Sadaonline

حين يتحوّل الألم الإنساني إلى خبرٍ عابر : ديمقراطية بنكهة الهولوكوست

الشرق الأوسط في حربٍ هائلة، دون أن يرفّ لهذا الإنسان، أو للعالم المحيط به، جفن

أحمد الخطّاط ـ مونتريال
منذ أن انفتحت عيونُ الناس على بعضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الجاهل بيننا صاحبَ رأي، وهو في الحقيقة صاحبُ رؤيةٍ سطحية، لكن في عيون الغافلين يبدو وكأنه يتحدث من منظور الدعاية السياسية التي تأسست أيام الحرب العالمية الثانية.
وأصبح الأحمق الذي كان يتكلم في الحانة من كثرة إفراطه في السُّكر، وكان الجميع يتجاهله، يتكلم اليوم من قاموس الإنسانية ليتعاطف معه الناس. وهكذا اتفق الجاهل والأحمق على تشغيل نظامٍ جديد باسم الديمقراطية… على طريقة الهولوكوست.
أرى أهلي يموتون عشرات المرات، وأنا عاجز عن الوقوف في طريق ذلك. بدأت أشعر أن الوقت يمرّ أسرع من العادة، وأن أشياء غريبة تحدث دون تفسير. وكأنني في مكانٍ غير طبيعي، أو أنني مررتُ بتجارب مميتة لا يمكن أن أنساها، بينما كل من حولي يعبرون حواجز الألم واليأس.
أنظر كالميت إلى نظرات أمي وأبي وهما يتابعان فيديوهات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي أو دعاية سياسية، وأسمع أمي تضحك بسخرية على كلمات لا تفهمها ولا أفهمها أنا أيضًا. ثم تنتقل إلى الفيديو التالي. هذه حياتهما الآن: من فيديو إلى فيديو، في حالة إدمانٍ جديدة تُلهيهما عن اتخاذ موقفٍ حقيقي من مصائب البشرية المتتالية.
ولا يدرون أن صناديق التبرعات لأطفالٍ نازحين، جوعى وعطشى، أصبحت فارغة، ومتروكة تحت غبار غباء الإنسانية.
مرةً قررت أن أتحدث معهم عن الطفلة هند رجب، التي قُتلت بالرصاص وهي محاصرة بين جثث أهلها داخل سيارة، وكانت على اتصال مسموع للعالم. لكنني اندهشت أنهم لم يبالوا بالكلمة ولا بردّة الفعل. ذهب أبي وأمي إلى النوم، وهما يتحدثان عن كيف انتحر إبستين في زنزانته.
واليوم الشرق الأوسط في حربٍ هائلة، دون أن يرفّ لهذا الإنسان، أو للعالم المحيط به، جفن.
أهذا أغرب، أم سكوت العالم عن دولةٍ تتحدث عن جرائم حدثت لها في الحرب العالمية الثانية، بينما أحفادها يقاتلون بشراسة، ويساهمون في دمار المنطقة؟ خلال سنتين فقط: مليونان نازح في غزة، ومليون في لبنان، وثلاثة ملايين في إيران، دون أن تتحدث مؤسسات المجتمع الإنساني بجدية.
أستغرب كيف يشمت وطن عربي بجاره، والعكس، وكيف تنتشر لغة الكراهية والانتقام. أتخوف من حال الناس في بلدي، وأتساءل: هل صوتي وخوفي سيضعان اسمي على قوائم الإرهاب؟
أتذكر حرب أمريكا على العراق عام 2003، وأتذكر كيف كان يصمت كثير من المواطنين العرب، بينما كان مواطنو الدول الغربية يتظاهرون، ويُضربون، من أجل عربٍ ومسلمين أبرياء.
أتذكر أيضًا شباب العراق، كيف أصبحوا ضحايا الخسارة والخوف والموت البطيء، يدخنون ويشربون حتى الثمالة، لا ليهربوا من السكر، بل من واقعهم الأليم.
لا أفهم كيف أشرح لغيرنا هذا الوجع: وجع الضمير، وضياعنا، وتساؤلاتنا في عالمٍ فقد ثقته بنفسه.
حتى جيل اليوم لا يفهم معنى العنف والخراب كما عشناه؛ يشاهد صور الدم والموت كأنها مشاهد عابرة محدودة الزمن.
أتساءل كثيرًا، وأعرف أن كبار السن أحيانًا لا يملكون لغة حوار أو سلام، دون تدخل الخارج.
أنا متأكد أن القادم أسوأ من كل توقعاتي، ومع ذلك سأكتب… وأكتب… حتى يأتي يوم يفهم فيه المواطن العربي معنى وجوده، ويدرك أن الانشغال بأفكار طائفية وعبثية ليس إلا ضياعًا للوقت، لنسيان قضايانا: فلسطين، جنوب لبنان، اليمن، وحروب صامتة في أفريقيا.
يجب أن نتذكر أن هناك أملًا في كل زمان، حتى وإن فارقنا الحياة قبل أن نصل إلى حدود السلام.