دارين حوماني- مونتريال
تحت شعار "قصص عبر الحدود" (Stories Across The Homeland)، تحتفي الدورة العاشرة من "أيام السينما اللبنانية في كندا" بقدرة الحكاية على السفر وتجاوز المسافات، وبالسينما بوصفها جسرًا يصل لبنان بجاليته المنتشرة في المدن الكندية.
يقدّم المهرجان، بين 17 و28 سبتمبر/أيلول، ثلاثة عشر فيلمًا روائيًا وأربعة وأربعين فيلمًا قصيرًا، تُعرض في مونتريال وأوتاوا وتورنتو، وتتناول أسئلة الرحيل والبقاء والذاكرة والانتماء. ويمكن الاطّلاع على برمجة الأفلام على موقع المهرجان:
https://lebanoncinemadays.com/programme
أُقيم حفل افتتاح المهرجان، الذي تنظّمه "جمعية بيروت السينمائية" في لبنان، مساء أمس، 17 أيلول/سبتمبر 2026، على مسرح "سيمبوزيا" (Symposia) في وسط مونتريال. وقدّمت الحفل الإعلامية نسرين ظواهرة. كرّم المهرجان الفنان جورج خباز بجائزة الإنجاز مدى الحياة، الذي يشارك في المهرجان من خلال ثلاثة أفلام هي "يونان" للمخرج أمير فخر الدين، و"ألف سرّ وألف خطر" للمخرج فيليب فالاردو، وفيلم "غدي" للمخرج أمين درّة، الذي كتب خباز نصّه. افلام أسهمت، إلى جانب أفلام لبنانية أخرى، في إيصال السينما اللبنانية والعربية إلى المهرجانات والمحافل الدولية.
كما تم تكريم الممثلة ستيفاني عطالله بـ"الجائزة الكبرى للفنان الفرنكوفوني"، التي استُحدثت في هذه الدورة. وخلال الحفل، تم عرض رسالة من رئيس الحكومة مارك كارني إلى المهرجان أشاد فيها بأهمية السينما اللبنانية وبدور هذا المهرجان كجسر ثقافي يربط بين كندا ولبنان.
وتخلّل الحفل فيلم وثائقي من إنتاج "جمعية بيروت السينمائية"، تضمّن شهادات من فنانين وأدباء مخضرمين عن جورج خباز منهم نضال الأشقر، دريد لحام، طلال حيدر، نادين لبكي، يورغو شلهوب وغيرهم. كما شهد حفل الافتتاح عروضًا فنية عن لبنان أدّتها الفنانة الموهوبة ميراي حرب، قبل أن تُختتم الأمسية بفقرة غنائية للفنان اللبناني زيف.
نسرين ظواهرة: هذه التظاهرة تشكّل مساحة تتلاقى فيها الثقافات، وتُروى عبرها قصص المنفى والانتماء والهوية والجذور
افتتحت الإعلامية نسرين ظواهرة الدورة العاشرة من "أيام السينما اللبنانية في كندا"، مرحّبةً بالحضور في "عشر سنوات من الحكايات عبر الأوطان"، وبضيوف المهرجان، وفي مقدّمهم ضيف الشرف الفنان جورج خباز، الذي وصفته بأنه "مبدع لا يُصنَّف، وفنان إنساني بامتياز، وأسطورة حقيقية للمسرح والسينما اللبنانية... وكم هو محظوظ جيلنا، لأننا نعيش في عصر فنانٍ لامع أصيل بكل ما تحمله الكلمة من معنى".
وأكدت ظواهرة أن هذه التظاهرة تشكّل مساحة تتلاقى فيها الثقافات، وتُروى عبرها قصص المنفى والانتماء والهوية والجذور، إلى جانب حكايات الوطن المتروك والوطن المضيف. وشدّدت على المسؤولية المشتركة للمؤسسات الثقافية والإعلامية في دعم الإبداع ورعاية المواهب، قائلةً: "قد تختلف مسارات مؤسساتنا، لكننا نتشارك القناعة نفسها: ثقافتنا تستحق مكانتها على شاشات العالم".
كارولين كوزي: استمروا في سرد قصصنا، وفي إظهار لبنان الذي نعرفه للعالم، لبنان الإبداع والجمال والجرأة والصمود والفكاهة ولبنان المواهب
رحّبت ظواهرة بأعضاء لجنة تحكيم الأفلام التي ترأستها كارولين كوزي، التي عبّرت في كلمتها عن تأثرها بالمشاركة في الدورة العاشرة، مؤكدةً أن كندا، وطنها الثاني، منحتها الحرية، فيما بقيت جذورها "راسخة وعميقة" في لبنان. واعتبرت أن المهرجان نجح، على مدى عشر دورات، في بناء جسور بين لبنان وكندا، وبين الفنانين والجمهور، وبين المقيمين في الوطن واللبنانيين المنتشرين في العالم.
وشدّدت كوزي على أن "السينما تروي حكاية الهوية، وتحفظ الذاكرة، وتنقل الثقافة إلى العالم، كما تمنح صوتًا للحقائق التي لا تُسمع دائمًا". وأوضحت أن رئاسة لجنة التحكيم تمثّل مسؤولية تجاه الفنانين الذين وضعوا جزءًا من ذواتهم في أعمالهم، داعيةً إلى استقبالها بالاهتمام والفضول والاحترام. وخاطبت الفنانين قائلةً: "استمروا في سرد قصصنا، وفي تحدي افتراضاتنا، وفي إظهار لبنان الذي نعرفه للعالم، لبنان الإبداع والجمال والجرأة والصمود والفكاهة ولبنان المواهب"، مؤكدةً أنه "طالما يُبدع لبنان، سيظل متألقًا".
باتريسيا شمعون: السينما أسمى من مجرد الترفيه، هي شكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية، وحامية للهوية
استهلّت نائبة رئيس مكتب جمعية بيروت السينمائية في كندا باتريسيا شمعون كلمتها باستعارة الجبل الذي تجتاح النيران غاباته، فيبدو كأنه فقد كل شيء، قبل أن تنبت الحياة مجددًا من تحت الرماد. وربطت هذه الصورة بتجربة اللبنانيين، قائلةً إن جبال لبنان شهدت الحضارات والغزوات والرحيل والعودة والدمار والولادة الجديدة، وعلّمت أبناءها أن "الصمود ليس مجرد بقاء، بل هو تحوّل".
ورأت أن الدورة العاشرة من "أيام السينما اللبنانية في كندا" تمثّل حصيلة عشر سنوات من الأفلام والفنانين والجمهور، ومن بناء الجسور عبر المحيطات، وحماية مساحة يُرى فيها لبنان ويُسمع ويُحتفى به. لكنها شدّدت على أن الذكرى لا ينبغي أن تكون تكريمًا للماضي فحسب، بل "وعدًا للمستقبل"، معلنةً انطلاق مرحلة جديدة بهوية متجددة ورؤية أكثر قوة، من دون التخلي عن الروح اللبنانية للمهرجان أو جذوره.
وتحدثت شمعون عن خصوصية تجربة الكنديين من أصل لبناني، وأضافت: "وبين هذين البلدين، تصبح السينما جسرنا، والفن جسرنا. جسر بين اللغات والأجيال، بين من بقوا ومن رحلوا، بين لبنان الذي نتذكره ولبنان الذي ما زلنا نأمل في بنائه".
وأكدت أن السينما تتيح للبنانيين العودة إلى بلادهم من دون ركوب طائرة. وانطلاقًا من عملها في المحاماة وإيمانها بالدفاع عن الحقيقة، رأت أن الحقيقة لا توجد في المحاكم والقوانين والوثائق الرسمية وحدها، بل تتجلى أيضًا في القصص، مضيفةً: "أحيانًا يكشف فيلم ما لا تستطيع أي شهادة التعبير عنه بالكامل".
واعتبرت شمعون أن "الفيلم يُضفي وجهًا على الذاكرة، وصوتًا على الصمت، وكرامةً على تجارب قد تُنسى لولا ذلك. لهذا السبب تُعدّ السينما مهمة. ولهذا السبب تُعدّ أيام السينما اللبنانية مهمة. ولهذا السبب أنتم مهمون، لأنكم هنا. إنه ليس مجرد مهرجان يعرض أفلامًا لبنانية في كندا، بل هو عمل ثقافي، وحفظٌ للتراث. إنه إعلان بأن قصصنا تستحق أن تُروى، وأن فنانينا يستحقون أن يُشاهدوا، وأن لبنان يجب أن يُعرف لا من خلال مآسيه فقط، بل من خلال موهبته وجماله وفكاهته وخياله وإنسانيته الاستثنائية".
وتوقفت شمعون عند حضور المهرجان في مجلس الشيوخ الكندي، حيث جرى الاحتفاء بدور السينما بوصفها لغة عالمية وأداة للدبلوماسية الثقافية، وبالجالية اللبنانية باعتبارها جسرًا حيًا بين كندا ولبنان. كما أشارت إلى الرسالة الخاصة التي وجّهها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى المهرجان، وإلى انتقال فعالياته لاحقًا إلى أوتاوا وتورنتو.
وأعلنت أن ضيف الشرف جورج خباز سيُدعى إلى توقيع الكتاب الذهبي لمدينة مونتريال، معتبرةً ذلك لحظة تقدير يتجاوز معناها الفنان نفسه، إذ يصبح مساره جزءًا من تاريخ المدينة. وختمت بالتأكيد أن "لبنان ليس فقط بلدًا صمد، بل بلد مبدع؛ ليس مجرد ذكرى، بل وعد؛ وليس فقط أرضًا جئنا منها، بل نورًا نحمله".
وأشادت بإيمان جمعية بيروت السينمائية بأن السينما أسمى من مجرد الترفيه "بل شكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية، وحامية للهوية، وقوة للتواصل الإنساني. من خلال مكتب جمعية بيروت السينمائية في كندا، لا نكتفي ببناء حضور محلي، بل نبني حاضنة دائمة للسينما اللبنانية في كندا، وننشرها في جميع أنحاء العالم، من مونتريال إلى أوتاوا وتورنتو، وصولًا إلى كل مدينة تنتظر فيها قصة لبنانية أن تُروى. طموحنا واضح: إبراز السينما اللبنانية، والجمع بين الفنانين والجمهور، وخلق فرص لأصوات جديدة، وضمان ألا يرث الجيل القادم ذكرياتنا فحسب، بل يرث أيضًا شجاعة الإبداع".
سام لحود: الليلة لا نكرّم فنانًا استثنائيًا فحسب، بل نكرّم حالة فنية وإنسانية وذاكرة وطن
من جهته، استعاد مؤسس جمعية بيروت السينمائية ومدير المهرجان سام لحود، في كلمته، علاقته ببيروت ولبنان، متحدثًا عن مدينة "دُمّرت وأُعيد بناؤها مرات لا تُحصى"، لكنها بقيت حيّة لأن أهلها يرفضون التخلي عن روحها، ويعودون بعد كل مأساة إلى فتح مسارحهم ومقاهيهم، وإلى الغناء والكتابة والتصوير والحلم من جديد.
وقال لحود إن الوطن بالنسبة إلى اللبنانيين، ولا سيما المقيمين في الخارج، "ليس مجرد مكان، بل مجموعة من الذكريات والتفاصيل".
واستعاد لحود السؤال الذي انطلقت منه تجربة المهرجان قبل عشر سنوات: "إلى أي مدى يمكن أن تصل قصة لبنانية؟ وهل يستطيع فيلم وُلد في بيروت أن يعبر المحيط ويصل إلى دار عرض في كندا، فيُشعر أحدهم، ولو للحظة، بأنه عاد إلى وطنه؟". وأوضح أن إيمانه بقدرة السينما على حفظ الوجوه والأصوات والشوارع والذكريات قاده إلى تأسيس حاضنة للسينما اللبنانية خارج لبنان، تتيح لصنّاع الأفلام عرض أعمالهم، وتقدّم البلد من خلال جماله ومواهبه وقدرته على النهوض.
وأكد أن ما بدأ بوصفه رؤية، تحوّل إلى حركة ثقافية وجسر يربط لبنان بجاليته وأداة للدبلوماسية الثقافية. وأشار إلى توسّع شبكة مهرجانات السينما اللبنانية في بلدان الاغتراب، من كندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمكسيك وفرنسا وإيطاليا وأستراليا، وصولًا إلى دول جديدة، موضحًا أن الطموح يتجاوز تنظيم الفعاليات إلى بناء شبكة ثقافية عالمية وفتح آفاق دولية أمام السينمائيين اللبنانيين.
وأعلن لحود انتخاب باتريسيا شمعون رئيسةً لجمعية بيروت السينمائية في كندا خلال الجمعية العمومية المقبلة، مشيدًا بقيادتها ونزاهتها، ومؤكدًا أن "القيادة لا تُمنح بمنصب، بل تُكشف من خلال الخدمة، وتُختبر في الشدائد، وتُكتسب بالثقة".
وخصّ لحود ضيف شرف المهرجان جورج خباز بتكريم وجداني مطوّل باللهجة اللبنانية، خاطبه فيه باسم اللبنانيين الذين ضحكوا وبكوا مع أعماله:
"ضحكتنا بس كنا بأمس الحاجة لأنو نضحك. وبكينا بس حاولنا نخبي دموعنا. وخليتنا نشوف حالنا متل ما نحنا بتناقضاتنا، بضعفنا، بجنوننا، بعنادنا وبحبنا يلي ما بينتهي لهيدا الوطن. قلت لأجيالنا شو صار فينا، ومن شدة بساطتك وعبقريتك قلتلنا وأنت شو رح يصير قبل ما يصير. كتبت عن لبنان، بس بالحقيقة كنت عم تكتب لبنان. كتبت عن الإنسان البسيط، عن البي والأم والطفل والعيلة والحبيب والمهاجر والمنسي والمكسور. تحولت حكاياتن صغيرة على أيديك لمراية بشوف فيها حاله وطن كبير".
ورأى أن خباز أثبت أن الفكاهة ليست هروبًا من الحقيقة، بل قد تكون من أصدق وسائل مواجهتها، وأن القصة التي تبدأ من بيت متواضع تستطيع عبور الحدود وملامسة الناس في كل مكان. كما أشاد بتواضعه واحتضانه للمواهب الشابة وإدراكه أن الموهبة أمانة، وأن محبة الجمهور مسؤولية وليست مجرد تصفيق عابر.
وأضاف لحود: "الليلة لا نكرّم فنانًا استثنائيًا فحسب، بل نكرّم حالة فنية وإنسانية وذاكرة وطن"، معتبرًا أن أثر خباز أكبر من أن تختصره جائزة أو كلمات. وختم بالقول: "إذا سألنا أولادنا يومًا كيف كان شكل الفن اللبناني في زمنكم، سنقول لهم: كان له وجه جورج خباز"، قبل أن يدعو الحضور إلى مشاهدة مقتطف من فيلم وثائقي تعدّه جمعية بيروت السينمائية عن مسيرته.
شربل نمر: أهمية تضامن اللبنانيين في الاغتراب واجتماعهم حول ما يخدم وطنهم وثقافتهم
وفي كلمته، عبّر القنصل العام اللبناني في كندا شربل نمر عن سعادته بالمشاركة في تكريم جورج خباز، واصفًا إياه بأنه "فنان استثنائي ومتعدد المواهب".
واختار نمر أن يسلّط الضوء بصورة خاصة على موهبة خباز الكوميدية وقدرته على إدخال البهجة إلى قلوب اللبنانيين، الذين أثقلتهم الأزمات والأحداث المؤلمة. وخاطبه قائلًا: "شكرًا لك من أعماق قلبي يا جورج، لأنك أضحكت اللبنانيين، وأتمنى أن تستمر في إضحاكهم، لأن لبنان في أمسّ الحاجة إلى الضحك".
وفي ختام كلمته، وجّه القنصل نداءً إلى أبناء الجالية اللبنانية في مونتريال وكيبيك ومختلف أنحاء العالم، داعيًا إياهم إلى توظيف ما يمتلكونه من حضور وتأثير في تعزيز وحدتهم. وقال: "أرجوكم، استخدموا هذه القوة لتوحيدكم، لا لتفريقكم"، مشدّدًا بذلك على أهمية تضامن اللبنانيين في الاغتراب واجتماعهم حول ما يخدم وطنهم وثقافتهم.
جورج خباز: إذا كنا أشجارًا فلا ننسى الطيور، وإذا كنا طيورًا فلا ننسى الأشجار
في كلمة غلب عليها التأثر، عبّر الفنان جورج خباز عن امتنانه للتكريم الذي خصّه به مهرجان "أيام السينما اللبنانية في كندا"، قائلًا إن اللبنانيين اعتادوا البكاء بسبب الحروب والأزمات، لكن دموعه في هذه الأمسية كانت "دموع فخر واعتزاز وفرح وسعادة".
وقال خباز إن لبنان ظهر في المهرجان بأجمل صوره، معبّرًا عن ألمه وفرحه وقلقه وتناقضاته عبر الصورة والصوت والعاطفة، ومن خلال السينما التي وصفها بأنها من أنبل أشكال التعبير. وأضاف أن الفنانين اللبنانيين عبروا المحيط الأطلسي حاملين أفلامهم في حقائبهم وقلوبهم، ليقدّموها في كندا، البلد الذي شكّل ملاذًا آمنًا للعديد من اللبنانيين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم بحثًا عن السلام والأمان والكرامة.
وأكد أن العلاقة بين لبنان وكندا قديمة ومتجددة، وأن المهرجان يعزّزها من خلال حمل ثقافة لبنان وروحه إلى الجمهور الكندي. وقال: "أنتمي إلى بلد مثقل بالجراح وغارق في الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، لكنه، رغم كل شيء، لا يزال يناضل من أجل حريته وحرية التعبير، ويستمد قوته من فنه الذي ينير العالم".
ووصف خباز تكريمه بأنه ليلة لن ينساها وسيحملها في قلبه طوال حياته، لأن هذا التقدير جاء من جالية لبنانية اضطرت إلى مغادرة وطنها، فاحتضنتها كندا ومنحتها الأمان والحقوق، من دون أن تفقد صلتها بلبنان. ورأى أن الرابط الثقافي بين البلدين يتجدد مع كل مناسبة فنية، ويتجلى في عروض المهرجان التي تنتقل بين مونتريال وأوتاوا وتورنتو.
وأشار إلى أن الأفلام المشاركة تعبّر عن مبدعين اختاروا أن يناضلوا بطريقتهم، وأن يرووا حكاية بلد جميل وموجوع، وحياة الإنسان في واقع سياسي وأمني واقتصادي شديد التعقيد. وأكد أن جهود الفنانين والجمهور اللبناني في كندا تُبقي الأمل حيًا، وتمنح الأعمال الفنية قدرة على مقاومة اليأس وحفظ صورة الوطن.
ووجّه خباز تحية خاصة إلى اللبنانيين في كندا، واصفًا إياهم بأنهم "الجسر المتين الذي يُبقي لبنان حيًا"، ويحفظ الأمل بعودة أبنائه إلى بيوتهم وقراهم. ثم استخدم صورة الطيور والأشجار للتعبير عن العلاقة بين المقيمين والمغتربين، قائلًا إن بعض الناس يشبهون الطيور التي لا تستطيع العيش من دون الهجرة، فيما يشبه آخرون الأشجار التي لا تعيش إذا اقتُلعت من أرضها.
وختم بقوله: "إذا كنا أشجارًا، فلا ننسى الطيور، وإذا كنا طيورًا، فلا ننسى الأشجار"، مؤكدًا أن لبنان يستطيع أن يزهر من جديد رغم الحروب والحرائق، وأن يبقى بيتًا ينتظر عودة أبنائه. كما استعاد أثر كبار الفنانين في تشكيل علاقته بالوطن، قائلًا إن فيروز أخذته إلى بعلبك، وزكي ناصيف إلى مشغرة، ووديع الصافي إلى نيحا، فعرّفوه إلى لبنان في زمن كانت الحرب تقطع طرقاته وتحجب مناطقه بعضها عن بعض. وختم بقصيدة مؤثرة له بعنوان "بلدي من أول ما خلقت وفنك بيحكيلي".

ستيفاني عطالله: السينما تمتلك سحرًا فريدًا... القدرة على محو المسافات، وبناء جسور التواصل بين ثقافاتنا
عبّرت الممثلة ستيفاني عطالله عن سعادتها بالتكريم، مؤكدةً أن من دواعي فخرها أن تتسلّم جائزتها في مهرجان يحتفي أيضًا بالفنان جورج خباز، الذي سبق لها أن شاركته العمل. وقالت متأثرةً: "إنه لشرف كبير جدًا أن أُكرَّم في المكان نفسه الذي يُكرَّم فيه جورج خباز".
ستيفاني عطالله التي تم منحها "الجائزة الكبرى للفنانين الفرنكوفونيين" اعتبرت أن السينما تمتلك سحرًا فريدًا: القدرة على محو المسافات، وبناء جسور التواصل بين ثقافاتنا، وجعل قصصنا تتردد أصداؤها من ضفة إلى أخرى عبر المحيطات. إن رؤية قصصنا وهوياتنا وقيمنا الإنسانية تتردد اليوم في كندا، في مونتريال، لهو أجمل دليل على الحيوية التي توحد لبنان والفرنكوفونية".
وخاطبت الحضور قائلةً: "غمرتمونا بمحبتكم وجعلتمونا نشعر كأننا في بيتنا"، معربةً عن أملها في أن يكون الفنانون القادمون من لبنان قد حملوا معهم إلى الجمهور "شيئًا من رائحة لبنان".

مقابلة مع سام لحود، مؤسس "جمعية بيروت السينمائية" في لبنان و"أيام لبنان السينمائية" في كندا
التقى موقع صدى أونلاين مؤسس "جمعية بيروت السينمائية" في لبنان و"أيام لبنان السينمائية" في كندا وكان هذا الحوار الذي يستعيد فيه البدايات والأهداف التي قامت عليها التجربة، ويتحدث عن تحوّلها إلى جسر ثقافي يصل لبنان بجاليته في كندا.
حدّثني عن رؤيتك وهدفك الأساسي قبل عشر سنوات لتأسيس مهرجان سينمائي لبناني في كندا؟
بدأنا "مهرجان الفيلم اللبناني في كندا" (Lebanese Film Festival in Canada)، عام 2016، وكان فريدًا من نوعه. نحن كجمعية "مجتمع بيروت السينمائي" (Beirut Film Society) ننظّم مهرجانات أخرى في لبنان: "بيروت للأفلام القصيرة" (Beirut Shorts)، وهو مؤهِّل لجوائز الأوسكار، ونقيمه منذ عشرين عامًا؛ و"مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة" (Beirut International Women Film Festival)، الذي نقيمه منذ عشر سنوات، إذ يُتمّ عقده الأول في نيسان/أبريل المقبل.
أمّا زيارتي الأولى إلى كندا فكانت عام 2016، وقد جئت حينها في مهمة مختلفة. والتقيت هنا بمجموعة من أصدقائي الذين تربطني بهم معرفة قديمة، فاقترحت عليهم فكرة إقامة مهرجان للسينما اللبنانية في كندا. وكان الهدف نابعًا من رسالة جمعية "مجتمع بيروت السينمائي" وأهدافها، وهي نشر الثقافة السينمائية اللبنانية في العالم، ولا سيّما في البلدان التي تضمّ جاليات لبنانية، أي بلدان الاغتراب.
ورأينا حينها أن كندا مكان ملائم، لأن الجالية فيها كبيرة وحديثة العهد؛ أي إن قسمًا منها جيل جديد، وليست كلها جاليات تعود إلى مئة عام كما في المكسيك أو البرازيل أو أمريكا اللاتينية. فأبناؤها لا يزالون مرتبطين إلى حدٍّ ما بوطنهم ويعرفون شيئًا عمّا يجري في البلد. فقلنا إن هذا هو المكان الأفضل، وأطلقنا المهرجان في كندا.
كنّا في بيروت، بوصفنا "مجتمع بيروت السينمائي"، نتولّى برمجة المهرجان والتصميم والهوية البصرية، بينما تتولّى المجموعة الموجودة في كندا التنظيم المحلي. ومنذ نحو سنتين، شعرنا بأن المجموعة الموجودة في كندا لم تعد تعمل وفق أهداف الجمعية، وصارت لها أهداف ذات طابع مادي إلى حدٍّ ما، فقرّرنا الانفصال. وكانت هناك بعض الشبهات المتّصلة بإدارة الجمعية، إن جاز التعبير. واليوم صنعنا هوية جديدة وغيّرنا الاسم، فأصبح "الخزانة السينمائية اللبنانية" (Lebanese Cinematheque).
أمّا الأهداف فليست جديدة في حقيقة الأمر؛ لقد عدنا إلى الأهداف الأولى وعملنا عليها وثبّتناها، وهي: الدبلوماسية الثقافية، وخدمة الجالية اللبنانية من الناحية الثقافية، وربط المغتربين اللبنانيين والعرب بأرضهم ووطنهم، فنحن كنّا نعرض أفلامًا عربية بين حين وآخر، ونعمل اليوم على التوسّع في ذلك، وسيكون هذا الجانب أوضح قريبًا، إضافةً إلى خلق فرص لصناعة الأفلام، وربما فرص إنتاجية، وربط بعض الشركات الكندية بالشركات اللبنانية. لدينا أهداف كبيرة كثيرة، ونرى كيف ييسّرها الله، كما يُقال.
إلى أي حدّ تشعر بأنكم استطعتم بناء شبكة تتجاوز المهرجان نفسه؟ أي أن تقيموا علاقات هنا مع مؤسسات كندية، سينمائية وثقافية؟
من دون شك، لدينا شراكات كثيرة مع الجمعيات ومع شركات الإنتاج. ولا أقول إنها ارتقت إلى مستوى تعاون إنتاجي كبير، لكنها قائمة وفاعلة، ونحن على تواصل دائم. ونحن الآن نعيد تنظيم صفوفنا بعد السنة العاشرة لنكون أكثر فاعلية في المستقبل.
نحن نفكّر على مستوى أبعد؛ نفكّر في إنجاز إنتاجات مشتركة تجعل هذا الأمر أكثر فاعلية. ونعمل على تأسيس "المجلس اللبناني الكندي للثقافة والفنون" في لبنان، وقد يكون هذا المجلس أكثر فاعلية، إذ يضمّ بعض رجال الأعمال الذين يمكن أن يدعموا صناعة السينما اللبنانية.

إلى أي حدّ تشعر، سنة بعد سنة، بأن الجمهور متعطّش للحضور؟ وهل استطعتم استقطاب جمهور غير عربي؟
يحضر الجمهور بكثافة في الاحتفاليات الكبرى بالتأكيد، لكن ثمة مشكلة لدى الجمهور اللبناني والعربي في مسألة حضور الأفلام؛ إذ يحضرون الاحتفاليات ولا يحضرون العروض بالفاعلية نفسها. وهذا موضوع نريد أن نعمل عليه أكثر، لأن اللبنانيين والعرب يحبّون الاحتفاليات الكبيرة ويعتبرون أن الأفلام ليست أولوية. ونحن نريد أن نعود إلى الأفلام، وأن نعود إلى السينما ونشاهد الأفلام معًا. وهذا ما نحبّ أن نعمل عليه أكثر.
إلى أي درجة يحتاج الجيل الجديد هنا إلى التعرّف على السينما اللبنانية، وهم لا يعرفون الكثير عن لبنان؟
هذا واحد من أهمّ أهدافنا: أن نبني علاقة مع الشباب وأن نجذبهم إلى السينما. ولذلك يضمّ فريق العمل عددًا كبيرًا من الفتيان والشباب، ولا سيّما الطلاب الذين يدرسون في كندا، لأن ذلك يشعرهم بأنهم فاعلون في مرحلة ما، وبأنهم يحقّقون نتيجة.
بالنسبة إلى معايير اختيار الأفلام هذه السنة، هل ثمة معايير محدّدة لاختيار الأفلام؟
بالتأكيد، وهذا أمر طبيعي. أول معيار هو جودة الفيلم؛ أي أن يكون الفيلم مصنوعًا بإتقان. والثاني أصالة الفكرة (originality)، أي طبيعة الفكرة وكيفية طرحها في الفيلم. ثم هناك بالتأكيد معايير الإنتاج والسنة الإنتاجية. ونُحدث شيئًا من التوازن في الحضور بين أفلام الرجال وأفلام النساء، وننتبه إلى أن تكون المرأة ممثَّلة أيضًا بإنتاجاتها وبالأفكار والمواضيع التي يمكن أن تطرحها.
تنظيم مهرجان سينمائي في كندا يحتاج إلى تمويل وشبكة علاقات ومؤسسات داعمة. ما أصعب ما تواجهونه: التمويل، أم استقطاب الجمهور، أم بناء الشراكات؟ وإلى أي حدّ تمثّل الاستمرارية تحدّيًا؟
بالتأكيد. اليوم صار تمويل الأنشطة الثقافية صعبًا حتى في كندا، والحصول على الرعاة والشركاء صعب، لكن لدينا شركاؤنا بلا شك. ونحن شخصيًا، بوصفنا أعضاء في الجمعية، ندعم المهرجان ونموّله من أوقاتنا الخاصة ومن جهدنا الفعلي، إضافةً إلى المنح وما يتوفّر من مصادر. وأغتنم الفرصة لأشكر كل من ساهم، حتى لو كانت مساهمته صغيرة؛ فهناك من ساهم بغداء أو بعشاء وهم مشكورون، وهناك من ساهم ماديًا بالتأكيد.
لكن التكلفة عالية جدًّا، وهذا أمر نعرفه جميعًا، ونعاني من هذه الصعوبة على مدار السنة.
بعد عقد من التجربة، ما المشروع الذي تريد أن ينتقل إليه المهرجان في مرحلة جديدة؟
أن يؤدّي فعلًا دور الرابط بين شركات الإنتاج في لبنان وكندا. صحيح أن هذا ليس دورنا الأساسي، لكنه أحد الأمور التي نسعى إلى تحقيقها، ولو بشكل غير مباشر؛ فليس بالضرورة أن نصنع نحن هذه الروابط، لكن حين تتعرّف شركة إنتاج كندية على السينما اللبنانية، أو تنشأ لها علاقة بصنّاع أفلام من خلال المهرجان، يكون ذلك إنجازًا كبيرًا جدًّا. ويهمّني كثيرًا أن يكون المهرجان مستدامًا، وأن يكون له مقرّ دائم نعمل فيه، وأن نصل إلى كل مدينة في كندا؛ ونحن موجودون فعلًا في ستّ أو سبع مدن.
كما أن الأمر ليس مجرّد مهرجان سينمائي، بل هو حركة عالمية؛ فنحن موجودون في لبنان وكندا وأمريكا وبريطانيا والمكسيك وفرنسا وإيطاليا، بمهرجانات منظَّمة لها تاريخها وقد أقامت عددًا من الدورات. والهدف الأكبر بالتأكيد أن يأتي الناس لمشاهدة الأفلام؛ فأكثر ما يُسعدنا أن نرى الصالة ممتلئة بمن يشاهدون الأفلام.
لديك تجربة طويلة في العمل المهرجاني في لبنان، وتدير أكثر من مهرجان. كيف تختلف صناعة مهرجان سينمائي بين لبنان وكندا من حيث الجمهور والتمويل والبيئة الثقافية والمؤسساتية؟
في لبنان، ولأن مهرجاننا هنا موجَّه إلى اللبنانيين والعرب، وإلى اللبنانيين أكثر، أستطيع القول إن الجمهور اللبناني هناك يفهم السينما أكثر من الجمهور اللبناني هنا. لقد لاحظت أن الجمهور اللبناني هنا يحبّ حفلات الغناء والطعام والأنشطة الترفيهية أكثر مما يحبّ الأنشطة الثقافية، ونريد أن نغيّر هذه العادة قليلًا. صحيح أن الأمور المتّصلة بالطعام والشراب والسهر والرقص والفنانين جميلة، لكن على المرء أن يعرف أن الفيلم مصنوع للحفاظ على ثقافته، فالسينما تصنع التاريخ وتكتب التاريخ الحقيقي، وهي شاهد على تطوّر المجتمع، وهي التي تحفظ ذاكرتنا.
وعلى كل مواطن في كل بلد أن يعي هذا الأمر. الجمهور في لبنان أفضل إلى حدٍّ ما من هذه الناحية مقارنةً بالجمهور اللبناني المغترب، وخصوصًا في كندا. وأعتبر أن هذه هي المهمة الأصعب.
هل وجدت أن المهرجان في المهجر يؤدّي وظيفة مختلفة، بحيث لا يعود مجرّد مساحة لعرض السينما، بل يصبح أيضًا مساحة لحفظ الذاكرة والهوية وتقديم لبنان إلى الآخر؟
هذا هو هدف السينما ككل. فصنّاع الأفلام هم من يكتب التاريخ، ويكتبون التاريخ الحقيقي، لأن التاريخ يكتبه الشعب لا قادة الحروب. وهذا موضوع نعرفه جميعًا، وقد كُتب فيه كثيرًا وفكّر فيه كثيرون، وهو حقيقة: صنّاع الأفلام يكتبون التاريخ الحقيقي لكل مجتمع يوجدون فيه. وعلى اللبناني أن يعي ذلك، وأن ينتقل من المرحلة التي...
فنحن نسمع أحيانًا من يقول: "أنا أريد أن أدعم السينما اللبنانية، لذلك سأحضر فيلمًا". لا، أنت لا تدعم السينما اللبنانية؛ حين تذهب لمشاهدة فيلم فأنت تدعم تاريخك، وتكتب ثقافتك، وتؤكّد هويتك. فصنّاع الأفلام ليسوا أشخاصًا واقفين على قارعة الطريق ينتظرون من يشتري تذكرة سينما؛ إنهم يكتبون لك تاريخك، وهم مهندسون في هندسة الفكر الإنساني (Engineers of the human mind). إنهم ليسوا بحاجة إلى شفقة أحد ليشتري تذكرة، بل صانع السينما هو من يقدّم لك خدمة.
هو يخدم المجتمع بصناعته فيلمًا، ويزيده غنًى وجمالًا. وعلى الجميع أن ينتبهوا إلى أنك حين تذهب لمشاهدة فيلم فأنت تساهم في تاريخك، لا في شراء تذكرة سينما لفيلم فحسب.
بحكم متابعتك الطويلة، هل تشعر أن السينما اللبنانية مرّت بمراحل وتطوّرت خلال السنوات الأخيرة، أو قطعت مرحلة مهمّة؟
بالتأكيد، ومن دون شك. صناعة السينما اللبنانية في مرحلة جيدة جدًّا، وخصوصًا السينما المستقلة؛ ولسنا خائفين عليها إطلاقًا. بل على العكس، صنّاع الأفلام يصنعون العجائب في لبنان ويحضرون في المهرجانات العالمية، ويقدّمون أعمالًا مدهشة بإمكانات بسيطة جدًّا. ولو توفّرت الإمكانات المادية لصنّاع السينما المستقلة في لبنان لكانوا أفضل وأفضل بالتأكيد. لكنهم حتى في هذا الوضع يقدّمون عملًا جيدًا جدًّا على كل المستويات.
79 مشاهدة
18 سبتمبر, 2026
244 مشاهدة
10 سبتمبر, 2026
113 مشاهدة
28 أغسطس, 2026