مونتريال- دارين حوماني
في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الصحافي الفلسطيني أنس الشريف، نظّم المجلس التنسيقي لدعم فلسطين (CC4P) وحركة الشباب الفلسطيني (PYM) ومنظمة الكنديين من أجل العدالة والسلام (CJPME) ندوة تكريمية للصحافيين الذين استشهدوا في غزة والضفة الغربية ولبنان؛ وذلك يوم السبت 22-8-2026 في مونتريال.
ركزت الندوة على دور الصحافة الميدانية في توثيق الحرب، وعلى الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للعاملين في الإعلام، والصعوبات التي يواجهونها في نقل الوقائع من غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية.

آمنة عطية
آمنة عطية: لا يمكننا الاعتماد على وسائل الإعلام الغربية لنقل الحقيقة إلينا لأنها خذلت شعبنا بالفعل
افتتحت الناشطة آمنة عطية الندوة بالتذكير بأن تكريم أنس الشريف لا ينبغي أن يقتصر على لحظة استشهاده، بل يجب أن يستعيد أيضًا حياته ومسيرته الصحافية. وقالت عطية إن الشريف كان من الصحافيين الذين رفضوا مغادرة شمال غزة رغم أوامر الإخلاء، وواصل تغطيته اليومية للحرب في ظروف بالغة الخطورة. وترك خلفه زوجته بيان وطفليه شام وصلاح، إضافة إلى وصية حملت عبارته التي أصبحت محورًا للندوة: "لا تنسوا غزة".
وفي وصيته، كتب الشريف "أُوصيكم بفلسطين. أوصيكم ألا تكمّمكم القيود، ولا أن تعيقكم دعوة الحدود. كونوا جسورًا لتحرير الأرض والشعب حتى تُشرق شمس الكرامة والحرية على وطننا المغتصب".
ورأت عطية أن الصحافيين الفلسطينيين الذين واصلوا العمل في غزة لم ينقلوا أرقام الضحايا فحسب، بل قدموا للعالم صورة يومية للحياة تحت القصف والنزوح والجوع، قائلة إنهم جعلوا الجمهور يرى ما يحدث ويسمع أصوات الأمهات الثكالى والأطفال والناجين.
وأضافت أن الصحافة الميدانية أصبحت الوسيلة الأساسية التي حالت دون اختفاء ما يحدث في غزة عن العالم، منتقدة أداء وسائل الإعلام الغربية واتهمتها بالتقصير في نقل حقيقة الحرب، قائلة: "لا يمكننا السماح للاحتلال باستخدام خطاب وقف إطلاق النار لتلميع صورته بينما يستمر القتل، ولا يمكننا الاعتماد على وسائل الإعلام الغربية لنقل الحقيقة إلينا لأنها خذلت شعبنا بالفعل. لقد فشلت في تسمية الإبادة الجماعية التي كانت تحدث أمام أعيننا".
وألقت الشاعرة هيلين الغضبان قصيدة مؤثرة في مستهلّ الندوة عن فلسطين ولبنان، كما اختُتمت الندوة مع الشاعرة هوانا مرعي بقصيدة مماثلة.

علي سلمان
"معركة على الرواية"
أدار النقاش الناشط علي سلمان الذي عرّف بالمشاركين، الصحافي اللبناني محمد محسن، والصحافية والناقدة الإعلامية سناء سعيد، والصحافية الفلسطينية الكندية شيرين السلطي.
وفي مستهل النقاش، طرح سلمان سؤال حول أهمية الخطاب الإعلامي في مكافحة الإبادة الجماعية؟ وكيف أحدثت التقارير الميدانية ووسائل التواصل الاجتماعي التي نشرها الصحافيون في غزة تغييرات في وسائل الإعلام الغربية وساهمت في عزل إسرائيل.
وصف محمد محسن ما جرى في غزة بأنه "معركة من أجل الحقيقة"، و"معركة على الرواية"، معتبرًا أن الحرب لم تكن عسكرية فقط، وإنما كانت أيضًا صراعًا على الرواية التي ستصل إلى الجمهور العالمي.
وقال: "إن تهجير الناس ومحو وجودهم من أرضهم لا يتطلب العمليات العسكرية فقط. يتطلب الأمر بشكل أساسي، سرديات مضللة ومزيفة".
وقال إن استهداف الصحافيين، بحسب رؤيته، كان جزءًا من محاولة منع الروايات التي تناقض الرواية الإسرائيلية من الوصول إلى العالم. وأشار إلى أن الصحافيين تعرضوا، للقتل والتهديد، "في سعيهم لطمس الحقيقة" كما استُهدفت منازلهم وعائلاتهم، فيما مُنع الصحافيون الدوليون المستقلون من دخول غزة.
وذكر أنه في عام 2025 اغتيل أكثر من 129 صحافيا، أكثر من 67% منهم كانوا في غزة. أما في عام 2024، فكان العدد 125.

محمد محسن
واعتبر محسن أن قتل الصحافيين يعني، في هذا السياق، قتل الشهود على الأحداث، مضيفًا أن ما وصفه بـ"الإبادة الصحافية" تزامن مع الحرب الأوسع التي شهدتها غزة. مشيرًا إلى تخصيص ميزانيات ضخمة لوسائل التواصل الاجتماعي، وللمؤثرين، وللتعاون مع صحافيين يمكنهم التظاهر بأن روايتهم صحيحة.
من جهتها، قالت سناء سعيد إن ما تملكه دولة إسرائيل هو سلسلة من الروايات التي نُسجت على مدار مئة عام.
واعتبرت أن الصحافيين في غزة قدموا رواية بصرية بديلة للروايات السائدة عن الحرب الإسرائيلية على غزة والتي "لا تأتي من الإسرائيليين فحسب، بل من الأمريكيين والكنديين والقوى الغربية ووسائل الإعلام والمنظمات أيضًا. وأن "عمل الصحافيين الفلسطينيين في غزة بمثابة فتح أعين مئات الملايين من الناس حول العالم، على حقيقة دولة إسرائيل".
وأوضحت أن الصحافيين الذين حملوا كاميراتهم إلى مواقع القصف والدمار لم يكونوا، في رأيها، مجرد ناقلين للأخبار، بل كانوا أنفسهم جزءًا من المجتمع الذي يعيش الحرب. واعتبرت أن صورهم وشهاداتهم ساهمت في فتح أعين ملايين الأشخاص حول العالم على ما يجري.
وانتقدت الأنظمة التي تملك السلطة في عالمنا، والقانون الدولي، والولايات المتحدة نفسها بالطبع، الذين تخلوا فورًا عن مبادئهم المعلنة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، "كل هذه الأمور استُخدمت كسلاح ضد شعوبنا لعقود من الزمن".
وقالت إن السنوات الثلاث الماضية أظهرت، بحسب تعبيرها، تناقضًا حادًا بين نموذجين للصحافة: صحافة ميدانية يدفع أصحابها حياتهم ثمنًا لنقل ما يرونه، وصحافة اتهمتها بالتواطؤ أو بالتقصير في مواجهة القتل.

شيرين السلطي
دعوة الحكومة الكندية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه إسرائيل والمستوطنات
وجّه سلمان سؤالًا إلى شيرين السلطي عن سوء معاملة الصحافيين في السجون الإسرائيلية. التي بدأت مداخلتها بالتأكيد على أن وراء كل إحصائية إنسانًا وعائلة ومجتمعًا.
وذكرت أن المركز الفلسطيني للتنمية وحرية الإعلام (مدى) كشف "عن نمط مقلق ومستمر من الانتهاكات ضد الصحافيين والإعلاميين الفلسطينيين". وقد وثّقت أكثر من 6200 انتهاك لحرية الإعلام في فلسطين منذ العام 2008. وأشارت إلى تقرير للجنة حماية الصحافيين بأن "إسرائيل قتلت صحافيين أكثر من أي حكومة أخرى منذ أن بدأت بجمع البيانات عام 1992".
وقالت إن الصحافيين الفلسطينيين في غزة عملوا في ظروف استثنائية، ووثقوا الخسائر والنزوح والتهجير والبقاء، ومنحوا مساحة لأشخاص قالت إن قصصهم جرى تجاهلها أو قمعها. وأنهم كانوا "رواة قصص" و"حملوا كاميراتهم بدلًا من الأسلحة، ودفاترهم بدلًا من الدروع". معتبرة أن الصحافة في هذه الظروف لا تقتصر على توثيق الأحداث، بل ترتبط أيضًا بحماية كرامة الضحايا ومنع اختفاء معاناتهم من الذاكرة.

شيرين السلطي وسناء سعيد
كما أشارت السلطي إلى نتائج تقارير لمنظمة أوكسفام كندا التي تعمل معها عن شهادات جُمعت من صحافيات تُشير إلى تصريحات خطيرة بالعنف الجنسي ضد صحافيات فلسطينيات محتجزات. بما في ذلك التعري القسري والمعاملة المهينة أثناء عمليات التفتيش والاستجواب. مستغربة أن "الكثير من الكنديين لا يعرفون الكثير عن العنف الجنسي الذي يتعرض له الصحافيون داخل السجون الإسرائيلية".
وانتقلت السلطي من توصيف الانتهاكات إلى الحديث عن الدور الذي يمكن أن تؤديه كندا، داعية الحكومة الكندية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه إسرائيل والمستوطنات، وإلى دعم إجراء تحقيق مستقل وشفاف في مقتل الصحافيين. معتبرة أن العقوبات التي فرضتها أوتاوا ضد أفراد ومنظمات تزعم أنها سهّلت عنف المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية غير كافية. مشيرة إلى أن ضرورة سن تشريع رسمي يحظر التبادل التجاري والاستثمارات المالية وتبادل الخدمات مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
جنوب لبنان: حين تصبح التغطية قرارًا محفوفًا بالخطر
انتقل النقاش بعد ذلك إلى جنوب لبنان، وعن درجة الأمان في التغطية وعن أساليب الترهيب التي استخدمها الكيان الصهيوني لترهيب الصحافيين على الأرض.
محمد محسن الذي شارك كمراسل حربي في تغطية الحرب الإسرائيلية على لبنان وكان متواجدًا في قرية عيتا الشعب الحدودية التي كانت من بين بؤر التوتر في هذه الحرب، قال إن السلامة المهنية عنصر أساسي في عمل الصحافي، لكن الصحافي في مناطق القتال يواجه معضلة بين حماية حياته وبين ترك المكان من دون شهود قادرين على نقل ما يحدث.
وأوضح أن كثيرًا من الصحافيين في جنوب لبنان اختاروا مواصلة العمل رغم المخاطر، معتبرًا أن ما وُصف بوقف إطلاق النار لم يُنهِ، من وجهة نظره، الخطر على الصحافيين أو المدنيين.
وتحدث محسن عن مقتل الصحافي في وكالة رويترز عصام عبد الله، مشيرًا إلى أن الصحافيين كانوا ظاهرين في موقع التغطية، وأن القصف الذي أصابهم لم يكن حادثًا عرضيًا.
كما تحدث عن استهداف أماكن كان الصحافيون يقيمون فيها، وعن استشهاد عدد من زملائه، محمد رضا، وحسن نجار، ووسام وربيع وفرح عمر، "كان واضحًا جدًا للجيش الإسرائيلي أنهم صحافيون"، معتبرًا أن تكرار هذه الوقائع تؤكد الاستهداف المتعمد.
وأشار إلى تأكيد التحقيقات أن آمال كانت على قيد الحياة لمدة ثلاث ساعات، ولو أن الإسرائيليين تركوا سيارات الإسعاف تصل إليها، لكانت على قيد الحياة، إذ أنه منعوا سيارات الإسعاف من الوصول إلى آمال لنقلها إلى المستشفى الذي يبعد خمس عشرة دقيقة فقط عن المكان الذي صدموا فيه آمال وزميلتها زينب فرج.
واعتبر أنه لم تكن أهمية خليل مرتبطة بتغطية المعارك العسكرية فقط، وإنما بنقل تفاصيل الحياة اليومية لسكان الجنوب، وما لحق بالأراضي والمنازل والبنية الاجتماعية من دمار. معتبرًا أنها كانت حاضرة في السياق الإعلامي للحقيقة بقوة داخل جنوب لبنان.
وأشار إلى أن آمال كانت تشكل خطرًا كبيرًا على إسرائيل وتعرضت لتهديدات قبل استهدافها، قائلين لها: "سنفصل رأسك عن جسدك".
وتطرق لاستشهاد الصحافيين علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني الذين تم استهدافهم وهم يمرون بسياراتهم في مكان لا يتعرض للقصف، ولم يكنوا لحظتها يغطون الأحداث، وقال: "جميع قصص اغتيال الصحافيين في جنوب لبنان أكدت أن قتل الصحافيين في جنوب لبنان كان متعمدًا". إنهم يسعون لقتل أكثر الصحافيين نفوذًا وكفاءةً وشجاعةً في جنوب لبنان".
وقال إن الصحافيين في جنوب لبنان واجهوا أيضًا النزوح من منازلهم، والغارات في محيط أماكن عملهم، وأوامر الإخلاء، معتبرًا أن ذلك كله يهدف في المحصلة إلى إبعاد الصحافيين والشهود عن مناطق الدمار.
وأضاف أن الصحافي الذي يقرر مواصلة نقل ما يراه على الأرض يدرك أنه قد يصبح هدفًا، وأن سترات الصحافة وإجراءات السلامة لا تضمن بالضرورة الحماية. مشيرًا إلى "مخاوف كبيرة من إمكانية بناء مستوطنات في قرانا في جنوب لبنان. حتى الآن، لا يوجد شهود عيان، ولا صحافيون قادرون على التغطية من تلك المنطقة لمعرفة ماذا يحصل هناك.

سناء سعيد
الضفة الغربية: "حاجز معلوماتي"
في الجزء التالي من النقاش، تناولت سناء سعيد أوضاع الصحافيين في الضفة الغربية، معتبرة أن القيود المفروضة عليهم تؤثر مباشرة في نوعية المعلومات التي تصل إلى الجمهور.
أشارت سعيد بداية إلى أن هناك رابطًا عميقًا بين طمس تاريخ جنوب لبنان وتجاربه مع الاحتلال الإسرائيلي مع ما يعانيه الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي "طمس التاريخ، والعنف، والمضايقات، والاعتداءات التي تعرض لها الصحافيون اللبنانيون، وتشويه صورتهم، إضافة إلى التهجير وما يحدث في محاولة إعادة احتلال جنوب لبنان.
وأكدت على "دور الولايات المتحدة في كل ذلك، وأنها ليست داعمًا أيديولوجيًا فحسب، بل وداعمًا ماليًا أيضًا لدولة إسرائيل التي ترتكب الإبادة الجماعية".
وأشارت إلى أنها في كل حرب تغلق "ما يُسمى "الحدود" معتبرة أن ذلك يحول دون وجود الصحافة المستقلة في لحظات الغارات والاعتقالات وعمليات الهدم واعتداءات المستوطنين.
كما تحدثت عن نقاط التفتيش والحواجز في الضفة الغربية واعتقال الصحافيين لانتقادهم الاحتلال والمستوطنين، معتبرة أنها لا تقيد حركة الفلسطينيين فقط، وإنما تعمل أيضًا بوصفها "حاجزًا معلوماتيًا".
وأوضحت أن الصحافي الفلسطيني يواجه قيودًا أكبر على الحركة من الصحافي الدولي، لأنه يعيش أصلًا تحت نظام الاحتلال العسكري والقيود المفروضة على الفلسطينيين في الضفة الغربية المليئة بنقاط التفتيش. مشيرة إلى أن التوجه إلى مناطق التوتر يتطلب عبور سبع نقاط تفتيش عسكرية، بعد 7 أكتوبر، "هذا يعني على الأرجح أنك لن تصل إلى إلى الحدث".
وقالت إن منع الصحافيين من دخول مناطق تعلنها القوات الإسرائيلية "مناطق عسكرية مغلقة" إذ أن "الجيش الإسرائيلي يقوم بعزل قرية أو مخيم لاجئين أو حي بأكمله أو أي منطقة تخضع لما يُسمى "عملية عسكرية". ثم يأمر الصحافيين بمغادرة تلك المناطق أو يمنعهم من الدخول. وهذا يعني أنه في أهم مراحل أي غارة أو عملية هدم أو اعتقال أو عدوان استيطاني، لا توجد صحافة مستقلة لتشهد على ذلك".
واعتبرت أن إخراج الصحافيين بالقوة من أماكن الأحداث يمثل وسيلة أخرى للحد من التغطية، مشيرة إلى حالات قالت إن قوات الاحتلال استخدمت فيها وسائل تفريق لإبعاد صحافيين عن مواقع أحداث في الضفة الغربية.
واعتبرت أن "الهدف من ذلك برمته هو منع التغطية وحماية المستوطنين الإسرائيليين. الذين ليسوا حالة شاذة. إنهم جزء لا يتجزأ من عملية بناء الدولة الإسرائيلية"
وبحسب سعيد، فإن الرقابة على الصحافة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ظاهرة استثنائية مرتبطة بما بعد 7 أكتوبر، بل باعتبارها، في توصيفها، جزءًا من منظومة أوسع للتحكم في المعلومات والروايات، مشيرة إلى أن "الرقابة ليست حالة شاذة، وليست مجرد حدث وقع بعد أحداث 7 أكتوبر، بل هي جزء لا يتجزأ من المشروع الإسرائيلي برمته. لأن ما يحتاجه المشروع الإسرائيلي للبقاء، ليس فقط نظام الفصل العنصري، ولا نظام الاحتلال، ولا حتى هيكل الإبادة الجماعية، بل لكي يبقى دولة، هو السيطرة الكاملة على الروايات".
المستوطنون ليسوا حالة شاذة. المجتمع الإسرائيلي برمته متطرف
وتطرقت سعيد أيضًا إلى تصاعد عنف المستوطنين ضد الصحافيين، معتبرة أن التعامل مع المستوطنين باعتبارهم "حالة شاذة" منفصلة عن الدولة يحجب طبيعة العلاقة بين المستوطنين والمؤسسات الإسرائيلي، "المجتمع الإسرائيلي برمته متطرف".
وأشارت إلى أن المستوطنين تحديدًا "هم نتاج وامتداد للدولة الإسرائيلية نفسها". وأن "تسليح المستوطنين وتوسيع قدرتهم على استخدام القوة جعلهم امتدادًا للعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون والصحافيون والنشطاء في الضفة الغربية".

أسئلة الجمهور
كيف يُستهدف الصحافيون؟
خلال فقرة الأسئلة والأجوبة، سأل أحد الحاضرين عن الطريقة التي يمكن من خلالها تحديد الصحافيين واستهدافهم.
أجاب محسن بأن الصحافيين الموجودين على الحدود وفي مناطق التغطية ليسوا أشخاصًا مختبئين، وأن مواقع عملهم معروفة، مشيرًا إلى وجود مراقبة مستمرة للمنطقة.
وتحدث عن الجمع بين وسائل المراقبة والاستخبارات والتقنيات التكنولوجية، لكنه شدد خلال المداخلة على ضرورة التمييز بين الاستخبارات والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلأى أنه "منذ أكثر من 90 عامًا. والطائرات بدون طيار تحوم في سماء الجنوب دون توقف".
وأضاف أن الصحافي، في رأيه، لا يستطيع التخلي عن مهمته المهنية لمجرد محاولة تقليل المخاطر، مؤكدًا أن عمل الصحافي يفرض عليه أن يكون حاضرًا وأن ينقل ما يحدث.
لماذا لا تحضر الصحافة الدولية إلى جنوب لبنان؟
كان أحد أبرز أسئلة الجمهور متعلقًا بغياب الصحافيين الدوليين عن جنوب لبنان، رغم مقتل الصحافيين المحليين.
قالت سناء سعيد إن غياب التغطية الدولية لجنوب لبنان لا يمكن تفسيره بعامل واحد، مشيرة إلى الضغوط المالية الكبيرة التي تواجهها غرف الأخبار الغربية، وتسريح الصحافيين، وتراجع الموارد المخصصة للتغطية الخارجية.
لكنها أضافت أن المسألة، في رأيها، تتجاوز الموارد إلى اختيارات تحريرية وأيديولوجية تحدد المناطق التي تستحق التغطية.
وانتقدت النظرة التي تختزل لبنان في بيروت، معتبرة أن جنوب لبنان يمتلك تاريخًا وتجربة مختلفة، ولا يمكن التعامل معه من خلال صورة واحدة عن البلد. معبّرة عن ألمها كصحافية لتهميش ما يحدث في جنوب لبنان "ليس من قبيل الصدفة أو مجرد مسألة موارد متضائلة أن لبنان لم يُذكر في سردية ما تفعله إسرائيل".
وقالت إن الصحافي الذي يتحدث إلى شخص واحد في بيروت لا يستطيع، في رأيها، تقديم تلك التجربة باعتبارها صورة عن لبنان بأكمله.
وخلصت إلى أن عدم تغطية جنوب لبنان بالشكل الكافي يمثل، بحسب تعبيرها، "خرقًا جسيمًا لأخلاقيات عملنا كصحافيين".

ماذا يستطيع الجمهور أن يفعل؟
في السؤال الأخير تقريبًا، سأل أحد الحاضرين عما يستطيع الفرد العادي فعله لدعم الصحافيين والقضية الصحافية.
وقال محسن بأن دور الجمهور أصبح أكثر أهمية مع تغير طبيعة الإعلام وصعود وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما لم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية تملك وحدها القدرة على تحديد ما يصل إلى الجمهور. وقال إنه في ظل واقع الإبادة الجماعية "لم يعد نقل الأخبار واجبًا على الصحافيين فقط".
وقال إنه ما "لا يمكنهم إخفاؤه هو أنهم يرتكبون إبادة جماعية. رغم كل ما مرّ به الصحافيون، لم يتمكنوا من منع شعوب العالم من معرفة أنهم يرتكبون إبادة جماعية في هذه اللحظة التاريخية لسببين".
مشيرًا إلى أن السبب الأول عدم قدرتهم على السيطرة على جميع وسائل الإعلام في العالم، والسبب الثاني هو دور الشباب والحركات في الغرب، والأكاديميين الذي كان له دور محوري في توضيح هذه الصورة ومنع إخفائها.
بدورها، دعت سعيد إلى دعم الصحافيين المستقلين، والاشتراك في منصاتهم، ومتابعة أعمالهم، ومساندتهم ماليًا عندما يكون ذلك ممكنًا.
كما دعت إلى دعم الصحافيين الفلسطينيين في غزة، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم يعيشون في ظروف نزوح قاسية ويحتاجون إلى المال والمعدات والرعاية الطبية للاستمرار في العمل.
وشددت على أهمية عدم الاكتفاء بمتابعة الصحافيين الذين يشاركون الجمهور آراءه، داعية إلى قراءة ومتابعة مصادر مختلفة لفهم كيفية بناء الروايات الإعلامية وترويجها.

"أوصيكم بفلسطين"
في ختام الندوة، عاد علي سلمان إلى كلمات أنس الشريف الأخيرة "أوصيكم بفلسطين".
وقال إن استذكار الشريف لا يعني فقط تخليد ذكراه وذكرى الصحافيين الذين قُتلوا، بل يعني أيضًا، بحسب تعبيره، اتخاذ موقف من أداء المؤسسات الإعلامية الغربية وطريقة تعاملها مع الحرب. وأكد أن الصحافي الذي يواصل الوقوف أمام الكاميرا تحت القصف ويؤدي عمله لأشهر في سترة الصحافة سيترك شهادة يصعب محوها، لأن كلماته نابعة من تجربته المباشرة.
تعليقات من الحاضرين

جمانة الحاج حسن
جمانة الحاج حسن: مواصلة مسيرة الصحافيين الشهداء تمثل مسؤولية تقع على عاتقنا
أعربت الناشطة في منظمة "كلنا غزة"، جمانة الحاج حسن عن استفادتها الكبيرة من النقاشات والشهادات التي طُرحت، مشيرةً إلى أن الندوة أتاحت لها فرصة للتعرّف عن قرب إلى تفاصيل الحياة اليومية للعاملين في نقل الحقيقة، والتي لا تظهر كاملة عبر الكاميرا.
وقالت إن ما شاهدته خلال الندوة جعلها تدرك بصورة أكبر حجم الصعوبات التي يواجهونها، ومدى خطورة مهمتهم في نقل الحقيقة في ظل الظروف الراهنة، مؤكدةً أن مسؤولية دعمهم لا تقتصر عليهم وحدهم، بل تشمل أيضًا عائلاتهم وأطفالهم وأهلهم وبيوتهم وحياتهم.
وشددت الحاج حسن على أن دعم القضية الفلسطينية ولبنان هو، في جوهره، دعم للحق، معتبرةً أن مساندة هؤلاء العاملين تقتضي أيضًا الحفاظ على الإرث الذي تركوه ومواصلة المسيرة التي بدأوها.
وأشارت إلى أسماء عدد من الذين تركوا إرثًا في هذا المجال، من بينهم أنس وآمال وعلي شعيب وفاطمة فتوني، مؤكدةً أن مواصلة مسيرتهم تمثل مسؤولية تقع على عاتق من جاء بعدهم.
وختمت الحاج حسن بالتشديد على أن حمل هذا الإرث ومواصلة الوصية هما شكل من أشكال الوفاء لمن قدموا جهودهم، واحترام للعمل الذي أنجزوه في سبيل نقل الحقيقة.

فرانسوا جِتي
فرانسوا جِتي: إسرائيل واحدة من أكثر الديكتاتوريات وحشية
أشار فرانسوا جِتي إلى أنه يتابع الأخبار باستمرار، إلا أن حضوره أتاح له الاطلاع على جوانب من العمل الصحافي لا تتوافر عادةً من خلال متابعة الأخبار وحدها، معتبرًا أن الاستماع إلى الصحافيين وهم يتحدثون مباشرةً عن مهنتهم وتجاربهم كان من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام بالنسبة إليه.
وأوضح أن هذا النوع من النقاشات يتيح للجمهور التعرف إلى وجهة نظر الصحافيين أنفسهم، وهي وجهة نظر لا تحظى، بحسب رأيه، بالقدر الكافي من الاهتمام. وقال إن الحضور إلى الندوة كان مدفوعًا جزئيًا بالرغبة في الاستماع إلى تجارب الصحافيين والتعرف إلى طبيعة عملهم من منظورهم الشخصي.
ولفت جِتي إلى أن الجمهور يدرك حجم العقبات والصعوبات التي يواجهها الصحافيون، إلا أن الاستماع إليهم مباشرةً يوضح بصورة أكبر كيفية تعاملهم مع هذه التحديات والطرق التي يعتمدونها للاستمرار في أداء عملهم، رغم الظروف الصعبة. واعتبرت أن هذه التجربة كانت مفيدة جدًا بالنسبة إليها، ولا سيما من هذه الزاوية.
وفي سياق حديثه عن أوضاع الصحافيين، وصف جِتي ممارسات إسرائيل تجاه الصحافيين بأنها تمثل، "شئيًا مقززًا"، و"أبشع صور الرقابة"، معتبرًا أن الأمر لا يتعلق فقط بمنع أو حذف وسيلة إعلامية، وإنما يصل إلى استهداف الصحافي نفسه، أي استهداف ناقل الحقيقة.
وانتقد بشدة وصف إسرائيل بالدولة الديمقراطية، معتبرًا أن استهداف الصحافيين وقتلهم يتناقض مع مفهوم الديمقراطية، "الديمقراطية لا تقتل الصحافيين، فمثلًا، قد تقتل السعودية صحافيين، لكنها ليست دولة ديمقراطية".
وأضاف جِتي أنه "عندما يقولون إن إسرائيل ديمقراطية، بينما لديهم الرقم القياسي لأكبر عدد من الصحافيين القتلى، فمن الواضح أنها ليست ديمقراطية. إنها واحدة من أكثر الديكتاتوريات وحشية".

فيرناند ديشامب
فيرناند ديشامب: الوصول إلى المعلومات ونقل ما يجري يمثل جزءًا أساسيًا من الصراع الدائر حاليًا على المستوى العالمي
أشار رئيس الحزب الماركسي اللينيني فيرناند ديشامب إلى أهمية الجلسة النقاشية، معتبرًا أن كثرة الأسئلة التي طُرحت خلالها تعكس استمرار وجود نقص في المعرفة حول القضية، ولا سيما في ما يتعلق بما يجري في فلسطين ولبنان.
ورأى أن ما طُرح خلال الجلسة يوضح، من وجهة نظره، أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبذلان جهودًا كبيرة لمنع وصول المعلومات وإخفاء حقيقة ما يحدث في فلسطين ولبنان، حيث يواجه شعبان، بحسب تعبيره، أشكالًا من العدوان والمقاومة.
واعتبر أن مسألة الوصول إلى المعلومات ونقل ما يجري تمثل جزءًا أساسيًا من الصراع الدائر حاليًا على المستوى العالمي، مشيرًا إلى أن ما يحدث في فلسطين يُظهر شعبًا يتمسك بحقه في الوجود ويسعى إلى إثبات هذا الحق من خلال مقاومته، وهو ما رأى أنه ينطبق أيضًا على الشعب اللبناني.
وقال: "يرى الناس مما يحدث في فلسطين أن هناك شعبًا يقول: "لي الحق في الوجود، وسأثبت ذلك من خلال مقاومتي". والشعب اللبناني يفعل الشيء نفسه، وهذا ما لا تريده هذه القوى العظمى".
وأضاف ديشامب أن القوى الكبرى تخشى انتقال هذا النموذج إلى شعوب وبلدان أخرى، معتبرًا أن من مظاهر ذلك عدم الرغبة في نقل ما يجري داخل صفوف حركات المقاومة أو إتاحة مساحة كافية للأصوات المعارضة للسياسات الحكومية.
وأشار كذلك إلى أن شعوبًا في دول عدة بدأت تتخذ مواقف تعبّر فيها عن رفضها لسياسات حكوماتها، والتأكيد أن هذه الحكومات لا تمثلها ولا تتحدث باسمها. وخلص إلى أن الشعوب هي التي تصنع التاريخ، وليس القوى الكبرى وحدها.
93 مشاهدة
23 أغسطس, 2026
330 مشاهدة
14 أغسطس, 2026
418 مشاهدة
27 يوليو, 2026