بقلم: جاسم نعمة مصاول
أصدر الكاتب والباحث الكندي من أصل لبناني الدكتور علي منير حرب، خلال الأشهر القليلة الماضية، كتابه الجديد " قبل أن تغيب الشمس: قضايا في الثقافة " في بيروت ومونتريال، متناولًا فيه أزمة الثقافة العربية في العقود الأخيرة، ومحللًا موقع المثقف وحدود دوره في واقع عربي مأزوم لم يخرج بعد من أزمته التاريخية المفتوحة.
ينطلق الكتاب من سؤال مركزي: هل ما نعيشه هو أزمة ثقافة أم أزمة مثقف؟ أم أن الأزمتين متداخلتان إلى حد يصعب فصلهما؟ ومن هذا السؤال تتفرع مقاربة نقدية تضع القارئ أمام مسؤولية التفكير في مصير لغته وثقافته بوصفهما ركيزتين أساسيتين للهوية والانتماء.
في شتاء مونتريالي قارس من شباط 2013، تعرّفتُ للمرة الأولى إلى الدكتور علي حرب في مقر جريدة «الأخبار» بمونتريال، حيث كان يشغل آنذاك منصب مدير التحرير. منذ اللقاء الأول، بدا واضحًا أنني أمام مثقف يحمل هموم الثقافة العربية بعمق، ويتأمل بقلق في انتكاساتها، ويرصد التحولات العالمية وتأثيرها في مصير العالم العربي، لا من موقع التنظير المجرد، بل من موقع المعايشة والمسؤولية.
منذ تلك اللحظة، تشكّل حوار متقطع بيننا، فرضته ظروف الحياة، لكنه ظلّ قائمًا على هاجس واحد: كيف يمكن للثقافة العربية، وخصوصًا في بلدان المهجر، أن تصمد وتؤدي دورها في زمن التهميش والانكسار؟
صرخة في وجه الانهيار الثقافي
يأتي هذا الكتاب بوصفه صرخة فكرية في وجه مأساة ثقافية عربية متراكمة. فليس ما نعيشه عصر ازدهار كما يُروَّج أحيانًا، بل هو في الحقيقة عصر المجد المتداعي، حيث تراجعت العقلانية، وخبا الإبداع، وساد الخمول الفكري، وتحوّلت الثقافة في كثير من البلدان العربية إلى هامش خاضع لسلطة سياسية وأيديولوجية لا ترى فيها سوى أداة للضبط أو الزينة.
يرصد حرب كيف أدّت هيمنة السلطة – الدولة، ومعها السلطات الطائفية، إلى إنتاج ما يمكن تسميته «ثقافة السلطة» بدل ثقافة المجتمع. ثقافة تُقصي النقد، وتُهمّش الأسئلة، وتُطارد المثقفين الحقيقيين، فيُسجن بعضهم، ويُلاحق آخرون، فيما يختار كثيرون المنفى القسري. في هذا السياق، تصبح الثقافة ضحية مباشرة للإرهاب الفكري، وينتشر الجهل بوصفه نتيجة لا عرضًا عابرًا.
المثقف بين التبعية والعجز
ينتقد الكتاب بوضوح عجز النخب الثقافية المعاصرة عن فرض حضورها في المجال العام، أو عن ممارسة ضغط فعلي يغيّر مسارات السلطة. فكثير من الأنشطة الثقافية السائدة، من ندوات ومهرجانات، باتت منفصلة عن الواقع الاجتماعي، ومحصورة في دائرة النخبة، لا تتجاوز حدود الترف الثقافي.
ويرى حرب أن المثقف، حين يتخلى عن دوره النقدي، أو يهادن السلطة، يفقد جوهر رسالته بوصفه حارسًا للحقيقة. فالأفكار، كما يؤكد، تمتلك القدرة على تغيير الواقع وبناء عالم أفضل، شرط أن تُقال بصوت عالٍ، وأن تُدافع عن استقلالها، لا أن تُفرَّغ من مضمونها.
اللغة العربية: قلب الهوية الثقافية
في محور أساسي من الكتاب، يتوقف المؤلف عند اللغة العربية، لا بوصفها أداة تواصل فحسب، بل بوصفها وعاءً حضاريًا ومعرفيًا شكّل الوعي العربي عبر القرون. يستعرض جذورها السامية، وازدهارها مع الشعر الجاهلي، ثم تحوّلها إلى لغة عالمية للعلوم والأدب والفلسفة مع نزول القرآن الكريم والعصر العربي ــــ الإسلامي الذهبي.
يذكّر الكتاب بأن العربية امتلكت قدرة استثنائية على الاشتقاق والتجدد، ما جعلها لغة حيّة قادرة على استيعاب المعارف المختلفة. وهي، رغم ضغوط العولمة والازدواج اللغوي، ما تزال تحتفظ بدورها في الأدب والترجمة والإبداع، وفي حفظ الذاكرة الجماعية، داخل العالم العربي وفي المهجر على حد سواء.
أزمة الثقافة وجدلية الأصالة والترجمة
ينتقل الكتاب إلى تشخيص أزمة الثقافة العربية في سياقها التاريخي والمعاصر، مبرزًا عوامل مثل ضعف المؤسسات، وهجرة العقول، وغياب البيئة الداعمة للبحث الحر. ويطرح جدلية الجذور والترجمة بوصفها إشكالية قديمة متجددة: كيف ننفتح على المعرفة العالمية دون أن نفقد هويتنا؟ وكيف نحافظ على الأصالة دون الوقوع في الانغلاق؟
يرى حرب أن الخلل في العصر الحديث نتج عن اختلال هذا التوازن، فإما انغلاق باسم الهوية، أو ذوبان باسم الحداثة. وفي المقابل، يشير إلى مبادرات معاصرة في الترجمة ودعم المحتوى العربي بوصفها محاولات لإعادة بناء هذا التوازن الضروري لأي مشروع نهضوي.
الحداثة والتحديث: الفجوة القائمة
يميّز الكتاب بوضوح بين الحداثة والتحديث. فالتحديث قد يقتصر على استيراد التقنيات وتغيير الأشكال، بينما الحداثة رؤية فكرية وقيمية تقوم على الحرية والعقلانية والإنسانية. ويشير إلى أن العالم العربي عرف طويلاً ما يمكن تسميته " تحديثًا بلا حداثة "، ما خلق فجوة بين الشكل والمضمون، وأعاق أي نهضة حقيقية.
خاتمة: نحو أفق ثقافي جديد
تقدّم قراءة كتاب " قبل أن تغيب الشمس" تشخيصًا عميقًا لأزمة الثقافة العربية وأزمة المثقف في آن معًا. ففي مواجهة سلطة قمعية ونخب عاجزة، تبقى اللغة العربية القلب الحي للهوية، لكنها مهددة بالتهميش إن لم يُستعد دورها المركزي.
يدعو الكتاب إلى تجديد الثقافة عبر قراءة نقدية للتراث، وتحرير الخطاب من الخرافة والانغلاق، وبناء توازن واعٍ بين الأصالة والانفتاح. فمستقبل الثقافة العربية، كما يخلص النص، مرهون بقدرتها على استعادة دورها الإبداعي والإنساني، والانخراط في الحداثة بوعي، يعيد للعقل العربي فاعليته في إنتاج المعنى والمساهمة في الحضارة الإنسانية.
0 مشاهدة
17 فبراير, 2026
59 مشاهدة
17 فبراير, 2026
75 مشاهدة
13 فبراير, 2026