د. وفاء مروة – مونتريال، كندا
من إسبيرنزا غندور، المديرة الشهيدة، إلى إسراء، المعلمة الشهيدة، إلى مريم سلامة، التلميذة الشهيدة… أكتب إليكنّ من غربتي، وقلبي يختنق وجعًا وحسرةً وألمًا أمام مشهدٍ يفوق قدرة الكلمات على الوصف.
ثلاث نساء، وثلاث حكايات، وثلاثة أدوارٍ اجتمعت في مكانٍ واحد: المدرسة. مديرة تحمل مسؤولية التربية، ومعلمة تحمل رسالة العلم، وتلميذة تحمل براءة الطفولة وأحلام المستقبل. لكن الحرب انتزعت منهنّ الحياة، وتركت وراءهنّ مقاعد فارغة، وكتبًا صامتة، وحقائب لا تنتظر أصحابها.
إسبيرنزا غندور، المديرة الشهيدة، لم تكن مجرد اسمٍ في سجل مدرسة؛ كانت امرأةً تحمل رسالة، وتؤمن بأن المدرسة بيتٌ ثانٍ للطفل، وأن التربية هي الطريق إلى المستقبل.
وإسراء، المعلمة الشهيدة، كانت تحمل القلم بدل السلاح، وتقف أمام الأطفال لتزرع فيهم الحرف والمعرفة والأمل. كانت رسالتها أن تفتح للطفل نافذةً نحو الغد، فإذا بالحرب تغلق تلك النافذة وتسرق منها ومن أطفالها أحلامهم.
أما مريم سلامة، التلميذة الشهيدة، فكانت تمثل أبسط وأجمل ما في الحياة: طفلة تحمل حقيبتها، وتذهب إلى مدرستها، وتحلم بأن تكبر وتحقق أمنياتها. كان من حق مريم أن تتعلم، أن تلعب، أن تضحك، وأن تعود إلى بيتها في نهاية النهار.
لكنها لم تعد.
قتلت إسرائيل المديرة والمعلمة والتلميذة، ولم تقتل أجسادًا فقط، بل أصابت في العمق معنى المدرسة، ورسالة التعليم، وبراءة الطفولة.
وفي ظل هذا الصمت العربي المؤلم، يستمر نزيف الجنوب. أطفال أبرياء يدفعون ثمن حربٍ لم يختاروها، وبيوت جميلة تتحول إلى ركام، ومدارس تفقد أصوات أطفالها، ومعالم أثرية تحمل ذاكرة الأرض وتاريخها تتعرض للدمار.
أيُّ وجعٍ يمكن أن يصف أمًّا تنتظر ابنتها فلا تعود؟ وأيُّ كلمات يمكن أن تعزّي طفلًا فقد بيته؟ وأيُّ قلم يستطيع أن يكتب عن مدرسةٍ أصبحت مقاعدها شاهدةً على الغياب؟
من مونتريال، من هذه المسافة البعيدة جغرافيًا والقريبة جدًا من القلب، أتابع وجع الجنوب وكأنني أراه أمام عيني. الغربة لا تعني أن ننسى، ولا تعني أن نتخلى عن الذاكرة. ففي كل بيتٍ جنوبي تهدّم، هناك حكاية تشبه حكاياتنا، وفي كل طفلٍ فقد أمانه، هناك جزءٌ من طفولتنا وذاكرتنا.
يا إسبيرنزا، يا مديرة المدرسة الشهيدة… سلامٌ عليكِ، وعلى رسالتكِ التي لم تنتهِ برحيلكِ.
ويا إسراء، يا معلمة الأجيال… سلامٌ على قلمكِ، وعلى كل حرفٍ علّمتِه لأطفالكِ.
ويا مريم سلامة، يا تلميذة الجنوب الشهيدة… سلامٌ على طفولتكِ، وعلى حقيبتكِ، وعلى أحلامكِ التي كان يجب أن تكبر معكِ.
إليكنّ أبعث من غربتي سلامًا وتحية. أبعثها إلى أرواحكنّ الطاهرة، وإلى أهلكنّ، وإلى كل طفلٍ بريء، وإلى كل أمٍّ فقدت فلذة كبدها، وإلى كل بيتٍ ينتظر العودة.
لن نقول إن الحجارة وحدها هي التي تهدمت؛ فالبيت ذاكرة، والمدرسة ذاكرة، والقرية ذاكرة، والمعلم والطفل جزءٌ من ذاكرة الوطن.
قد تُهدم البيوت، وقد تُغلق المدارس، وقد تسقط المعالم، لكن الذاكرة لا تسقط. وقد يُغيب الموت أصحاب الحكاية، لكن الحكاية نفسها تبقى، ما دام هناك من يرويها.
ستبقى إسبيرنزا في ذاكرة المدرسة، وإسراء في ذاكرة المعلمين، ومريم في ذاكرة الطفولة الجنوبية.
ومن غربتنا، لا نملك إلا الكلمة والدعاء والوفاء. لذلك نكتب، كي لا يصبح الغياب نسيانًا، وكي تبقى أسماء الشهداء حاضرةً في ذاكرة الأجيال.
سلامٌ إلى إسبيرنزا، المديرة الشهيدة.
سلامٌ إلى إسراء، المعلمة الشهيدة.
سلامٌ إلى مريم سلامة، التلميذة الشهيدة.
سلامٌ إلى أطفال الجنوب الأبرياء.
سلامٌ إلى البيوت التي احتضنت أحلامهم.
وسلامٌ إلى الجنوب، أرضًا وإنسانًا وذاكرةً، الذي ينزف وجعًا ويبقى في القلب وطنًا لا يغيب.
من إسبيرنزا غندور، المديرة الشهيدة، إلى إسراء، المعلمة الشهيدة، إلى مريم سلامة، التلميذة الشهيدة… أكتب إليكنّ من غربتي، وقلبي يختنق وجعًا وحسرةً وألمًا أمام مشهدٍ يفوق قدرة الكلمات على الوصف.
ثلاث نساء، وثلاث حكايات، وثلاثة أدوارٍ اجتمعت في مكانٍ واحد: المدرسة. مديرة تحمل مسؤولية التربية، ومعلمة تحمل رسالة العلم، وتلميذة تحمل براءة الطفولة وأحلام المستقبل. لكن الحرب انتزعت منهنّ الحياة، وتركت وراءهنّ مقاعد فارغة، وكتبًا صامتة، وحقائب لا تنتظر أصحابها.
إسبيرنزا غندور، المديرة الشهيدة، لم تكن مجرد اسمٍ في سجل مدرسة؛ كانت امرأةً تحمل رسالة، وتؤمن بأن المدرسة بيتٌ ثانٍ للطفل، وأن التربية هي الطريق إلى المستقبل.
وإسراء، المعلمة الشهيدة، كانت تحمل القلم بدل السلاح، وتقف أمام الأطفال لتزرع فيهم الحرف والمعرفة والأمل. كانت رسالتها أن تفتح للطفل نافذةً نحو الغد، فإذا بالحرب تغلق تلك النافذة وتسرق منها ومن أطفالها أحلامهم.
أما مريم سلامة، التلميذة الشهيدة، فكانت تمثل أبسط وأجمل ما في الحياة: طفلة تحمل حقيبتها، وتذهب إلى مدرستها، وتحلم بأن تكبر وتحقق أمنياتها. كان من حق مريم أن تتعلم، أن تلعب، أن تضحك، وأن تعود إلى بيتها في نهاية النهار.
لكنها لم تعد.
قتلت إسرائيل المديرة والمعلمة والتلميذة، ولم تقتل أجسادًا فقط، بل أصابت في العمق معنى المدرسة، ورسالة التعليم، وبراءة الطفولة.
وفي ظل هذا الصمت العربي المؤلم، يستمر نزيف الجنوب. أطفال أبرياء يدفعون ثمن حربٍ لم يختاروها، وبيوت جميلة تتحول إلى ركام، ومدارس تفقد أصوات أطفالها، ومعالم أثرية تحمل ذاكرة الأرض وتاريخها تتعرض للدمار.
أيُّ وجعٍ يمكن أن يصف أمًّا تنتظر ابنتها فلا تعود؟ وأيُّ كلمات يمكن أن تعزّي طفلًا فقد بيته؟ وأيُّ قلم يستطيع أن يكتب عن مدرسةٍ أصبحت مقاعدها شاهدةً على الغياب؟
من مونتريال، من هذه المسافة البعيدة جغرافيًا والقريبة جدًا من القلب، أتابع وجع الجنوب وكأنني أراه أمام عيني. الغربة لا تعني أن ننسى، ولا تعني أن نتخلى عن الذاكرة. ففي كل بيتٍ جنوبي تهدّم، هناك حكاية تشبه حكاياتنا، وفي كل طفلٍ فقد أمانه، هناك جزءٌ من طفولتنا وذاكرتنا.
يا إسبيرنزا، يا مديرة المدرسة الشهيدة… سلامٌ عليكِ، وعلى رسالتكِ التي لم تنتهِ برحيلكِ.
ويا إسراء، يا معلمة الأجيال… سلامٌ على قلمكِ، وعلى كل حرفٍ علّمتِه لأطفالكِ.
ويا مريم سلامة، يا تلميذة الجنوب الشهيدة… سلامٌ على طفولتكِ، وعلى حقيبتكِ، وعلى أحلامكِ التي كان يجب أن تكبر معكِ.
إليكنّ أبعث من غربتي سلامًا وتحية. أبعثها إلى أرواحكنّ الطاهرة، وإلى أهلكنّ، وإلى كل طفلٍ بريء، وإلى كل أمٍّ فقدت فلذة كبدها، وإلى كل بيتٍ ينتظر العودة.
لن نقول إن الحجارة وحدها هي التي تهدمت؛ فالبيت ذاكرة، والمدرسة ذاكرة، والقرية ذاكرة، والمعلم والطفل جزءٌ من ذاكرة الوطن.
قد تُهدم البيوت، وقد تُغلق المدارس، وقد تسقط المعالم، لكن الذاكرة لا تسقط. وقد يُغيب الموت أصحاب الحكاية، لكن الحكاية نفسها تبقى، ما دام هناك من يرويها.
ستبقى إسبيرنزا في ذاكرة المدرسة، وإسراء في ذاكرة المعلمين، ومريم في ذاكرة الطفولة الجنوبية.
ومن غربتنا، لا نملك إلا الكلمة والدعاء والوفاء. لذلك نكتب، كي لا يصبح الغياب نسيانًا، وكي تبقى أسماء الشهداء حاضرةً في ذاكرة الأجيال.
سلامٌ إلى إسبيرنزا، المديرة الشهيدة.
سلامٌ إلى إسراء، المعلمة الشهيدة.
سلامٌ إلى مريم سلامة، التلميذة الشهيدة.
سلامٌ إلى أطفال الجنوب الأبرياء.
سلامٌ إلى البيوت التي احتضنت أحلامهم.
وسلامٌ إلى الجنوب، أرضًا وإنسانًا وذاكرةً، الذي ينزف وجعًا ويبقى في القلب وطنًا لا يغيب.
145 مشاهدة
06 سبتمبر, 2026
28 مشاهدة
06 سبتمبر, 2026
166 مشاهدة
31 أغسطس, 2026