متابعة صدى أونلاين
أثار قرار مؤسسة عائلة آسبر (Asper)، إحدى العائلات الكندية المعروفة بنشاطها في مجالي الإعلام والعمل الخيري، تجميد تبرعات جديدة للمتحف الكندي لحقوق الإنسان في وينيبيغ، نقاشاً واسعاً عقب افتتاح معرض «فلسطين المقتلعة: النكبة بين الماضي والحاضر».
وبحسب ما نقلته هيئة الإذاعة الكندية CBC عن غيل آسبر (Gail Asper)، قررت المؤسسة العائلية تعليق تقديم تبرعات جديدة للمتحف في الوقت الراهن، ومن بينها مساهمة مقررة بقيمة 50 ألف دولار لمعرض عن المحرقة النازية (الهولوكوست).
وقالت آسبر إن قرارها جاء اعتراضاً على ما تعتبره نقصاً في «السياق التاريخي الكامل» لمعرض النكبة، مطالبةً بمراجعته، إلى جانب مراجعة السياسات التي يعتمدها المتحف في اختيار معروضاته وتقديمها للجمهور.
اعتراضات غيل آسبر
أقرت آسبر بأن المعرض يتضمن شهادات ومقتنيات مؤثرة لفلسطينيين هُجّروا من ديارهم عام 1948، لكنها رأت أن اللوحات التفسيرية لا تعرض، من وجهة نظرها، جميع الجوانب التاريخية المرتبطة بالنزاع.
وقالت إن المعرض لا يتناول بعض القضايا التي تعتبرها ضرورية لفهم المرحلة التاريخية، ومنها رفض القيادات العربية خطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1947، وتهجير مئات الآلاف من اليهود من دول عربية في العقود التي أعقبت قيام إسرائيل.
واعتبرت آسبر أن عدم تضمين هذه المعلومات قد يؤثر في ثقة بعض الزوار بالمتحف. وأوضحت أن مؤسستها كانت تستعد لتقديم 50 ألف دولار لدعم معرض عن المحرقة، لكنها قررت تعليق التبرع إلى حين مراجعة معرض النكبة والسياسات التحريرية المتعلقة بالمعارض.
ماذا يقول المتحف؟
في المقابل، يوضح المتحف الكندي لحقوق الإنسان أن معرض «فلسطين المقتلعة: النكبة بين الماضي والحاضر» يتناول انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالتهجير القسري المستمر وتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم.
ويضم المعرض شهادات مصورة ومقتنيات وأعمالاً فنية وقصصاً شخصية لفلسطينيين كنديين، تتناول آثار التهجير واللجوء وانتقال الصدمة بين الأجيال.
ويؤكد المتحف أن تقديم التجربة الفلسطينية لا ينتقص من معاناة أي مجموعة أخرى، وأن تجارب تهجير اليهود والاضطهاد والانتهاكات التي تعرضوا لها موثقة ضمن معارض ومحتويات أخرى داخله.
وبحسب الصفحة الرسمية للمعرض، تُستخدم كلمة «النكبة» لوصف التهجير الجماعي الذي تعرض له الفلسطينيون عام 1948، فيما يعرض المتحف أيضاً آثار التهجير المستمرة عبر الحروب والاحتلال العسكري وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والقيود المفروضة على الحركة.
وافتُتح المعرض في 27 يونيو/حزيران 2026، ومن المقرر أن يستمر حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2028.
دور عائلة آسبر في إنشاء المتحف
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المحوري الذي أدته عائلة آسبر في تأسيس المتحف الكندي لحقوق الإنسان، وهو أول متحف وطني كندي يُقام خارج منطقة العاصمة الوطنية.
وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى رجل الأعمال والمحامي الراحل إسرائيل «إيزي» آسبر (Israel “Izzy” Asper)، مؤسس شركة CanWest Global Communications الإعلامية، الذي شغل سابقاً منصب زعيم الحزب الليبرالي في مانيتوبا، وكان عضواً في المجلس التشريعي للمقاطعة.
طرح إيزي آسبر فكرة إنشاء مركز عالمي لحقوق الإنسان عام 2000، قبل الإعلان رسمياً عن المشروع في أبريل/نيسان 2003. وبعد وفاته في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، واصلت عائلته وأصدقاء المتحف العمل على تنفيذ المشروع.
وتولت ابنته غيل آسبر قيادة حملة جمع التبرعات الخاصة، لتصبح منذ ذلك الحين واحدة من أبرز الشخصيات المرتبطة بتأسيس المتحف ودعمه.
وبحسب الأرقام التي أوردها تقرير CBC، ساهمت مؤسسة آسبر بأكثر من 23 مليون دولار في تمويل بناء المتحف، فيما قدمت غيل آسبر مساهمات شخصية بلغت نحو 1.4 مليون دولار، إلى جانب تبرعات لاحقة لبرامج ومعارض مختلفة.
من هي عائلة آسبر؟
تنحدر عائلة آسبر من أصول يهودية أوروبية شرقية؛ إذ هاجر ليون وسيليا آسبر، والدا إيزي آسبر، إلى كندا خلال عشرينيات القرن الماضي واستقرا في مانيتوبا.
وعُرفت العائلة، من خلال مؤسستها ونشاط أفرادها العام، بدعم عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية والخيرية واليهودية، إضافة إلى مشاريع ومواقف معلنة مؤيدة لإسرائيل.
وهذا توصيف لأنشطة ومواقف عائلة محددة كما تظهر في سجلاتها العامة، ولا يشكل حكماً على اليهود أو اليهودية، ولا ينسب مواقف العائلة إلى أي جماعة دينية بأكملها.
ارتباطات إيزي آسبر المؤسسية
تتضمن السيرة المنشورة لإيزي آسبر عدداً من المناصب والأوسمة والارتباطات المؤسسية، من بينها:
- حصوله عام 1985 على لقب زميل فخري من الجامعة العبرية في القدس المحتلة.
- منحه عام 1999 درجة دكتوراه فخرية في الفلسفة من الجامعة العبرية.
- شغله منصب الحاكم الفخري للجامعة العبرية في القدس المحتلة.
- عضويته في مجلس إدارة المؤسسة اليهودية في مانيتوبا.
- توليه رئاسة مجلس مجمع الجالية اليهودية في وينيبيغ، المعروف حالياً باسم Asper Jewish Community Campus.
- تأسيسه مؤسسة آسبر عام 1983 لدعم مشروعات تعليمية وثقافية وإنسانية، من بينها مبادرات مرتبطة بالتراث والهوية اليهودية وبإسرائيل.
كما دعمت المؤسسة، وفق المعلومات المنشورة على موقعها، مشروعات في الجامعة العبرية في القدس، ومركز مناحيم بيغن للتراث، وبرنامج آسبر الدولي لدراسات الهولوكوست في «ياد فاشيم»، إضافة إلى مبادرات تعليمية ومجتمعية أخرى داخل إسرائيل وكندا.
وتشغل غيل آسبر بدورها مناصب أو أدواراً في عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية اليهودية، ومن بينها هيئات مرتبطة بالجامعة العبرية في القدسل المحتلة ، كما تقود عبر مؤسسة آسبر مشروعات تتعلق بالتعليم والثقافة والتراث اليهودي.
موقف العائلة المعلن من إسرائيل
تتضمن الصفحة التعريفية بإيزي آسبر على موقع مؤسسة آسبر وصفاً صريحاً لموقفه، جاء فيه، وفق ترجمة النص المنشور:
«لا يمكن المبالغة في وصف التزام الدكتور آسبر بدولة إسرائيل والشعب اليهودي».
وتضيف المؤسسة أن عائلته تواصل حمل القيم التي غرسها فيها، ومن بينها:
«حب مدينة وينيبيغ، ودولة إسرائيل، والفنون، والإنسان».
وتشير هذه المعلومات إلى دعم سياسي ومؤسسي وثقافي معلن تبنّاه أفراد العائلة ومؤسستها، من دون أن يعني ذلك ربط هذه المواقف بالانتماء الديني أو تعميمها على أي جماعة.
لماذا يحظى القرار بهذا الاهتمام؟
لا تقتصر أهمية القرار على قيمة التبرع المعلّق، بل ترتبط بصدوره عن عائلة كان لها دور أساسي في إطلاق مشروع المتحف وتمويله وجمع التبرعات له.
وقد يفتح تعليق التمويل نقاشاً مشروعاً حول العلاقة بين كبار المانحين واستقلال المؤسسات الثقافية، ومدى تأثير التمويل الخاص في السياسات التحريرية واختيار المعارض.
وقد يفسر منتقدون الخطوة على أنها وسيلة ضغط لتعديل محتوى معرض يتناول التجربة الفلسطينية، بينما تؤكد غيل آسبر أن اعتراضها لا يستهدف تناول النكبة بحد ذاته، وإنما ما تعتبره غياباً لمعلومات تاريخية ضرورية لاستكمال السياق.
وفي المقابل، يتمسك المتحف بمنهجه القائم على عرض الشهادات والتجارب الإنسانية المباشرة، مؤكداً أن إدراج الرواية الفلسطينية يأتي ضمن مهمته في تعزيز فهم قضايا حقوق الإنسان وتشجيع الحوار والتفكير النقدي.
تنويه تحريري: يتناول هذا التقرير مواقف وتبرعات وارتباطات مؤسسية معلنة لعائلة آسبر وأفرادها، لذا فان توصيف المواقف السياسية لا يشكل حكماً على المعتقدات الدينية لأصحابها.
29 مشاهدة
28 يوليو, 2026
32 مشاهدة
27 يوليو, 2026
93 مشاهدة
23 يوليو, 2026