Sadaonline

قراءة في واقع ظاهرة الجرائم المتكررة في مونتريال

الصورة المتداولة عن مونتريال-نورد لا تعكس الواقع اليومي للسكان

دارين حوماني ـ مونتريال

في الأسابيع الأخيرة، عادت المخاوف بشأن الجريمة في شمال مونتريال Montréal-Nord إلى الظهور، لا سيما بعد ورود تقارير عن وقوع ثلاثة جرائم قتل في أسبوع واحد في المنطقة، وهو ما قد يولّد شعورًا بانعدام الأمن، ويعزز الاعتقاد بأن Montréal-Nord منطقة غير آمنة. في حين أنها مثلها مثل أي منطقة أخرى في مونتريال بحسب إحصاءات الجريمة في كندا.

وفي جميع أنحاء مدينة مونتريال، تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة شرطة مدينة مونتريال (SPVM) أن اتجاهات الجريمة قد تذبذبت في السنوات الأخيرة ولم ترتفع. وتشير إحصاءات كندا أن معدل الجريمة انخفض بشكل عام في مونتريال انخفاضًا ملحوظًا  بين عامي 2008 و 2018 بنسة 40% (1). كما انحفضت بين عامي 2000 و 2024 بنسبة 5.68%.

وتُشير بيانات عام 2026 إلى أن غالبية الجرائم المُبلغ عنها في مونتريال غير عنيفة، مثل سرقة السيارات والسطو، والتي تُمثل مجتمعةً أكثر من 70% من الحوادث. ولا تزال الجرائم العنيفة تُمثل نسبة أقل من إجمالي الحوادث مقارنةً بجرائم الممتلكات (3).

تُظهر البيانات المتاحة حول الجريمة في مونتريال أن توزيع الحوادث يختلف بشكل واضح بين الأحياء، حيث ترتبط طبيعة الجريمة بخصائص كل منطقة. ففي وسط المدينة (Downtown)، حيث النشاط التجاري والسياحي الكثيف، ترتفع معدلات جرائم الممتلكات مثل سرقة السيارات والسطو والتخريب. وينطبق نمط مشابه، بدرجات متفاوتة، على أحياء مثل Ville-Marie  وLe Plateau-Mont-Royal  وGriffintown، نظرًا لكثافة السكان.

في المقابل، تُظهر بعض الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو التحديات الاجتماعية نسبًا أعلى نسبيًا من الجرائم العنيفة مقارنة بغيرها، ومن بينها Montréal-Nord  وMercier–Hochelaga–Maisonneuve وVilleray–Saint-Michel–Parc-Extension، إضافة إلى أجزاء من Verdun وRosemont–La Petite-Patrie.  ومع ذلك، تبقى هذه الجرائم أقل انتشارًا من جرائم الممتلكات على مستوى المدينة ككل.

أما الأحياء السكنية الأكثر هدوءًا، مثل  Outremont   وSaint-Laurent  (في بعض أجزائه) وأجزاء من Ahuntsic-Cartierville، فغالبًا ما تُسجّل معدلات أقل من مختلف أنواع الجرائم، خاصة الجرائم العنيفة.

كما تُظهر الخرائط التفاعلية الحديثة (3) أن الجريمة تميل إلى التركز في "نقاط ساخنة" محددة بدلًا من أن تكون موزعة بالتساوي، وهو ما يعكس تأثير عوامل مثل الكثافة السكانية، والوضع الاقتصادي، وطبيعة استخدام الأراضي (تجاري أو سكني). وبالمقابل، تتمتع الأحياء السكنية الهادئة وضواحي المدينة عادةً بمعدلات أقل من مختلف أنواع الجرائم. لذلك، فإن فهم الفروق بين الأحياء في مونتريال يتطلب النظر ليس فقط إلى عدد الحوادث، بل أيضًا إلى طبيعة كل منطقة وخصائصها الاجتماعية والاقتصادية.

وتُظهر الإحصاءات أن أعمار مرتكبي الجرائم تتبع نمطًا واضحًا يرتبط بمرحلة الحياة، حيث يُشكّل المراهقون (من 12 إلى 17 سنة) جزءًا من الجناة وتُقدّر هذه الفئة بحوالي 13–14% من إجمالي المتهمين. كما تُظهر البيانات أن السلوك الإجرامي يبدأ بالظهور في سن مبكرة نسبيًا، ويبلغ ذروته في أواخر سن المراهقة، خصوصًا بين 16 و18 عامًا، قبل أن ينخفض تدريجيًا مع التقدم في العمر.

في هذا السياق تواصلنا مع النائب عن الحزب الفيديرالي عن دائرة بوراسا Bourassaعبد الحق ساري، ومع عضو بلدية مونتريال المحامي يوسف حريري عن Montréal-Nord، إضافة إلى حديث مع المعلمة سهام المحمد نظرًا لتجربتها في التعليم مع صفوف الثانوي الرابع والخامس في إحدى مدارس Montréal-Nord، وهي الفئة العمرية الجاذبة للعصابات والمنظمات الإجرامية.

عبد الحق ساري: الحياة في Montréal-Nord طبيعية جدًا، والصورة المتداولة لا تعكس دائمًا الواقع اليومي للسكان

قدّم نائب فدرالي، سبق له العمل مستشارًا بلديًا في Montréal-Nord ونائبًا لرئيس لجنة الحماية الوطنية لثماني سنوات، قراءة تحليلية للوضع، مشيرًا إلى أن موقعه الحالي كنائب في البرلمان الكندي "يحدّ من تدخله المباشر في الشأن البلدي"، لكنه يملك في المقابل "رؤية واضحة بحكم الخبرة الميدانية والسياسية".

يؤكد ساري أن المرحلة التي أعقبت جائحة كوفيد-19 شهدت ارتفاعًا في معدلات العنف، لكنه يلفت إلى أن هذا الارتفاع لا يرتبط بالضرورة بالجريمة المنظمة، موضحًا أن "الباحثين والعاملين في الميدان يشيرون إلى نوع آخر أخطر، وهو الجريمة غير المنظمة، وليس المنظمة".

ويشرح أن هذا النوع من الجرائم يتسم بالعشوائية، وغالبًا ما يرتكبه شباب تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا، ويشمل "اعتداءات على المقاهي والمطاعم والأفراد، إضافة إلى سرقة السيارات". ويضيف أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في كونها "أصعب في التتبع والمراقبة، مقارنة بالجريمة المنظمة التي تكون ضمن شبكات معروفة".

وفي تعليقه على حادثة طعن حديثة داخل أحد المتاجر، وصف النائب عبد الحق ساري الحادثة بأنها "غير طبيعية على الإطلاق"، مشددًا على أن ما يزيد من خطورتها هو أن "مرتكبيها كانوا دون سن السادسة عشرة، كما أن الضحية ليس من سكان مونتريال". ويحذّر من ظاهرة أوسع، يسميها "تطبيع العنف والغضب" لدى فئة من الشباب بعد الجائحة، معتبرًا أن هذا التحول "مقلق للغاية"، خاصة مع استمرار وجود الجريمة المنظمة إلى جانب "ازدياد استقطاب الشباب نحو هذه الأنشطة".

ويرى ساري أن استقطاب الشباب وفئة المراهقين نحو الجريمة ليس ظاهرة محلية، بل هو "أمر موجود في المدن الكبرى مثل فانكوفر وتورونتو وشيكاغو ونيويورك ومونتريال"، لكنه يشير إلى أن "الوضع أصبح أكثر خطورة في الوقت الحالي".

الحذر من التعميم

وفي ما يتعلق بسمعة Montréal-Nord، دعا ساري إلى "الحذر من التعميم"، مؤكدًا أن "المشكلة ليست حكرًا على هذا الحي"، وأن التغطية الإعلامية المكثفة لأي حادثة فيه "تؤثر سلبًا على صورته، لأنها تركز على الجوانب السلبية دون الإيجابية".

وأضاف: "الحياة في Montréal-Nord طبيعية جدًا"، معتبرًا أن الصورة المتداولة لا تعكس دائمًا الواقع اليومي للسكان.

كما لفت إلى دور "الإحساس بالخطر" لدى السكان، موضحًا أن التغطية الإعلامية قد "تعطي انطباعًا بزيادة الجريمة حتى لو لم ترتفع الأرقام بشكل كبير".

وإذا ما كان هناك خطط حكومية لمعالجة ظاهرة الجريمة بشكل عام، أشار ساري إلى وجود استراتيجية على المستوى الوطني لمكافحة الجريمة، موضحًا أن وزير المالية أعلن مطلع العام عن "تمويل مخصص لكيبيك ولمونتريال ومدن أخرى، بهدف مكافحة الجريمة والابتزاز".

ومن أبرز الظواهر التي يتم العمل على معالجتها، يذكر ساري "الابتزاز الذي يستهدف أصحاب المطاعم والمقاهي، حيث يُطلب منهم دفع أموال مقابل الحماية"، مؤكدًا أن هذه القضية تحظى باهتمام ضمن الاستراتيجية الأمنية.

كما أشار ساري إلى مبادرات ملموسة، أبرزها "تأمين 64 مليون دولار لبناء مركز رياضي في Montréal-Nord"، موضحًا أن هذا المشروع الذي سعى إليه "موجّه أساسًا للشباب ويوفر لهم بدائل إيجابية".

وأكد أهمية هذه الاستثمارات، معتبرًا أنها تندرج ضمن الجهود الوقائية التي تستهدف "إبعاد الشباب عن مسارات الانحراف".

وعن انتشار الأسلحة غير القانونية، أوضح ساري أن هناك إجراءات قائمة، من بينها "برامج العفو"، التي تسمح للأفراد بتسليم الأسلحة غير القانونية بهدف "تقليل عددها في التداول". كما أشار إلى جهود للحد من شراء الأسلحة المرتبطة بالجريمة المنظمة

ظاهرة الجريمة لا يمكن اختزالها في سبب واحد

وبخصوص تطور معدلات الجريمة، أقر النائب بأن جائحة كوفيد-19 كان لها تأثير واضح، حيث "ارتفعت جرائم العنف المسلح في عدة مناطق، وليس فقط في Montréal-Nord. وأضاف أن عام 2024 شهد "تراجعًا نسبيًا"، قبل أن تعود بعض المؤشرات إلى الارتفاع خلال 2025 و2026.

وأشار إلى أن الفترات التي تلي انتهاء الدوام المدرسي أو العطل تشهد "ارتفاعًا في معدلات الجريمة"، نتيجة غياب الأنشطة المنظمة والإشراف.

ورفض عبد الحق ساري الربط المباشر بين الفقر والجريمة، مشددًا على ضرورة التمييز بين "الارتباط والسببية"، ومشيرًا إلى أن هناك مناطق أكثر فقرًا في العالم لكنها أقل إجرامًا.

ومع ذلك، يعترف بوجود عوامل اجتماعية واقتصادية مؤثرة، مثل "أزمة السكن، وقلة فرص العمل، والكثافة السكانية"، إضافة إلى نقص البنية التحتية، موضحًا أن Montréal-Nord "كانت الحي الوحيد الذي لا يضم مركزًا رياضيًا".

كما يشير إلى أن أكثر من 70% من سكان الحي مستأجرون، وأن غياب المترو يفاقم التحديات، معتبرًا أن هذه الظروف "تسهل عملية تجنيد الشباب ضمن شبكات أو مجموعات".

وفي ما يتعلق بدور الشرطة في حال تم زيادة عدد أفراد الشرطة في المنطقة، رأى ساري أن "الحل لا يكمن بالضرورة في زيادة عدد العناصر، بل في تمكينهم من العمل بفعالية". لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة قضايا داخل الجهاز، خاصة ما يتعلق بالعنصرية.

وأشار إلى أن رئيس الشرطة فادي داغر نفسه تحدث عن هذه الإشكالية، معربًا عن أمله في أن يتم "التركيز على الأفعال بدل الاكتفاء بالتصريحات".

وختم شاري إلى أن "ظاهرة الجريمة في Montréal-Nord لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية، إلى جانب تحولات في سلوك الشباب بعد الجائحة".

وبين الجريمة غير المنظمة والتحديات الجديدة المرتبطة بالشباب، يبقى الرهان، وفقًا له، على "الوقاية، والاستثمار في البنية التحتية الثقافية، وتمكين المؤسسات، والعمل المشترك بين مختلف الجهات للحد من تفاقم الظاهرة".

يوسف حريري: التركيز المستمر على Montréal-Nord يعطي انطباعًا بأن المشكلة محصورة فيها 

استهلّ المحامي يوسف حريري حديثه بالإشارة إلى تصاعد التغطية الإعلامية للجرائم، قائلاً: "سمعنا في الأسبوع الماضي عن ثلاثة جرائم قتل خلال أسبوع واحد فقط، وهذا الأمر لم يحدث في مونتريال الشمالية فقط، بل في عدة مناطق أخرى أيضًا. لكن المشكلة أن الأضواء تُسلّط بشكل أساسي على مونتريال الشمالية، ما يؤثر على سمعتها".

وأضاف موضحًا: "هناك اهتمام إعلامي كبير، وقد وجّهت بلدية مونتريال نداء إلى الصحافة لتخفيف الضغط والتركيز على هذه المنطقة تحديدًا، لأن مثل هذه الحوادث تقع في مناطق متعددة، لكن لا يتم تناولها بنفس الزخم الإعلامي، ولا تُسلّط عليها الأضواء بالطريقة ذاتها".

ويرى حريري أن هذا التركيز يخلق صورة غير متوازنة، إذ قال: "هذا التركيز المستمر يعطي انطباعًا بأن المشكلة محصورة فيها، في حين أن هذه المنطقة، كغيرها، تحتوي على جوانب إيجابية وتطورات مهمة، وتضم تنوعًا ثقافيًا جميلًا، لكن عند وقوع أي حادثة سلبية، يتم إبرازها بشكل مبالغ فيه، دون تسليط الضوء على الجوانب الإيجابية".

واقع أمني معقّد يتجاوز حيًا واحدًا

أشار حريري إلى أن الجرائم ليست محصورة في منطقة بعينها، مؤكدًا أن "خلال الأسابيع القليلة الماضية، وقعت عدة حوادث في مختلف أنحاء مونتريال، لكن للأسف تم التركيز إعلاميًا على مونتريال الشمالية بشكل خاص". وأضاف أن هذا الواقع يدفع السكان إلى التساؤل عن "الحدود والحلول"، رغم أن "التحكم الكامل في ما قد يحدث في أي منطقة ليس ممكنًا".

وفي هذا السياق، لفت إلى أن الشرطة "اتخذت بالفعل بعض الإجراءات"، دون الدخول في تفاصيل دقيقة، مشيرًا إلى وجود "بيانات وإحصاءات تمت مناقشتها في اجتماعات تتعلق بالأمن العام".

الإحصاءات والجدل حول دقتها

أحد النقاط الحساسة التي تناولها حريري تتعلق بالإحصاءات المرتبطة بالجريمة، حيث قال: "تمت الإشارة إلى أن الجالية العربية، للأسف، تُظهر نسبة مرتفعة من بعض أنواع الجرائم وفق هذه الإحصاءات". لكنه سرعان ما طرح تساؤلات حول دقة هذه الأرقام، مضيفًا: "هل هذه الإحصاءات دقيقة فعلًا؟ أم أنها متأثرة بطريقة تطبيق القوانين والتدخلات، وربما بعوامل من بينها التحيز؟".

وشرح هذه الفكرة بالقول إن "طريقة التدخل نفسها قد تؤدي إلى تسجيل حالات ضمن فئة معينة، ما ينعكس على الإحصاءات"، داعيًا إلى قراءة هذه المعطيات بحذر وعدم التسرع في استخلاص النتائج.

الشباب بين الطموح السريع وضغط الواقع

وعن أسباب انخراط الشباب في الجريمة، أوضح حريري أن المسألة متعددة الأبعاد، قائلاً: "لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على الشرطة أو الدولة. فهناك عوامل أخرى، مثل لماذا ينخرط بعض الشباب في العصابات؟ هل هناك نقص في التوعية منذ الأساس؟".

ويضيف: "يبدو أن بعض الشباب يسعون إلى تحقيق المال بسرعة، دون إدراك أن النجاح يتطلب وقتًا وجهدًا وتعليمًا، كما فعلت الأجيال السابقة"، مشددًا على أهمية "وجود برامج تعليمية وتوعوية، وتقديم نماذج إيجابية من داخل الجاليات".

كما أشار إلى دور القدوة، موضحًا أن "بعض الجاليات تتقدم لأنها تبرز نماذج ناجحة وتدفع بها إلى الواجهة، لتُظهر أن النجاح ممكن بطرق قانونية ومن خلال العمل والاجتهاد".

وسائل التواصل والتضخم… ضغوط إضافية

ويرى حريري أن الضغوط الاجتماعية تلعب دورًا مهمًا، حيث قال: "هناك ضغط يتعلق بالمظاهر، إذ يشعر بعض الشباب أنهم يجب أن يمتلكوا سيارات فاخرة أو منازل كبيرة في سن مبكرة، لمجرد أنهم يرون غيرهم كذلك". ويضيف أن هذا الضغط "قد يدفع البعض إلى البحث عن طرق سريعة وغير قانونية لتحقيق الثراء".

وفي ما يتعلق بالتضخم الاقتصادي، أشار إلى أنه "قد يكون له دور، إذ زاد الضغط المالي على الناس، خاصة أصحاب الأعمال الصغيرة"، لكنه شدد على أنه "لا يمكن اعتباره السبب الوحيد"، لأن "هناك دائمًا من يتمكن من التكيف والصبر والعمل التدريجي".

كما حذّر من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: "من المهم توعية الجيل الجديد بعدم الانخداع بما يرونه، حيث يتم عرض مظاهر قد لا تعكس الواقع الحقيقي، ومن غير المنطقي أن يصبح الشخص ثريًا في سن مبكرة دون مسار واضح".

تحول في طبيعة العصابات

وفي تقييمه لطبيعة الجريمة، يميّز حريري بين الماضي والحاضر، موضحًا: "في الحقيقة، هذه المشاكل موجودة في جميع البلدان. وهناك فرق بين العصابات المنظمة وغير المنظمة. في الماضي، كانت العصابات أكثر تنظيمًا، وكانت تتجنب تعريض المدنيين للخطر، وكانت الشرطة تعرف هياكلها وأفرادها".

ويتابع: "أما اليوم، فقد أصبحت الأمور أكثر فوضوية، حيث لم يعد هناك نفس المستوى من السيطرة أو التنظيم، وأصبحت العصابات لا تأخذ بعين الاعتبار وجود أطفال أو عائلات في محيطها عند ارتكاب الجرائم".

كما عبّر عن قلقه من صغر سن المنخرطين، قائلاً: "نلاحظ انخراط شباب صغار جدًا، أحيانًا في سن 14 أو 15 عامًا، بل وحتى أصغر من ذلك، في أعمال خطيرة، وهذا يطرح تساؤلات حول الأسباب".

مسؤولية مشتركة وفراغ تربوي

يرى حريري أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي "مسؤولية مشتركة تشمل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والمؤسسات". ويشير إلى أن انشغال الوالدين بالعمل "قد يؤدي إلى غياب الرقابة الأسرية، فيبحث الشباب عن الانتماء في الشارع أو بين الأصدقاء".

كما لفت إلى تغير دور المؤسسات التربوية، موضحًا أن "التغير في دور المدرسة والأسرة أدى إلى غياب نفس مستوى الانضباط والتعاون كما في الماضي، ما ساهم في خلق نوع من الفراغ التربوي".

دور البلدية والوقاية المجتمعية

وعن دور البلدية، يؤكد حريري أنها تستطيع "المساهمة في التوعية وتعزيز الأمان، لكنها لا تستطيع التحكم الكامل في كل شيء". وشدد على أهمية "برامج توعوية مستمرة، يشارك فيها أيضًا جهاز الشرطة، من خلال التواصل مع المدارس والمجتمع، كما كان يحدث في السابق".

وختم بالتأكيد على أن هذا الفراغ التربوي والاجتماعي "قد يدفع بعض الشباب إلى الانجراف نحو بيئات غير سليمة، بحثًا عن الانتماء أو المال، ما يزيد من احتمالية انخراطهم في سلوكيات خطرة"، داعيًا إلى معالجة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف العوامل المؤثرة في هذه الظاهرة.

سهام المحمد: العنف ليس ظاهرة جديدة بالكامل

بعد الاطّلاع على الإحصاءات الكندية وإشارة كلّ من عبد الحق ساري ويوسف حريري إلى انخراط فئة الشباب والمراهقين في العمليات الإجرامية، والاطّلاع على شهادات ميدانية من داخل المؤسسات التعليمية في مونتريال لوجود تحوّلات ملحوظة في سلوك طلاب المرحلتين الرابعة والخامسة ثانوي، تواصلنا مع المعلمة سهام المحمد التي تدرّس صفوف الرابع والخامس ثانوي في إحدى مدارس Montréal-Nord.

أكّدت سهام المحمد أن العنف ليس ظاهرة جديدة بالكامل، موضحة أن "الألعاب العنيفة مثل البلايستيشن موجودة منذ زمن، كما أن المجتمع لم يكن يومًا خاليًا من العنف". لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن ما تغيّر هو حجم الظاهرة وحدّتها، إذ تقول: "في السنوات الأخيرة، أصبح هناك عدد أكبر من حالات إيقاف الطلاب، كما أن الشجارات بينهم ازدادت بشكل واضح".

وأضافت أن العنف لم يعد يقتصر على مشادات كلامية، بل تطور إلى اعتداءات جسدية وتهديدات متبادلة، موضحة أن "الطلاب باتوا يتشاجرون ويضربون بعضهم البعض، ويجربون ممارسة العنف، بل يصل الأمر إلى التهديد، وحتى الألفاظ البذيئة أصبحت شائعة جدًا".

حضور أمني دائم ومخاوف متصاعدة

ولفتت المحمد إلى وجود أمني ملحوظ حول المدارس، حيث "تتواجد سيارات الشرطة بشكل دائم تقريبًا بالقرب من المدرسة، ليس فقط في مدرستنا بل في Montréal-Nord بأكمله"، مشيرة إلى أن الهدف من ذلك هو "المراقبة والتدخل السريع في حال حدوث أي مشكلة".

كما تتحدث عن ظاهرة المجموعات الطلابية المغلقة، أو ما يُعرف بـ"الكليكات"، التي تتشكل داخل المدارس، وتقول إن "كل مدرسة تقريبًا فيها مجموعة أو أكثر من الطلاب الذين يشكلون تحالفات فيما بينهم، وأحيانًا تنشأ بينهم خلافات". وترى أن هذه الديناميكيات قد تتطور إلى ما هو أخطر، معبّرة عن مخاوف من "احتمال تحول هذه الخلافات يومًا ما إلى اعتداءات حقيقية".

بدايات قد تقود إلى "عصابات الشوارع" Les gangs de rue 

وعن طبيعة هذه المجموعات، توضح المحمد أن بعضها يرتبط بما يُعرف بـ"عصابات الشوارع" Les gangs de rue ، التي وصفتها بأنها "مجموعات منظمة بشكل غير مباشر، وغالبًا ما يكون وراءها أشخاص أكبر سنًا يديرونها من الخلف، ويستخدمون المراهقين كواجهة".

وترى أن الانخراط في هذه المجموعات يبدأ غالبًا بشكل تدريجي، إذ "يبدأ الأمر بعلاقات صداقة، ثم يخرج الطلاب معًا خارج المدرسة، وتتكون مجموعات تتحول لاحقًا إلى ما يشبه العصابات". وتؤكد أن هذه الظاهرة "لم تعد محصورة بمنطقة معينة، بل موجودة تقريبًا في كل مكان، حتى وإن كانت أكثر وضوحًا في بعض المدارس".

وفي ما يتعلق بكيفية تعامل المدارس مع هذه الظواهر، تشير المحمد إلى وجود إجراءات واضحة، حيث يتم التعامل مع حالات تعاطي المخدرات داخل المؤسسة عبر مختصين، مثل المشرفين التربويين والأخصائيين النفسيين التربويين وخبراء الإدمان، بهدف "التدخل المبكر والعمل مع الطالب".

أما في الحالات الأكثر خطورة، مثل حمل سلاح أو الاشتباه ببيع المخدرات، فتؤكد أنه "يتم التواصل مباشرة مع الشرطة". وتضيف أن "حالات من هذا النوع حدثت بالفعل، ليس باستخدام أسلحة نارية، ولكن باستخدام سكاكين أو أدوات حادة"، مشيرة إلى أن الإجراءات قد تصل إلى "يقاف الطالب أو نقله إلى مدرسة أخرى".

الفقر والبحث عن الانتماء… بوابة الانحراف

وتُرجع المحمد انخراط بعض المراهقين في هذه المجموعات إلى عدة عوامل، أبرزها العامل المادي، قائلة إن "المال والفقر من أهم الأسباب". وتشرح آلية الاستدراج بقولها: "في البداية، تجعل المجموعة الشاب يشعر بالانتماء وبأنه مهم ومحبوب، وهذا يعزز شخصيته، خاصة إذا كانت ضعيفة، ثم يبدأ إغراؤه بالمال، ويتم سحبه تدريجيًا إلى داخل هذه الدائرة".

وترى أن وعي المراهقين بخطورة ما يقومون به محدود، موضحة أن "من يكون واعيًا عادةً لا ينحرف، لكن من لم يتلقَّ التوعية منذ الصغر، من الصعب أن يكتسبها لاحقًا".

وعن كيفية التمييز بين سلوك المراهقة الطبيعي والخطر الحقيقي، تقول سهام المحمد إنها تعتمد على ملاحظة التفاصيل اليومية داخل الصف، مثل "مدى مشاركة الطالب، ومحاولته الفهم، وإنجازه للواجبات، إضافة إلى تغيّر في ملامح وجهه واحمرار عينيه". وتشدد على أهمية بناء علاقة مع الطالب، لأنها "تساعده على التعبير عما يمر به".

وتستعرض تجربة شخصية مع أحد الطلاب، حيث لاحظت تغيّرًا في سلوكه، قائلة: "كان يأتي إلى الصف وعيناه حمراوان". وتضيف أنها عملت على بناء علاقة معه والتواصل مع أسرته، وبالتعاون مع الإدارة "تمكنا من إبقائه في المدرسة بدل طرده".

وتتابع: "اليوم عندما أراه أشعر بالتأثر، لأنه كان طالبًا ذكيًا ويتعاطى المخدرات، واستطعنا أن نجعله يشعر بالأمان داخل المدرسة، فتوقف عن التعاطي وتخرّج هذا العام". وتؤكد أن هذه الحالة "تُظهر أهمية التدخل المبكر"، مع الإقرار بأن "من المستحيل تطبيق ذلك مع جميع الطلاب".

أشارت سهام المحمد إلى أن الحالات تختلف من طالب لآخر، إذ "بعض الطلاب يبدون طبيعيين جدًا، لكن نكتشف لاحقًا أنهم يعيشون ظروفًا صعبة، والبعض يعاني من الحزن أو الاكتئاب"، بينما يظهر آخرون "غضبًا دائمًا يحاولون تفريغه"، في حين يسعى بعضهم "إلى لفت الانتباه وإثبات الذات".

وترى أن البحث عن الانتماء يلعب دورًا محوريًا، مؤكدة أن "هذا الشعور موجود لدى الجميع في مرحلة معينة"

الحل يبدأ من المنزل… والوقاية أولًا

وعن الحلول الممكنة، تصف المحمد القضية بأنها "سؤال كبير جدًا وليس له جواب بسيط". وتؤكد أن دور المعلم محدود، قائلة: "نحن لسنا مسؤولين عن كل شيء، وهناك حدود لدورنا".

وشددت على أن "البداية يجب أن تكون من المنزل، من الأهل، من التربية منذ الصغر"، معتبرة أن الاعتماد على أن الطفل "سيتعلم وحده مع الوقت" أمر غير واقعي.

فرغم الجهود التي تبذلها المدارس، ترى المحمد أن هناك خللًا واضحًا في دور الأسرة، مشيرة إلى أن "المدارس تقوم بجهد كبير، لكن هناك نقص من جهة الأهل". وتوضح أن بعض الأسر "تكون غائبة أو مشغولة، ولا تلاحظ التغيرات التي تطرأ على أبنائها".

وأضافت: "هناك طلاب يخرجون من المنزل ويعودون دون أن يعرف الأهل ماذا يفعلون خارج المنزل"، معتبرة أن المتابعة الأسرية عنصر أساسي في الوقاية.

كما ترى أن دور المؤسسات الأمنية يأتي غالبًا بعد وقوع المشكلة، موضحة أن "الشرطة تتدخل عادة بعد حدوث الانحراف"، رغم وجود جهود توعوية وزيارات مدرسية.

وختمت بالقول: "حتى مع وجود التوعية، إذا كان الطالب مصممًا على الانحراف، فمن الصعب منعه بالكامل"، مؤكدة أن الحل الحقيقي يكمن في "الوقاية المبكرة والتعاون بين المدرسة والأسرة".

مراجع:

(1)https://www150.statcan.gc.ca/n1/pub/85-002-x/2020001/article/00001/montreal-eng.htm

(2) https://shorturl.at/Q2WpZ

(3) https://crimemaps.ca/city/montreal/year/2026/?utm_source=chatgpt.com