Sadaonline

أطماع إسرائيل في لبنان (الجزء الثاني)

منذ 1948 و إسرائيل تقضم أراضٍ من لبنان و تسرق مياه أنهاره و ينابيعه الجوفية

د. بلال العاملي ـ مونتريال

حاجة إسرائيل للمياه و سرقة مياه لبنان
في دراسة أعدها الباحث هواري زهير حول سرقة إسرائيل لمياه لبنان و التي نشرتها صحيفة السفير في عددها الصادر بتاريخ 13 أيلول 2002، يقول الباحث بأن لبنان يمتلك مخزوناً كبيراً من مياه الشفة أكثر من فلسطين، نظراً لوجود أنهر عديدة، أكبرها يوجد في جنوب لبنان: نهر الليطاني، نهر الأولي، نهر الوزاني، نهر الحاصباني، نهر الزهراني. 

حاول الصهاينة الإستيلاء على مياه لبنان عدة مرات. فخلال مؤتمر باريس عام 1919، طالب الوفد الصهيوني بضم نهر الليطاني إلى دولة إسرائيل المرجوة. و لكن فرنسا رفضت الطلب. ولاحقاً حاول الصهاينة الإستيلاء على مياه الليطاني بالتعاون مع الرئيس اللبناني آنذاك ألفرد النقاش (1941-1943)، الذي اقترح على شركة يهودية-أمريكية استغلال مياه الليطاني في مشروع مشترك مع لبنان، فرفضت فرنسا الإقتراح أيضاً. و بعد انتهاء الإنتداب الفرنسي على لبنان، حاول اليهود الإستيلاء على مياه الليطاني عدة مرات دون نتيجة. ثم تقدمت إسرائيل بإقتراح مشاريع مشتركة لاستغلال مياه نهري الحاصباني و الوزاني، الواقعان داخل الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، تحت غطاء شركات أمريكية أهمها شركتي Johnston و Lord Milk Hayes. ولكن الدولة اللبنانية رفضت تلك المشاريع.  
تعطي إسرائيل لمسألة المياه أهمية استراتيجية، فهي تعاني نقصاً حاداً في المصادر المائية، حتى بعد استيلاءها  على روافد نهر الأردن و بحيرة طبريا و المياه الجوفية في الضفة الغربية، ولا شك في ان استمرار هذا النقص من شأنه ان يطيح بخطط الاستيطان والتوسع، فبدون توفر المياه لا يمكن استيعاب اعداد اضافية من المهاجرين. 
في عام 1964 حاولت الدولة اللبنانية تنفيذ مشروع تحويل مجاري نهري الوزاني و الحاصباني التي تصب في بحيرة طبريا، الذي كانت قد أقرته جامعة الدول العربية. و قضى المشروع بتحويل الحاصباني عند نقطة كوكبا وانشاء سد تحويلي وجمع وجر مياه الحاصباني والوزاني و الليطاني الاوسط الى سد خزان ميفدون، جنوب شرق النبطية لتخزين ما مقداره 90 مليون م3 من المياه الشتوية لري احد عشر الف هكتار من الاراضي الصالحة الزراعة.
أضف لذلك أن نهر الحاصباني الذي يبلغ طوله 70 كلم، يمر بثلاثة أقضية هي البقاع الغربي و حاصبيا و مرجعيون. و تستفيد منه 36 قرية و بلدة تقع في محازاة حوضه. وفي عام 1965 ، أغارت الطائرات الاسرائيلية على منابع الحاصباني والوزاني وعطلت المشروع. إذ اعتبر عضو الكنيست الاسرائيلي ميخائيل كلاين "أن تحويل مصادر المياه طالما شكلت سببا للحرب.. الموضوع يشكل خطرا حياتيا.. خطوة من طرف واحد قد تشكل سببا للحرب". 
يمتاز كل من الحاصباني والوزاني بانهما من الأنهار الدائمة الجريان صيفا وشتاء. و يقدر الدكتور سهيل سرور الخبير في الهندسة البيئية أن مجموع دفقهما ب 235 مليون م3 في السنة. و بشكل عام، تستفيد إسرائيل من الوزاني و الحاصباني و المياه الجوفية و من الينابيع المتدفقة على السفوح الغربية لجبل الشيخ، فيبلغ مجموع ما تحصل عليه، حسب تقدير الباحث الدكتور طارق المجذوب، حوالي 429 مليون م3 من مياه مصدرها لبناني واضح. بينما تقتصر حصة لبنان على أقل من 7 ملايين م3 سنويا تذهب في ري حوالى 675 هكتارا مع تأمين مياه الشفة. إذاً، ما يحصل عليه لبنان لا يزيد عن قطرات قياساً بالدفق المائي السطحي والجوفي الذي يذهب الى اسرائيل. و تشير الدراسات الميدانية إلى أن حاجة لبنان لمياه الشرب فقط تصل إلى الى مئة مليون م3، عدا عن حاجاته الزراعية و الصناعية و غيرها. 
في عام 1976، بدأت إسرائيل بضخ مياه الوزاني، وأكملت ذلك في العام 1986 مستندة الى احتلالها في اعقاب الاجتياح الصهيوني للبنان، فقامت بانشاء سياج من عدة هكتارات من الارض حول النبع وطردت المزارعين منها. ثم أخذت بمد أقنية من النبع باتجاه الشمال الشرقي بحجة ري قرى العرقوب المحتلة آنذاك. اما في العام 1989 فقد أقدمت على مد أنابيب بقياس 16 انش من نبع العين المتفرع من نبع الجوز وهو أحد روافد الحاصباني بدعوى تزويد أراضي حاصبيا المحتلة بالمياه.
في شهر آذار 2001، أقامت الدولة اللبنانية مضخة مياه لتزويد بلدتي الوزاني والميسات بالمياه وشقت طريقا بطول 1500م للوصول الى نبع الوزاني لبناء تجهيزات لمحطة الضخ وتمديد قساطل لجر نحو 250 مترا مكعبا من المياه يوميا الى خزان بلدة الوزاني، و باشرت في تركيب أعمدة كهربائية من البلدة حتى النبع لتشغيل المضخات فور تركيبها، كما شيدت غرفة للمضخة قرب النبع وعلى مسافة 20 مترا فقط من المنشآت الاسرائيلية عن الضفة الاخرى لنبع الوزاني. كانت كل تلك الإجراءات قانونية فهي تعتبر جزءا من حقوق لبنان القانونية والدولية المعترف بها في مياه تنبع من اراضيه وتجري عليها قبل ان تتحول الى ما يوصف بأنه روافد نهر الأردن. جائت ردة الفعل إلإسرائيلية على لسان يسرائيل روزنفلت، أحد المسؤولين الإسرائيليين، "أن لبنان قد فتح بنفسه جبهة جديدة ضد اسرائيل لا تقل خطورة عن تهديد الكاتيوشا او اي سلاح صاروخي آخر يملكه حزب الله".  و أضاف رئيس الوفد الإسرائيلي للمباحاثات حول موضوع المياه إبراهام كاتز حول حق لبنان بالتصرف في مياه أنهاره: "لا توجد حقوق في المياه ولكن توجد حقوق في استعمال المياه، وهذا الامر ليس قابلا للتفاوض". 
لم تصرف إسرائيل النظر عن نهر الليطاني، فالباحثون الإسرائيليون يدّعون وجود اتصال جوفي بين نهر الليطاني وروافد الأردن. ومعنى ذلك الاصرار على جذب الليطاني الى دائرة التفاوض وليس الاكتفاء بالسيطرة على الحاصباني والوزاني والمياه الجوفية اللبنانية. 
السؤال هنا، أين الدولة اللبنانية؟ أين أصحاب السيادة؟ فمنذ 1948 و إسرائيل تقضم أراضٍ من لبنان و تسرق مياه أنهاره و ينابيعه الجوفية، و تخطط لتدمير اقتصاده و تفتيت مجتمعه إلى طوائف متناحرة، دون حسيب أو رقيب.  و للأسف في لبنان ما زال هناك من يعتقد أن المفاوضات و اللجوء إلى الأمم المتحدة قد تعيد الأرض و المياه المسلوبة، فهوإما واهن أو مشارك في المؤامرة. فإسرائيل لا يردعها سوى القوة، رحم الله من قال يوماً: "ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة".
هواري زهير، جريدة السفير، 13 أيلول (سبتمبر) 2002
ذات المصدر
ذات المصدر
ذات المصدر
ذات المصدر