وليم خربوطلي*
قد تنتهي انتخابات كيبيك المقبلة بمشهد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى: يتصدّر الحزب الكيبيكي، «البي كو» (PQ)، عدد المقاعد، ويحتفل أنصاره بالتقدّم على منافسيه، ثم تبقى السلطة في يد ائتلاف مستقبل كيبيك، « الكاك » (CAQ).
هذا الاحتمال ممكن دستورياً إذا لم يحصل أي حزب على الأغلبية المطلقة. ففي النظام البرلماني، لا يكفي أن يمتلك الحزب أكبر كتلة نيابية؛ الحاسم هو قدرة الحكومة على الاحتفاظ بثقة الجمعية الوطنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في انتخابات الخامس من تشرين الأول 2026، التي ستُجرى وفق خريطة انتخابية جديدة تضم 127 دائرة. وبذلك، يحتاج الحزب إلى 64 مقعداً للحصول على أغلبية المقاعد. أما إذا توزّعت المقاعد بحيث لم يبلغ أي حزب هذا العدد، فستصبح المفاوضات بين الكتل عاملاً أساسياً في تحديد الحكومة وبرنامجها.
يستند هذا الاحتمال إلى قاعدة كثيراً ما تضيع في الخطاب الانتخابي: الحكومة القائمة لا تنتهي ولايتها تلقائياً بمجرد إعلان تقدّم حزب آخر عليها. فعندما لا تنتج الانتخابات أغلبية واضحة، تسمح الأعراف الدستورية لرئيس الحكومة القائم بأن يختار الاستقالة أو مواجهة المجلس الجديد لاختبار ثقته. وبالتالي، تستطيع حكومة «الكاك» محاولة الاستمرار، حتى لو جاء الحزب الكيبيكي أولاً، شرط أن تنجح في تأمين الدعم البرلماني اللازم.
ويُختبر هذا الدعم في محطات محددة، منها التصويت على السياسة العامة للحكومة بعد خطاب افتتاح الدورة، والسياسة المالية، ومشروعات الاعتمادات السنوية، ومذكرات حجب الثقة. لذلك، لا تُسقط كل هزيمة تشريعية الحكومة، لكن خسارتها تصويتاً يتعلق بالثقة تضع استمرارها في الحكم موضع الحسم.
ولا يلزم أن يؤدي التعاون إلى حكومة ائتلافية تتقاسم فيها الأحزاب الحقائب الوزارية. فقد يبقى الوزراء من «الكاك»، بينما يلتزم حزب آخر دعمه في مسائل الثقة والموازنة مقابل تنازلات سياسية محددة. ويمكن أن يكون الاتفاق مكتوباً ولمدة معينة، أو أن يجري التفاوض على الدعم من تصويت إلى آخر.
بل إن الامتناع عن التصويت قد يسمح باستمرار الحكومة من دون تأييدها صراحة. فأغلبية المقاعد تختلف عن الأغلبية المطلوبة في تصويت معين، والتي تُحسب عموماً على أساس الأصوات المُدلى بها. غير أن هذا الطريق يتوقف على توزيع الأصوات الفعلي، ولا يكفي مجرد إعلان حزب صغير امتناعه إذا بقيت الأصوات المعارضة أكثر من المؤيدة.
والتجربة الكندية تعرف انتقال السلطة إلى حزب لم يحصد أكبر عدد من المقاعد. ففي أونتاريو عام 1985، حصل المحافظون التقدميون على 52 مقعداً مقابل 48 لليبراليين، لكن اتفاقاً بين الليبراليين والحزب الديمقراطي الجديد أتاح لاحقاً لديفيد بيترسون تشكيل الحكومة.
ولتوضيح الصورة في كيبيك، يمكن اعتماد التوزيع الافتراضي الآتي، الذي لا يمثل توقعاً انتخابياً:
| الحزب | المقاعد الافتراضية |
| الحزب | المقاعد الافتراضية |
|---|---|
| الحزب الكيبيكي — PQ | 55 |
| ائتلاف مستقبل كيبيك — CAQ | 40 |
| الحزب الليبرالي في كيبيك — PLQ | 25 |
| كيبيك سوليدير — QS | 5 |
| حزب المحافظين في كيبيك — PCQ | 2 |
| المجموع | 127 |
في هذا المثال، يكون الحزب الكيبيكي أكبر الأحزاب، لكن «الكاك» والليبراليين يمتلكان معاً 65 مقعداً. فإذا اتفقا على دعم حكومة تقودها «الكاك»، أمكن لهذه الحكومة الاستمرار رغم تصدّر خصمها النتائج. أما الاتفاق على إمكان التعاون فلا يحسم وحده هوية رئيس الحكومة أو مضمون البرنامج؛ فهنا تبدأ المفاوضات السياسية.
يمثل الحزب الليبرالي شريكاً محتملاً مهماً. فالليبراليون يتمسكون ببقاء كيبيك داخل الاتحاد الكندي، بينما يطرح «الكاك» مساراً قومياً يقوم على تعزيز استقلالية كيبيك داخل كندا. ومن هذا التقاطع يمكن، تحليلياً، تصور تفاهم لإبعاد مشروع الاستقلال عن جدول أعمال الحكومة، إلى جانب تسويات في الاقتصاد والخدمات العامة. لكن التقاء الطرفين على هذا الهدف لا يمحو اختلافاتهما حول الحقوق الفردية والهوية والعلمانية.
وهنا يصبح قانون علمانية الدولة، المعروف بالقانون 21، مثالاً واضحاً على الثمن المحتمل للثقة. فقد يطلب الحزب الليبرالي من «الكاك» إلغاء التحصين بالشرط الاستثنائي الوارد في قانون العلمانية، إذا أراد الحصول على ثقته البرلمانية. هذه فرضية تفاوضية، وليست إعلاناً عن اتفاق أو شرط مطروح رسمياً بين الحزبين.
وللفرضية أساس سياسي ملموس: فقد أعلن زعيم الليبراليين شارل مليار، في مقابلة إذاعية بتاريخ 24 نيسان 2026، أن حزبه لن يجدد الشرط الاستثنائي المرتبط بقانون العلمانية في 2029. لكن عدم التجديد عند انتهاء المدة يختلف عن اشتراط إلغائه قبل ذلك مقابل دعم حكومة أقلية؛ الخيار الثاني سيكون مطلباً تفاوضياً إضافياً. هذه الإحتمالية تضع الحزب الليبرالي أمام إمتحان حقيقي حول كون موقفه تجاه إلغاء الشرط الاستثنائي جدي او مجرد فقاعة إنتخابية لكسب أصوات الجماعات المعارضة لهذا القانون.
ومن الضروري هنا ضبط المعنى القانوني. فالشرط الاستثنائي يستند إلى المادة 33 من الميثاق الكندي للحقوق والحريات، التي تسمح للمشرّع، ضمن حدود معينة، بإبقاء قانون نافذاً رغم تعارضه مع بعض الحقوق المحمية. ويظهر هذا الاستخدام في المادة 34 من قانون العلمانية. وإلغاء هذا التحصين يتطلب تعديلاً تشريعياً؛ فلا يستطيع اتفاق سياسي وحده تغيير القانون. كما أن رفع التحصين لا يعني إبطال قانون العلمانية تلقائياً، بل يزيل هذا الحاجز أمام الطعن استناداً إلى الحقوق التي يشملها الاستثناء.
سيضع مطلب كهذا «الكاك» أمام اختيار صعب: قبول التراجع عن حماية تشريع أساسي في هويته السياسية، أو المخاطرة بفقدان الحكم. وفي المقابل، سيحتاج الليبراليون إلى إقناع ناخبيهم بأن المكاسب التي حصلوا عليها تبرر إبقاء حزب انتقدوا أداءه في السلطة. لذلك، يبدو اتفاق ثقة محدود المدة والموضوع أكثر قابلية للتصور من اندماج حكومي واسع، لأنه يتيح لكل طرف الحفاظ على قدر من استقلاله.
وتزداد المسألة تعقيداً إذا حصل الليبراليون على مقاعد أكثر من «الكاك». ففي هذه الحالة، قد يطالبون برئاسة الحكومة لأنفسهم مقابل دعم «الكاك» ، بدلاً من القبول بدور الداعم لحكومة كريستين فريشيت. لذلك، فإن اتفاق الأحزاب على إبقاء «البي كو» خارج السلطة لا يضمن أن تبقى رئاسة الحكومة بيد «الكاك».
أما الحزب المحافظ في كيبيك، بقيادة إريك دوهايم، فيطرح مساراً آخر للتفاهم. ويبدو التقارب معه أسهل في بعض الملفات الاقتصادية: تخفيف العبء الضريبي، وتقليص التعقيدات التنظيمية، وتوسيع الاستعانة بالقطاع الخاص في تقديم الخدمات. كما أن برنامجه لعام 2026 تبنّى توجهاً يعزز استقلالية كيبيك، وأعاد طرح بعض الالتزامات التي وردت في برنامج «الكاك» سنة 2018. وهذا يجعل التفاهم بين الطرفين قابلاً للتصور، من دون أن يجعله تلقائياً.
فالمحافظون يطالبون أيضاً بإلغاء «سانتي كيبيك»، وتقليص دعم الشركات، والخروج من سوق الكربون، وهي خيارات قد تفرض على «الكاك» مراجعة قرارات أساسية. وقد بنى الحزب المحافظ جانباً من حملته على انتقاد حصيلة الحكومة، ما يرفع كلفة إنقاذها من دون تغييرات كبيرة. يستطيع دوهايم، مثلاً، أن يجعل دعمه مشروطاً بإصلاحات محددة ومواعيد لتنفيذها، بدلاً من الاكتفاء بتفاهم عام حول الانتماء إلى اليمين الاقتصادي.
وتبقى المقاعد هي العامل الفاصل. ففي المثال الافتراضي السابق، لا يتجاوز مجموع «الكاك» والمحافظين 42 مقعداً، وهو غير كافٍ لمواجهة تصويت موحّد ضدهما من بقية الأحزاب. أما إذا حقق المحافظون اختراقاً انتخابياً كبيراً، وأصبح مجموع الطرفين كافياً، فقد يكون اتفاق ثقة بينهما أقل تعقيداً في بعض الملفات من اتفاق مع الليبراليين. إنه احتمال مشروط بنتيجة الانتخابات وبحجم التنازلات المطلوبة.
وإذا احتاج «الكاك» إلى الحزبين معاً، يبرز احتمال تفاهم ثلاثي يضم الليبراليين والمحافظين. وقد تكون الصيغة العملية حكومة يقودها «الكاك» مدعومة باتفاق محدود حول الثقة والموازنة، مع احتفاظ الشريكين بحرية التصويت في ملفات أخرى. غير أن تعدد الشركاء يضاعف نقاط الخلاف، ويجعل كل موازنة اختباراً للتوفيق بين تخفيض الضرائب، وتمويل الخدمات، والسياسات البيئية، وحماية الحقوق. والتوافق على منع خصم من الحكم لا يكفي، وحده، لبناء برنامج قابل للاستمرار.
أما «كيبيك سوليدير»، فيبدو شريكاً أصعب لحكومة «الكاك». فالحزب يعرّف نفسه بأنه يساري وبيئي واستقلالي، ويطرح تدابير مثل ضبط زيادات الإيجارات وإعادة توزيع الثروة وتعزيز الخدمات العامة. ومن الممكن تصور دعم محدود منه مقابل مكاسب اجتماعية واضحة، لكن اتفاقاً مستداماً مع «الكاك» سيحتاج إلى تنازلات أوسع من تلك اللازمة لتمرير مشروع قانون منفرد.
وبالنسبة إلى «سوليدير»، قد يكون دعم حكومة يقودها الحزب الكيبيكي أكثر اتساقاً مع هدف الاستقلال المشترك، إذا أمكن التوصل إلى تفاهم على البرنامج الاجتماعي. في هذه الحالة، يستطيع «سوليدير» فرض إلغاء الشرط الاستثنائي من قانون العلمانية تماما كمثل احتمالية التحالف بين «الكاك» والليبراليين. إلا أن هذا التقدير هو تحليلي وليس إعلان عن تحالف. فإذا كانت مقاعد «البي كو» و«سوليدير» كافية، واتفقا على حجب الثقة عن «الكاك» ودعم بديل، تضيق فرص بقاء الحكومة القائمة كثيراً. أما صيغ تجمع «الكاك» والليبراليين و«سوليدير»، أو المحافظين و«سوليدير»، فتبقى ممكنة حسابياً، لكنها تحتاج إلى تسوية أصعب بين توجهات متباعدة.
ولا يجوز إغفال احتمال التفاهم بين «الكاك» والحزب الكيبيكي نفسه. فهناك تقاطع في الدفاع عن الفرنسية وعن جوانب من نموذج العلمانية، ويؤكد «البي كو» تمسكه بحماية قانون العلمانية. لكن تحويل هذا التقاطع إلى اتفاق يبقي «الكاك» في رئاسة الحكومة يبدو ضعيفاً سياسياً إذا كان «البي كو» صاحب أكبر كتلة. سيكون عليه عندئذ تفسير تنازله عن فرصة قيادة الحكومة لمصلحة منافسه. وقد يسهل تصور تعاون تشريعي بينهما أكثر من تصور التزام طويل بإبقاء فريشيت في السلطة.
وقد يصبح النواب المستقلون، أو ممثلو أحزاب أصغر إذا انتُخبوا، مؤثرين عندما يكون الفارق ضئيلاً. كما تستطيع حكومة أقلية محاولة البقاء عبر تفاهمات متبدلة وامتناع بعض خصومها عن إسقاطها. غير أن هذا المسار يمنحها استقراراً أقل، ويجعل استمرارها مرتبطاً بالحسابات المتغيرة لكل شريك محتمل.
والتقدير الأرجح، ضمن فرضية تصدّر «البي كو» من دون أغلبية، هو أن اتفاق ثقة وموازنة سيكون أكثر قابلية للإنجاز من ائتلاف وزاري واسع. وإذا كان «الكاك» متقدماً على الليبراليين في المقاعد، وكان مجموعهما كافياً، فإن التفاهم مع الحزب الليبرالي يمثل أحد أكثر مسارات بقائه عمليةً. أما إذا وفّر المحافظون وحدهم العدد المطلوب، فقد يصبح الاتفاق معهم الخيار المفضّل في بعض الملفات الاقتصادية، مع بقاء خلافات جوهرية حول حصيلة الحكومة وسياساتها.
ولا يمكن تحويل هذا الترتيب المشروط إلى توقع حاسم قبل معرفة توزيع المقاعد. فالاستطلاعات المنشورة في 14 أيلول/سبتمبر تُظهر اختلافاً في ترتيب «الكاك» والليبراليين خلف الحزب الكيبيكي، فضلاً عن أن نسب التأييد على مستوى المقاطعة لا تحدد وحدها عدد الدوائر التي سيفوز بها كل حزب.
لذلك، سيواجه كل حزب سؤالاً يتجاوز عدد مقاعده: ما الذي يستطيع أن يحققه لناخبيه من موقعه البرلماني؟ وقد يجد الليبراليون في تعديل تحصين قانون العلمانية سبباً لدعم حكومة لم يقودوها، ويرى المحافظون في تغيير السياسة المالية مبرراً لمنحها الثقة، بينما يختار «سوليدير» دعم بديل آخر لانتزاع مكاسب اجتماعية.
وسيكون على أي تفاهم من هذا النوع أن يقدم للناخبين برنامجاً واضحاً وثمناً سياسياً مفهوماً. فالتصدّر في الانتخابات يمنح الحزب الكيبيكي حجة قوية للمطالبة بالحكم، لكنه يترك له مهمة جمع الثقة. وبقاء «الكاك» ممكناً دستورياً لا يعفيه من مهمة أصعب: إقناع شركاء منتخبين بأن استمرار حكومته يستحق التنازلات التي سيطالبون بها، ثم إقناع المواطنين بأن الاتفاق يخدمهم.
* محام، وسيط ومحكم
29 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026
39 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026
79 مشاهدة
14 سبتمبر, 2026