Sadaonline

زيت لمحرك السيارة أم لتشحيم ماكينة الكراهية؟

المشكلة في الزيت الذي تُشغّل به بعض وسائل الإعلام ماكينة السردية: انتقائية، تبسيط، وعدو يُستخرج من الدُرج عند الحاجة

د. علي ضاهر

كتب أحدهم يسأل: "دفعتُ 150 دولارا مقابل تغيير زيت اصطناعي لسيارتي، بينما كانت العملية نفسها تكلّف أقل بكثير في الخريف الماضي. هل تمَّ استغلالي"؟
 سؤال بسيط وعادي، لا يحتاج إلى خبير اقتصادي. لكن ردّ الكاتب الاقتصادي في صحيفة جورنال دي مونتريال كان شيئا آخر تماما. إذ أخذ السائل والقراء معه في رحلة تيه مشحونة بالغموض، في صحراء جيوسياسية تشبه رحلة التيه الكبرى عقب الخروج من مصر. غير أن التيه هذه المرَّة لم يبدأ من سيناء، بل من كراج الحيّ في مونتريال، ليلاحق صاروخًا إيرانيًا، وينتهي في مصنع قطري!
بصراحة، لا أطمح إلى منافسة "آدم سميث" العصر الحديث الذي تقمّصه هذا الصحفي، ولا إلى تفكيك أرقامه. كل ما أريده هو الإشارة إلى سردية مهيمنة على الإعلام الكندي والغربي عمومًا. سردية تهرع، كلما اهتزت ميزانية المواطنين بفعل قرار حكومي أو تقلّبات سوق، إلى البحث عن "شرّير جاهز" تُعلّق على رقبته كل الخطايا، متّهمة إياه بتعكير صفو المواطن الكندي البسيط، وتهديد لقمة عيشه، ودفعه إلى النقمة على ذلك الشرير وما يمثّله!
المشكلة أن هذه السردية يقدّمها كاتب يُفترض أن يتحدّث بلغة الأرقام، لا بلغة الحكايات المعلّبة. فهذا الجهبذ قرّر تبني نظريّة "العدو المفترض سلفًا"، أي انه نحّى العوامل المؤثّرة، ثم التقط عاملا يخدم روايته، حرّفه ولوى عنقه وزجّه في خدمة موقفه السياسي، مبررًا به قفزة سعر الزيت، فجاء ردّه على سؤال القارئ: " للأسف، هذه هي المفاجأة السيئة التي تنتظر جميع السائقين. فإذا كان سعر تغيير الزيت قد قفز فجأة، فذلك لأن حرب إيران قررت أن تزور حجرة محركك وتترك بصمتها هناك"!
وهنا لا يسعني إلا أن أبتسم. "حرب إيران"؟ هكذا، بلا فاعل، بلا سياق، بلا تاريخ، وبلا مَن أطلق الرصاصة الأولى؟ حرب كالجندي المجهول، غير معروفة الاصل، تتجوّل وحدها كأنها كائن مستقل قرر زيارة محرّك سيارتك! قد تكون، بحسب هذه الصياغة العبقرية، حربًا بين الإيرانيين والفرس، أو بين الإيرانيين أنفسهم، أو ربما بين أصفهان ومشهد! المهم ألّا نعرف من يحارب من، ومن بدأ، ولماذا اندلعت الحرب. فكل ذلك يصبح تفصيلًا مزعجًا عندما تكون الغاية هي توجيه غضب القارئ نحو العدو المطلوب! المهم أن الحرب "هناك"، ومحرّكك "هنا"، وأنك وحدك تتحمّل زيادة الكلفة التي سبّبتها تلك الحرب في إيران. أو بالأحرى في ذلك البلد الذي يُقدَّم في الخطاب الإعلامي، عند الحاجة، باعتباره "بلد آيات الله الأشرار"، لإثبات انهم فعلا اشرار رفعوا سعر زيت سيارتك. أمّا من صنع الشر، ومن أشعل النار، ومن راكم أسبابَ الصراع وعمّق جذوره، فتلك قصة أخرى! 
ثم يواصل صاحبنا ليشرح السبب، فيقول: "المشكلة؟ أن ما يقارب نصف هذه المادة الأولية التي تُستورد إلى أميركا الشمالية يأتي من الشرق الأوسط، من قلب الصراع الذي لا ينتهي"!!! هنا تتجلّى براعة التعمية. فالشرق الأوسط يُقدم كأنه منطقة تنتج الحروب كما تنتج التمور، وكأن الصراع جزء من جينات أهلها. لا سياسات دولية، ولا تدخلات خارجية، ولا مصالح نفطية، ولا تاريخ من العقوبات والحروب والتحالفات! هناك فقط "صراع لا ينتهي"، ممتدًا من أيام قايين وهابيل وصولًا إلى عصرنا الحالي! صراع بلا صاحب ولا قرار سياسي، يطفو في الهواء ثم يهبط مباشرة على جيب المواطن الكندي، وكأن الشرق الأوسط يرسل فواتيره بالبريد إلى كراج الحيّ.
ويضيف: "أما المذنب الأكبر؟ فأكبر مصنع في العالم، الموجود في قطر، تلقّى ضربة بصاروخ إيراني، فقضى على نصف إنتاجه"! وهنا، كما يقول زياد الرحباني، "اشتغل الوضوح"! يظهر هدف الكاتب عاريًا تمامًا: المذنب الأكبر هو الصاروخ الإيراني. صاروخ لئيم ضربه مهوسون دينيون فأصابوا مصنعا بريئا همّه تزويد العالم بالزيوت، فأكلتَ الضربةُ، أنت أيها المواطنَ الكندي المسكين! هكذا تُبنى الحكاية: الحرب نفسها بلا صاحب، والصراع بلا تاريخ، لكن الصاروخ له هوية، وإيران لها عنوان!
ثم يختم كاتبنا المفوّه حكايته: "قد يكون الصراع في إيران يدور على بُعد 10 آلاف كيلومتر من هنا، يا سيرج، لكن الفاتورة تعرف الطريق جيدًا إلى كراج الحيّ"! وفي هذه اللحظة تخيّلت الفاتورة وهي محمولة على طائرة صغيرة، تعبر المحيطات وتصل إلى كراج الحيّ، بينما الحرب تواصل التجوّل بلا صاحب ولا سبب.
 جميل جدًا! رواية متماسكة ومشوقة: فيها صاروخ، ومصنع، وشرق أوسط، و"سيرج" المسكين الذي بدأ بسؤال عن زيت سيارته وانتهى مصيره في قلب الجغرافيا السياسية للكرة الأرضيّة! لكن في كل هذه الرواية، أين أميركا؟ وأين إسرائيل؟ وأين الاعتداءات والتدخلات والعقوبات والسياسات النفطية وتاريخ المنطقة الذي جعلها ما هي عليه؟ Nada، Niet،Nothing ،Rien ... لا شيء! لأن دس السمّ لا يحتاج إلى كل ذلك. يكفي أن يكون هناك شرّير جاهز، "جسمه لبيس".
وبالطبع، لا يعني ذلك أن الأزمات الجيوسياسية لا تؤثر في أسعار المواد الأولية! من السذاجة إنكار ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عامل واحد مجتزأ إلى تفسير كامل، وتصبح كل الطرق المؤدية إلى فاتورة المواطن تمرّ حصريًّا عبر الشرق الأوسط وايران حصرًا، بينما تُطوى صفحات كاملة من التاريخ والاقتصاد والسياسة حتى لا تفسد "القصة الجميلة" التي يراد بيعها للقارئ. 
المشكلة إذن ليست في سعر الزيت. المشكلة في الزيت الذي تُشغّل به بعض وسائل الإعلام ماكينة السردية: انتقائية، تبسيط، وعدو يُستخرج من الدُرج عند الحاجة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: ليس كم كلَّفنا تغيير زيت السيارة، بل كم كلَّفنا تغيير زيت الحقيقة؟ فالصحافة التي تبدأ بسؤال عن فاتورة الزيت وتنتهي بصناعة عدو، لا تكون قد شرحت الاقتصاد، بل قامت بتشحيم ماكينة الكراهية.