Sadaonline

الحجاب في مرآة الفلسفة الغربية: تحليل للحضور الإنساني وحدود الظهور

يمكن قراءة الستر بوصفه جزءًا من فلسفة الحضور الإنساني، لا مجرد ظاهرة ثقافية محدودة

                         
إسماعيل الحاج علي - غاتينو

مقدمة مدخلية
تتجاوز مسألة الحجاب حدود النقاش التشريعي أو الثقافي الضيق، لأنها ترتبط بسؤال الحضور الإنساني ذاته، أي بكيفية ظهور الإنسان في المجال العام وحدود ما يقدّمه من ذاته للآخرين. هذا السؤال شغل عددًا كبيرًا من مفكري الغرب، من تحليلات الهوية والاعتراف عند تشارلز تايلور، إلى فهم إدارة الظهور الاجتماعي عند إرفينغ غوفمان، إلى تحليل السلطة التي تعمل عبر تشكيل الأجساد وأنماط حضورها عند ميشيل فوكو. وفي ضوء هذه المقاربات، يمكن قراءة الستر بوصفه جزءًا من فلسفة الحضور الإنساني، لا مجرد ظاهرة ثقافية محدودة.

أولاً:  الحضور الإنساني والعفّة بوصفها إدارة للظهور
الحجاب ينطلق من سؤال الحضور في الفضاء المشترك، ذلك الحضور الذي لا يُفهم بوصفه ظهورًا جسديًا فقط، بل بوصفه فعلًا اجتماعيًا منظّمًا. يصف غوفمان الحياة الاجتماعية انها مسرح تُدار فيه «عروض الذات»، حيث يتحكم الأفراد في كيفية ظهورهم لضبط انطباعات الآخرين عنهم. في هذا السياق يمكن فهم الستر باعتباره تقنية واعية لتنظيم الظهور، تمنح الإنسان قدرةً أكبر على إدارة حضوره بدل أن يُدار حضوره من الخارج. ومن هنا تتشكل العفّة كنظامٍ يحدد المسافة بين الداخل والخارج، وهو معنى يلتقي مع تأكيد حنة أرندت أن وجود مساحة مصونة من الحياة الخاصة شرطٌ أساسي لكرامة الإنسان ولإمكان الفعل الحر في المجال العام. الجسد، وفق هذا الفهم، يتحول إلى مجال كرامة ومعنى، وتصبح الحدود عنصرًا منتجًا للهوية لا عائقًا لها.

ثانياً: الجسد بين منطق المعنى ومنطق الاستهلاك
غطاء الرأس يدخل في هذا البناء بوصفه تعبيرًا رمزيًا عن أولوية الوعي والهوية على منطق العرض البصري، حيث يصبح التحكم الواعي في الجسد جزءًا من ممارسة الحرية. تحليل فوكو للسلطة الحديثة يبيّن كيف تعمل المجتمعات المعاصرة عبر تشكيل الأجساد وتوجيه أنماط ظهورها، بحيث تصبح معايير الجمال والظهور أدوات ضبط اجتماعي غير مرئية. من هذه الزاوية يمكن فهم الحجاب كاستراتيجية لإعادة امتلاك الجسد بدل تركه بالكامل لمنظومات التشكيل الثقافي والاقتصادي. ويعزز هذا الفهم نقد هربرت ماركوزه للمجتمعات الاستهلاكية التي تنتج رغباتها وتعيد تعريف الحرية ضمن أفق الاستهلاك، حيث يتحول الظهور المكثف إلى معيار للقيمة، ويعاد تعريف الجسد ضمن لغة السوق. وفي الاتجاه الآخر يظهر اختزال مختلف يفصل الحجاب عن منظومته الأخلاقية والثقافية ويقدّمه كإجراء شكلي أو شعار فارغ، وبين الاختزالين يختفي الأفق الإنساني العميق للستر.

ثالثاً: الحجاب واختبار الحرية ومعيار الكرامة
عند هذا المستوى يعود السؤال الجذري: أي إنسان نريد أن يتشكل في هذا العالم؟ إنسانًا تُدار قيمته بدرجة ظهوره، أم إنسانًا يملك القدرة على تعريف حضوره بنفسه؟ هنا يلتقي معنى الستر مع أطروحة تايلور حول «سياسة الاعتراف»، حيث لا تتشكل الهوية الإنسانية إلا حين يمتلك الفرد القدرة على تعريف ذاته وفق معاييره الخاصة. الحجاب، ضمن هذا الأفق، يتحول إلى اختبار فعلي للحرية بوصفها قدرةً على رسم الحدود وتنظيم الحضور، وكسيادة واعية على الذات في الفضاء العام. ومع هذا الفهم تتجسد العفّة كبنية حضارية تحمي المعنى في زمن يتسع فيه العرض ويضيق فيه العمق، وتغدو الحدود عنصرًا مولِّدًا للهوية لا مجرد قيودٍ خارجية.

خاتمة
إعادة قراءة الحجاب ضمن هذه الأطر الفلسفية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بنمط لباس، بل بنموذجٍ كامل للحضور الإنساني في العالم المعاصر. وفي زمن تتزايد فيه عمليات تحويل الجسد إلى موضوع عرض دائم، يفتح التفكير في الستر والعفّة أفقًا جديدًا لإعادة صياغة العلاقة بين الحرية والكرامة والمعنى، ويمنح النقاش إمكانية الانتقال من جدلٍ شكلي إلى مشروعٍ إنساني أوسع يعيد للإنسان حقه في أن يختار كيف يظهر، ولماذا يظهر، وبأي معنى يحضر.