د. علي ضاهر
في هذا العالم فئاتٌ كثيرة، أكثر من الهمّ على القلب. لكن، اختصارًا للوقت والجهد وضيق المساحة، سأتناول فئتين فقط، لأن أعدادهما في السنوات الأخيرة تتكاثر أسرع من الأرانب، تلك “الآلات البيولوجية” التي تحمل الرقم القياسي بين الثدييات، بمن فيهم الإنسان!
الفئة الأولى تضمّ الذين يصدّقون المنجّمين والعَرّافين وسائر محترفي الدجل. أمّا الفئة الثانية فتضمّ الذين يصدّقون أمريكا ويرتمون في أحضانها. والمفارقة أن الفئتين تنتظرهما النهاية نفسها: مبلولتان تحت المطر، تبحثان عن غطاءٍ موعود لا يأتي.
فبين كل قارئي الكفّ وضاربي المندل والودع، والمبحلقين في فناجين القهوة والشاي والكاكاو، مرورًا بمفسّري نبوءات نستراداموس وجان ديكسون، ووصولًا إلى ميشيل حايك وليلى عبد اللطيف وجوي وأبو جدولة وأم غِرّة وأبو دنكورة، الذين يوزّعون التوقعات كما تُوزَّع الإعاشة على الجوعانين، برز رجل واحد بزّهم جميعًا، واستحقّ بجدارة أن يكون درّة تاجهم: حسني مبارك، الرئيس المصري السابق. لم يقرأ الكفّ، ولم يدوّن نبوءات غامضة، ولم يطلّ ليلة رأس السنة ليهتف: "أرى انفجارًا هنا وهدوءًا هناك"، لم يقل: فلان سيُقتل، وعلتان سيُخلع، وزيد سيربح، لم يذكر شيئًا من هذا الهراء، بل اكتفى بجملة واحدة، فجاءت أصدق من كل التوقعات، وجعلته أصدق من كل المتنبئين، حين قال: "المتغطي بلحاف الأمريكان عريان"! جملة تستحق أن تُعلّق فوق مدخل الأمم المتحدة، أو أن تعتمدها وزارة الخارجية الأمريكية شعارًا رسميًا لو كانت شفافة في علاقاتها وتحولها الى: نحن نغطّي، لكن بلا كفالة!
ولإثبات صدق مبارك، إليكم قائمة غير حصرية بمن شعر بالبرد تحت غطاء العم سام: الفيتناميون، تعلّقوا بطائرات الهليكوبتر على سطح السفارة الأمريكية في سايغون، قبل أن تتركهم الطائرة يلوّحون للفراغ؛ الأفغان، خدموا الجيش الأمريكي، وترجموا، ورافقوا، وطبخوا، وحملوا الماء، ثم وجدوا أنفسهم يركضون خلف طائرة جو "النعسان" بايدن، الذي نام فنسيهم في مطار كابول، في مشهد يصلح إعلانًا عن هشاشة الضمانات؛ الشاه البهلوي، شرطيّ الخليج ومؤدِّب قادته، الذي توهّم أن واشنطن ستسنده ما دام يرفع رايتها، فاكتشف عند لحظة الحقيقة أنّ الحليف الذي يوزّع الشعارات يطويها عند أول اختبار، فوجد نفسه وحيدًا في مهبّ ريح شعبه، ليتعلّم أن التحالف مع واشنطن يشبه مظلّة لا تُفتح إلا بعد الارتطام بالأرض؛ بن علي، ظنّ نفسه حليفًا مدلّلًا، ينتظر طائرة أمريكية تهبط له من السماء، فلم يجد حتى طائرة مستعملة، وانتهى به المطاف يتنقّل بين المطارات بلا وجهة، كأنه نسخة سياسية من توم هانكس في فيلم المحطّة!
ثم يقولون لك: غطاء العم سام؟ عن أي غطاء يتحدثون؟ الصوماليون المتعاونون، شاهدوا القوات الأمريكية تغادر بعد سقوط مروحيتين، تاركة البلاد في فوضى عارمة؛ العراقيون الحالمون، انتظروا المنّ والسلوى الأمريكية مغلّفة بالحرية والديمقراطية، فاكتشفوا أن المظلّات مثقوبة، وأن ما سقط عليهم شظايا ووعود تبخّرت قبل أن تلامس الأرض؛ حتى مبارك نفسه، صاحب المقولة، اكتشف أن الغطاء الأمريكي يشبه اشتراك الكهرباء في لبنان: يُلغى بضغطة زر؛ قطر التي نامت على وعود حرير غطاء العم سام، فاستيقظت على صواريخ الغدر، لكن ما باليد حيلة، وعلى صدرها جاثمة قاعدة العديد وعشرة آلاف جندي أمريكي، قاعدة تُدار منها الحروب وتُرسم فيها الخرائط، لكنها لا تفتح مظلتها إلا لحماية نفسها وأصدقاء أصحابها!
أمّا بقيّة الخليجيين، فهؤلاء رواية أخرى. لم يكتفوا بالغطاء الأمريكي، بل اشتروا معه الوسادة واللحاف والفرشة والسجادة، ثم غرفة نوم كاملة بإضاءة خافتة وموسيقى استرخاء، حسب طلبية من تركي آل الشيخ. فقد قدّم لهم الأمريكيون عرضًا من النوع الذي يُرى في المتاجر الأمريكية: اشترِ غطاءً وخذ معه الفرشة والوسادة والكفالة والضمانات، مجانًا! ومع ذلك، لما اهتزّت المنطقة، اكتشفوا أن الغطاء الأمريكي يشبه البطانيات الفاخرة في الواجهة: تلمع من بعيد، لكنها لا تدفئ أحدًا. دفعوا المليارات، ثم جاءهم مندوب المبيعات الأمريكي بربطة عنق حمراء، فتح دفتر الفواتير وقال: أنتم بقرة حلوب، ادفعوا، وإلا لن تبقوا أسبوعًا واحدًا! صمتوا ودفعوا، وما زالوا يدفعون لعمّهم سام، ولمّا احتاجوا الغطاء، اكتشفوا أنه صُنع لتدفئة البائع وحبيبته المدلّلة في المنطقة، لا لتدفئتهم هم، عندها أدركوا أنهم اشتروا سمكًا في الخليج: بطانية لا يحتاجها الطقس، ولا تحمي، ولا تدفئ، ولا تصلح حتى للزينة، ولا يمكن استعمالها غترة على الرأس اتقاءً للحرّ والرمل!
ويبقى السؤال: هل يتعظ من يظنّ أن الغطاء الأمريكي يُشترى بالشيكات؟ الأحداث تجيب بالنفي؛ هل المتغطي بالأمريكان، عريان؟ الوقائع تجيب بنعم. هل عليه أن يستر نفسه؟ المنطق يجيب بنعم، لكن بغطاء لا يُسحب عند أول هزّة! غطاء من علاقات التفاهم والصداقة بين شعوب المنطقة، لا غطاء الأساطيل، وإلا استيقظ ذات صباح كما خلقته أمّه، في صحراء الربع الخالي!
في هذا العالم فئاتٌ كثيرة، أكثر من الهمّ على القلب. لكن، اختصارًا للوقت والجهد وضيق المساحة، سأتناول فئتين فقط، لأن أعدادهما في السنوات الأخيرة تتكاثر أسرع من الأرانب، تلك “الآلات البيولوجية” التي تحمل الرقم القياسي بين الثدييات، بمن فيهم الإنسان!
الفئة الأولى تضمّ الذين يصدّقون المنجّمين والعَرّافين وسائر محترفي الدجل. أمّا الفئة الثانية فتضمّ الذين يصدّقون أمريكا ويرتمون في أحضانها. والمفارقة أن الفئتين تنتظرهما النهاية نفسها: مبلولتان تحت المطر، تبحثان عن غطاءٍ موعود لا يأتي.
فبين كل قارئي الكفّ وضاربي المندل والودع، والمبحلقين في فناجين القهوة والشاي والكاكاو، مرورًا بمفسّري نبوءات نستراداموس وجان ديكسون، ووصولًا إلى ميشيل حايك وليلى عبد اللطيف وجوي وأبو جدولة وأم غِرّة وأبو دنكورة، الذين يوزّعون التوقعات كما تُوزَّع الإعاشة على الجوعانين، برز رجل واحد بزّهم جميعًا، واستحقّ بجدارة أن يكون درّة تاجهم: حسني مبارك، الرئيس المصري السابق. لم يقرأ الكفّ، ولم يدوّن نبوءات غامضة، ولم يطلّ ليلة رأس السنة ليهتف: "أرى انفجارًا هنا وهدوءًا هناك"، لم يقل: فلان سيُقتل، وعلتان سيُخلع، وزيد سيربح، لم يذكر شيئًا من هذا الهراء، بل اكتفى بجملة واحدة، فجاءت أصدق من كل التوقعات، وجعلته أصدق من كل المتنبئين، حين قال: "المتغطي بلحاف الأمريكان عريان"! جملة تستحق أن تُعلّق فوق مدخل الأمم المتحدة، أو أن تعتمدها وزارة الخارجية الأمريكية شعارًا رسميًا لو كانت شفافة في علاقاتها وتحولها الى: نحن نغطّي، لكن بلا كفالة!
ولإثبات صدق مبارك، إليكم قائمة غير حصرية بمن شعر بالبرد تحت غطاء العم سام: الفيتناميون، تعلّقوا بطائرات الهليكوبتر على سطح السفارة الأمريكية في سايغون، قبل أن تتركهم الطائرة يلوّحون للفراغ؛ الأفغان، خدموا الجيش الأمريكي، وترجموا، ورافقوا، وطبخوا، وحملوا الماء، ثم وجدوا أنفسهم يركضون خلف طائرة جو "النعسان" بايدن، الذي نام فنسيهم في مطار كابول، في مشهد يصلح إعلانًا عن هشاشة الضمانات؛ الشاه البهلوي، شرطيّ الخليج ومؤدِّب قادته، الذي توهّم أن واشنطن ستسنده ما دام يرفع رايتها، فاكتشف عند لحظة الحقيقة أنّ الحليف الذي يوزّع الشعارات يطويها عند أول اختبار، فوجد نفسه وحيدًا في مهبّ ريح شعبه، ليتعلّم أن التحالف مع واشنطن يشبه مظلّة لا تُفتح إلا بعد الارتطام بالأرض؛ بن علي، ظنّ نفسه حليفًا مدلّلًا، ينتظر طائرة أمريكية تهبط له من السماء، فلم يجد حتى طائرة مستعملة، وانتهى به المطاف يتنقّل بين المطارات بلا وجهة، كأنه نسخة سياسية من توم هانكس في فيلم المحطّة!
ثم يقولون لك: غطاء العم سام؟ عن أي غطاء يتحدثون؟ الصوماليون المتعاونون، شاهدوا القوات الأمريكية تغادر بعد سقوط مروحيتين، تاركة البلاد في فوضى عارمة؛ العراقيون الحالمون، انتظروا المنّ والسلوى الأمريكية مغلّفة بالحرية والديمقراطية، فاكتشفوا أن المظلّات مثقوبة، وأن ما سقط عليهم شظايا ووعود تبخّرت قبل أن تلامس الأرض؛ حتى مبارك نفسه، صاحب المقولة، اكتشف أن الغطاء الأمريكي يشبه اشتراك الكهرباء في لبنان: يُلغى بضغطة زر؛ قطر التي نامت على وعود حرير غطاء العم سام، فاستيقظت على صواريخ الغدر، لكن ما باليد حيلة، وعلى صدرها جاثمة قاعدة العديد وعشرة آلاف جندي أمريكي، قاعدة تُدار منها الحروب وتُرسم فيها الخرائط، لكنها لا تفتح مظلتها إلا لحماية نفسها وأصدقاء أصحابها!
أمّا بقيّة الخليجيين، فهؤلاء رواية أخرى. لم يكتفوا بالغطاء الأمريكي، بل اشتروا معه الوسادة واللحاف والفرشة والسجادة، ثم غرفة نوم كاملة بإضاءة خافتة وموسيقى استرخاء، حسب طلبية من تركي آل الشيخ. فقد قدّم لهم الأمريكيون عرضًا من النوع الذي يُرى في المتاجر الأمريكية: اشترِ غطاءً وخذ معه الفرشة والوسادة والكفالة والضمانات، مجانًا! ومع ذلك، لما اهتزّت المنطقة، اكتشفوا أن الغطاء الأمريكي يشبه البطانيات الفاخرة في الواجهة: تلمع من بعيد، لكنها لا تدفئ أحدًا. دفعوا المليارات، ثم جاءهم مندوب المبيعات الأمريكي بربطة عنق حمراء، فتح دفتر الفواتير وقال: أنتم بقرة حلوب، ادفعوا، وإلا لن تبقوا أسبوعًا واحدًا! صمتوا ودفعوا، وما زالوا يدفعون لعمّهم سام، ولمّا احتاجوا الغطاء، اكتشفوا أنه صُنع لتدفئة البائع وحبيبته المدلّلة في المنطقة، لا لتدفئتهم هم، عندها أدركوا أنهم اشتروا سمكًا في الخليج: بطانية لا يحتاجها الطقس، ولا تحمي، ولا تدفئ، ولا تصلح حتى للزينة، ولا يمكن استعمالها غترة على الرأس اتقاءً للحرّ والرمل!
ويبقى السؤال: هل يتعظ من يظنّ أن الغطاء الأمريكي يُشترى بالشيكات؟ الأحداث تجيب بالنفي؛ هل المتغطي بالأمريكان، عريان؟ الوقائع تجيب بنعم. هل عليه أن يستر نفسه؟ المنطق يجيب بنعم، لكن بغطاء لا يُسحب عند أول هزّة! غطاء من علاقات التفاهم والصداقة بين شعوب المنطقة، لا غطاء الأساطيل، وإلا استيقظ ذات صباح كما خلقته أمّه، في صحراء الربع الخالي!
61 مشاهدة
14 مارس, 2026
131 مشاهدة
09 مارس, 2026
157 مشاهدة
06 مارس, 2026