Sadaonline

جدلية الداخل والخارج

قسم لا بأس به من شعوب هذه البلدان يتماهى تماما مع أعداء بلاده الخارجيين

د. هادي عيد ـ مونتريال 
هل لا زال هناك معنى للحديث عن الداخل والخارج في عالم اليوم، اقتصاديا، سياسيا، ثقافيا الخ...؟ هل انتفى كليا دور الداخل في ظل العولمة المتسارعة بالرغم من محاولات العودة الى نوع من الحمائية الاقتصادية والدعوات الى تعزيز السيادة الوطنية؟ هل العلاقة بين الداخل والخارج هي علاقة جغرافية أم أنها لم تعد كذلك في عالم اليوم؟ أيهما يلعب الدور الحاسم في مسار الأحداث ومآلاتها؟ وهل يمكن ان يكون هذا الدور هو ذاته في كل زمان ومكان، في بلاد المركز وبلاد الأطراف، مثلا؟  أسئلة كهذه وغيرها الكثير تطرح نفسها بإلحاح على ضوء الأحداث الأخيرة في أكثر من منطقة في العالم.
بداية لا يمكن القول إن العامل الداخلي قد اختفى أو قد فقد دوره كليا وإن كان هذا الدور قد فقد الكثير من أهميته خاصة في بلاد الأطراف، خلافا لما هو عليه الحال في بلاد المركز وذلك ضمن تراتبية تحددها علاقات الهيمنة وميزان القوى بين دول العالم. هل هذا يعني ان بلاد المركز لم تتأثر بالتحولات العميقة التي حصلت في العالم سواء على المستوى الاقتصادي او السياسي او الثقافي وفي كل المجالات؟ والجواب كلا وإن كانت أكثر تحصينا من الدول الطرفية. 
في المجال الاقتصادي، وكما أصبح واضحا للجميع، لم يعد هناك اقتصادات محض وطنية ولا أسواق مستقلة عن السوق العالمية كما كانت الحال نسبيا في العالم الصناعي التقليدي. أصبحت الشركات العالمية ورؤوس الأموال وحركتها وسلاسل التوريد تتجاوز حدود الدول الوطنية وأي قرار يتخذه أي بلد في الحيز الاقتصادي، سواء في المجال الضريبي، أو الأجور، أو الأسعار، أو سياسات الدعم وغير ذلك، عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ردود فعل الخارج والقوى الاقتصادية المهيمنة. وفي كثير من الحالات كما رأينا في سوريا والعراق وليبيا وفنزويلا وغيرها، من يرفض فتح أسواقه يتم فتها بالقوة العسكرية.  يضاف الى ذلك أن الطبقات الحاكمة غالبا ما تكون مصالحها وسياساتها مرتبطة مباشرة برأس المال المعولم أو ممثلة مباشرة لمصالح هذا الرأسمال. هذه العلاقة تمس طبيعة هذه الطبقات بحيث انه لم يعد بالإمكان اعتبارها برجوازيات وطنية بالمعنى التقليدي. أضف الى ذلك كون النخب التي تدير شؤون الاقتصاد، خاصة في بلاد الأطراف، غالبا ما يكون قد تم تأهيلها في الخارج بحيث يمكن الحديث عن نخب معولمة أيديولوجيا تعمل على تنفيذ سياسات المؤسسات الدولية في بلادها كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان يفرضان سياساتهما على الكثير من دول العالم.   
سياسيا لم تعد السيادة مطلقة داخل الحدود الوطنية، فهناك مؤسسات دولية تشرف عليها القوى المهيمنة في العالم، ابتدعت معايير حقوقية وإنسانية وسياسات حوكمة، معايير وسياسات يجب احترامها في التعامل مع المواطنين تحت طائلة العقوبات الاقتصادية وحتى تحت طائلة التدخل العسكري المباشر في ما سمي " التدخل الإنساني" في حال تم تخطيها. يصح ذلك خاصة في الدول الضعيفة او تلك التي لا تتبع سياسات القوى المهيمنة في العالم. هذا الدور الخارجي في تحديد السياسات الوطنية للدول التابعة والضعيفة ليس مقتصرا على تدخل الدول والمؤسسات الدولية، بل هناك جمعيات مدنية ومؤسسات تمويل خاصة، كجمعيات ال أن جي أوز، تلعب دورا حاسما أحيانا في تحديد الكثير من سياسات الدول وأحزابها سواء المعارضة او تلك التي في السلطة. 
هكذا يغزو الخارجُ الداخلَ ويستقر فيه. هذا ويصل الأمر في بلد ضعيف كلبنان، مثلا، ليس فقط الى تحديد سياسات الدولة، بل وحتى فرض الرؤساء وقيادة الجيش وحاكم البنك المركزي والعديد من الوظائف العليا وحتى المتوسطة من قبل الخارج. إن هذا الواقع، معطوفا على ما قلناه للتو حول النخب البيروقراطية المعولمة ساهم بإحداث تغيير عميق في مفاهيم ومصطلحات عديدة مثل الشرعية والمواطنة والوطنية والقومية الخ... وجعل الحدود بين الداخل والخارج تفقد معالمها تماما.  
لقد بينت الأحداث الأخيرة في فلسطين ولبنان وفنزويلا وإيران وغيرهم أن هذا التداخل بين الخارج والداخل لم يعد يقتصر في الحيز السياسي على تداخل النخب، بل تعمق لدرجة أن قسما لا بأس به من شعوب هذه البلدان يتماهى تماما مع أعداء بلاده الخارجيين، يتبنى مواقفهم وسياساتهم ويصل الأمر ببعض الجماعات ان تنخرط في صفوف هؤلاء الأعداء حين يشنون حربا على بلادها. هذه ظاهرة كانت دائما حاضرة تاريخيا لكنها كانت تقتصر عموما على أفراد يعتبرون عملاء للخارج أو جماعات صغيرة ومحدودة العدد. أما اليوم فقد توسعت هذه الانقسامات وتعمقت داخل الشعوب وفيما بينها واستغلت الفروقات الإثنية والعرقية والطائفية لتأجيج الصراعات خدمة لمصالح اقتصادية وطبقية تخاض على مستوى العالم وفي داخل كل بلد. وكما يعلمنا التاريخ وقود هذه الحروب كالعادة فئات ليست لها مصلحة فعلية في خوضها لكنها استتبعت بوسائل مختلفة من قبل طبقات مهيمنة تحارب بها من اجل الحفاظ على مصالحها.
في المجال الثقافي تبدو هذه الحدود ربما الأكثر تداخلا والتباسا لأسباب لا تخفى على أحد. لقد وحدت وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي الى حد كبير الأذواق وأنماط العيش والرموز أو على الأقل جعلت الفئات والمجتمعات التابعة والفقيرة تتماهى مع الأنماط والأذواق التي تروج لها وسائل الاعلام التي يملكها رأس المال الغربي. هذا الواقع ساهم في نشوء ثقافات وهويات هجينة متشظية على مستوى العالم وهو ما أنتج تشوهات وردود فعل لاعقلانية وعنصرية ترفض كل ما هو وافد أو مختلف، من جهة، وأخرى مستلبة تماما وفاقدة لكل أصالة، من جهة أخرى. في هذا الإطار أيضا يبدو ما سمي " حوار الثقافات" شعارا فارغا بسبب اختلال ميزان القوى بين ثقافات ومجتمعات مهيمنة، تحدد إشكاليات الحوار وجدول أعماله والمؤسسات والأشخاص المشاركة فيه، وأخرى تابعة لا تملك روافع تمكنها من التأثير في هذا " الحوار". هذا الواقع يُترجم عمليا في اجتياح ثقافي تمارسه القوى الكبرى عبر وسائل اعلامها وعبر ضغوطاتها الاقتصادية.  حتى إن هناك دولا فرض عليها تغيير مناهجها التربوية وكتب تاريخها وتحديد أعدائها ونظرتها الى الجندر والعلاقة بين الرجال والنساء الخ ... وهو ما ساهم أيضا في طمس الحدود بين داخل وخارج.
خلاصة الكلام أن العلاقة بين الداخل والخارج في عالم اليوم علاقة مركبة أصبحت أكثر تعقيدا بكثير مما كانت عليه في السابق إذ انها لم تعد مسالة جغرافية أو مسألة حدود ولا حتى مجرد علاقة بين الدول. لم تعد هناك أية ظاهرة، أو أي خطاب، أو سياسة، أو هوية، أو حتى سلعة يمكن اعتبارها " وطنية" أو محلية تماما. إن هذا التداخل وهذا الانشطار الذي أحدثه في بنى المجتمعات ومكونات شعوبها جعل من الصعب على الكثيرين فهم ما يجري حولهم وهو ما أصبح يتطلب جهدا أكبر لقراءة كل حالة على حدة وتحديد دور الداخل والخارج وسيرورة العلاقة بينهما. من هنا الصعوبة التي يواجهها الكثيرون في تحديد مواقفهم ومعرفة على أية ضفة يقفون. ومن هنا أيضا ضرورة إقامة تحالفات واسعة بين كل القوى التي تناضل ضد اجتياح الخارج للداخل ومن أجل علاقات متكافئة بين الدول والشعوب...