان الصهيوني. كما التقى إده بإلياهو إيلات، أول سفير لإسرائيل في واشنطن. و قبل قيام دولة إسرائيل، كان الصهاينة يمارسون الضغوط على الإحتلالين الفرنسي و الانكليزي لضم جنوب لبنان حتى شمال نهر الليطاني، للحصول على مياهه. فرفضت فرنسا، ولكن وافق إميل إده على مقترح مشروع انشاء شركة مساهمة يهودية لإستغلال مياه الليطاني، فرفضت فرنسا أيضاً.
أما الرئيس ألفرد نقاش (1941-1943) فكانت تربطه علاقة صداقة متينة بفيكتور جاكوبسون، دبلوماسي صهيوني، فقد دعاه يوماً إلى لبنان لإلقاء محاضرة حول العلاقة التاريخية المتينة بين "أحفاد الملك الفينيقي أحيرام" (أي مسيحيي لبنان) و اليهود.
لكن الرئيس بشاره الخوري (1943-1952) صرح علناً أمام إلياهو ساسون، سفير إسرائيل لدى روما لاحقاً، مشتكياً له حول وجود شيعة جبل عامل كفاصل بين المسيحيين و يهود فلسطين: ""يوجد بيننا و بينكم حاجز يجب إزالته، وهذا الحاجز هو جبل عامل، هناك ضرورة لتفريغ هذه المنطقة من السكان الشيعة الذين يشكلون خطراً على بلدينا، و قد سبق لهم أثناء فترة الإضطرابات في فلسطين أن تعاونوا مع عصابات المفتي لتهريب السلاح و الرجال"
كما كان للرئيس كميل شمعون (1952-1958) علاقة ممتازة مع الصهاينة، ففي عام 1955 أرسل موفده نجيب صفير للقاء موشي شاريت رئيس وزراء الكيان الصهيوني عارضاً عليه اتفاقية سلام مع إسرائيل، و إبرام إتفاقية دفاع مشترك ضد أي اعتداء من قبل سوريا.
أما الرئيس شارل حلو (1964-1970)، فخطيئته الكبرى تمثلت بتوقيع إتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية الذي سمح للعمل الفدائي من أراضي جنوب لبنان، مما أسفر عن سقوط ألآف الضحايا و دمار هائل لمساكن و البنى التحتية لشيعة للجنوب على مدى عقدين من الزمن، تخلله عدة إعتداءت إسرائيلية و خصوصاً إجتياحي عام 1978 و عام 1982.
أما بالنسبة للرئيس أمين الجميل (1982-1988) فقد وقع اتفاق 17 أيار 1983 مع العدو الصهيوني الذي سمح لإسرائيل ب "إنشاء منطقة أمنية" داخل الخط الأزرق أي داخل لبنان. دون الإتيان على ذكر القرى السبع و الأراضي احتلتها إسرائيل من 1948 حتى حين التوقيع على الإتفاق.
و لا ننسى الرئيس ميشال سليمان (2008-2014) الذي تقاعس عن تحرير جنود الجيش اللبناني الذين قام دواعش سوريا باختطافهم من عرسال و إعدامهم. و في عهده أدخلت نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، و لم يستدعى إلى التحقيق لا هو لا حتى أجهزته الأمنية. و قد أصر المحقق العدلي على تسييس الموضوع بتوجيه الإتهام إلى الشيعة ضارباً بعرض الحائط كل التسريبات الداخلية و الخارجية التي تثبت ضلوع إسرائيل في ضرب المرفأ. و قد انقلب على المقاومة بعد أن اقتنع أن الوقوف مع الحق ليس مربحاً، فأبدل معادلته الخشبية بمعادلة ذهبية حصل عليها من آل سعود.
الرئيس جوزيف عون
أما الرئيس الحالي جوزيف عون، فقد استبشرنا خيراً بقدومه و بتعهده بمحاربة الفساد و الدفاع عن لبنان، لكنه سرعان ما أذعن للضغوط الأمريكية و السعودية، و حمل على المقاومة و بيئتها، و خلال عام و نصف من حكمه، لم يفعل شيئاً لوقف اعتداءات اسرائيل بل أكتفى بتحريض الجيش ضد المقاومة و بيئتها. و ها هو اليوم لا يحرك ساكناً أمام هول الحمام الدموي الذي الحقته إسرائيل بشيعة لبنان. بل أعلن عون اليوم الاثنين عن مبادرة تشمل إرساء هدنة ووقف الاعتداءات، ونزع الجيش سلاح «حزب الله»، وبدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية.
جاءت مبادرة الرئيس عون، خلال كلمة ألقاها في الاجتماع الافتراضي الذي نظمه، الاثنين، رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وضم عدداً من قادة دول المنطقة للبحث في الأوضاع الراهنة نتيجة التطورات العسكرية الأخيرة وتداعياتها على لبنان.
الرئيس نواف سلام
أما بالنسبة لرئيس الوزراء الحالي نواف سلام، فإنه ليس غريباً أن يبيع لبنان في سوق النخاسة لأمريكا و إسرائيل و السعودية مقابل وصوله لكرسي الرئاسة، فقد باع جده من قبل سهل الحولة في فلسطين إلى الوكالة اليهودية. هذا الرجل القادم إلى السلطة من الغرف السوداء في أوروبا و أمريكا التي تعين أمثاله في الحكم و تملي عليهم اجندتها، و لو كان ذلك يؤدي إلى دمار أوطانهم.
إنهم يرون يوم الحساب بعيداً و نراه قريباً إنشاء الله.
*الصورة من رئاسة الجمهورية اللبنانية
58 مشاهدة
09 مارس, 2026
119 مشاهدة
06 مارس, 2026
123 مشاهدة
05 مارس, 2026