د. علي ضاهر
كنت في عربة مترو الأنفاق حين شقّ طبلة أذني ضجيج مفاجئ. التفتُّ نحو مصدره، فإذا بشلة من حالقي الرؤوس تحتل زاوية العربة. سترات جلدية سوداء، أحذية عسكرية ضخمة، وضحكات عالية تُطلق في الهواء. كانوا يتصرفون وكأن شركة النقل العام خصّصت لهم العربة لتكون عرضاً متنقلاً للقوة والهيبة. راقبتهم للحظات وقلت في نفسي: يبدو أنني أمام عيّنة من اليمين المتعصّب. عندها خطرت لي فكرة لم أقرر بعد إن كانت فضولاً علمياً أم نزعة انتحارية: ماذا لو قمت برحلة إلى أعماق رأس أحدهم؟
كانت جدتي، رحمها الله، تؤكد دائماً أن في السفر عدة فوائد وأنه يوسّع الآفاق. لكن تلك السيدة الحكيمة أمضت حياتها كلها في النبطية، ولم يخطر ببالها أن هناك نوعاً من السفر لا يعثر فيه المرء لا على فوائد ولا على أفق يستحق التوسيع ولا على ما يحزنون. ففي رأس المتعصّب، كل شيء محسوم سلفاً. الناس مصنّفون، والأحكام جاهزة، والإدانات حاضرة قبل وصول أصحابها. العالم هناك ينقسم إلى فئتين لا ثالث لهما: هو، والآخرون. إنها أزقة فكرية ضيقة وباردة، بلا نوافذ للهواء ولا مخارج للطوارئ. ومع ذلك، قادني الفضول إلى شراء تذكرة عبور إلى ذلك القحف المتشدّد. مغامرة محفوفة بالمخاطر، لا سيما في زمن صار فيه هذا التيار يملأ الشاشات صخباً، ويجتاح الساحات بثقة متزايدة، حالماً بالوصول إلى السلطة في أكثر من عاصمة غربية.
فإذا كنت مهاجراً، حديث العهد أو قديمه، أو حتى تحمل جنسية البلد نفسه، تعال معي في جولة داخل عقل يرى في اختلاف مظهرك أو اسمك أو لهجتك تهديداً لأمنه القومي، وفي وجودك مؤامرة ديموغرافية إحلاليه كبرى. لكن قبل الدخول، عليك ارتداء خوذة واقية من قذائف الشتائم، وسترة مضادة للرصاص العنصري، ولا تنس كمامة الأكسجين. فالأجواء هناك مشبعة بأبخرة الخوف، ومصانع الكراهية تعمل أربعاً وعشرين على اربع وعشرين. فوق المدخل لافتة ضخمة كتب عليها: نحن أولاً، والباقون خطأ مطبعي في كتاب الطبيعة. أو كما تقال باللبناني: نحنا وبس والباقي خس!
ما إن تعبر العتبة حتى تُعلن حالة الطوارئ، فتشتعل الأضواء الحمراء، وتعوي صفارات الإنذار، وتظهر على الشاشات تحذيرات من نهاية العالم، لدرجة قد تظن أن جيشاً غازياً اجتاح الحدود أو أن نيزكاً يقترب من الارتطام بالأرض. لكن لا. كل ما في الأمر أن شخصاً بشعر أجعد، أو بملامح سمراء، أو باسم يصعب على صاحب الرأس لفظه، قد مرّ من أمام الباب!
بعد اجتياز منطقة الإنذارات تصل إلى قاعة الشكاوى، حيث تستقبلك لوحة عملاقة كتب عليها: المهاجرون أصل العلة! ارتفعت أسعار الغذاء؟ بسببهم، ازدحمت المستشفيات؟ بسببهم، اختفت الوظائف؟ بسببهم، تدهور الإسفلت؟ بسبب أحذيتهم الثقيلة، تأخر الربيع؟ ربما بسببهم أيضاً. لكن المثير للإعجاب أن المهاجر، في هذه الرواية، ينجح في سرقة كل الوظائف، لكنه، وفي الوقت نفسه، يبقى عاطلاً عن العمل يعيش على المساعدات الحكومية.
في هذا الرأس لا وجود لسوء إدارة، ولا أخطاء حكومية، ولا سياسات اقتصادية فاشلة، ولا فساد ولا سرقات. هذه تفسيرات معقّدة لا داعي لها. الحقيقة أبسط:
المهاجر فعلها.
لكن الرحلة لا تكتمل دون زيارة غرفة الذكريات، حيث تُعرض أفلام قديمة عن "العصر الذهبي للمهاجر"، حين كان هذا المخلوق يصل في قارب خشبي مثقوب، يرتجف من البرد، فيحظى بالحساء والشفقة والاحتضان. والحقيقة أننا كنّا بحاجة إليه يومها لتشغيل المصانع وزراعة الحقول. أما مهاجر اليوم، فيصل عبر المطار حاملاً شهادة جامعية أو خبرة مهنية، ثم يرتكب جريمته الكبرى: يريد أن يعمل! تخيّلوا الوقاحة! بل إنه يتمادى أكثر، فيمرض ويطلب طبيباً، وينجب أطفالاً يحتاجون إلى مدارس، ويستأجر شقة، ويتنفس من الهواء العام، يا لها من بداحة! ففي الماضي كان المهاجر المثالي يثير الشفقة. أما اليوم، فمشكلته الكبرى أنه يثير المنافسة.
في نهاية الرحلة تصل إلى غرفة التحكم المركزية، حيث تقبع المفارقة الكبرى. هناك يحدثك صاحب الرأس لساعات عن عظمة حضارته، وقوة ثقافته، وتفوّق مجتمعه. ثم يشرح لك، في الجملة التالية مباشرة، كيف أن مهاجراً وصل البارحة إلى المطار بحقيبة ملابس مستعملة قادر على إسقاط هذه الحضارة العظيمة وإعادتها إلى العصر الحجري.عندها فقط تتضح الصورة. فالمشكلة لم تكن يوماً في المهاجر الذي يبحث عن موطئ قدم، بل في الخوف الذي استوطن هذا الرأس منذ زمن طويل، وحوّله إلى قلعة تخشى حتى ظلّها.
تغادر الرأس وتغلق الباب خلفك، لكن صفارات الإنذار في الداخل تواصل العويل، عندها تدرك أن صفارات الإنذار لم تكن تحذّر من وصول المهاجر، بل من هشاشة الرأس نفسه!
كنت في عربة مترو الأنفاق حين شقّ طبلة أذني ضجيج مفاجئ. التفتُّ نحو مصدره، فإذا بشلة من حالقي الرؤوس تحتل زاوية العربة. سترات جلدية سوداء، أحذية عسكرية ضخمة، وضحكات عالية تُطلق في الهواء. كانوا يتصرفون وكأن شركة النقل العام خصّصت لهم العربة لتكون عرضاً متنقلاً للقوة والهيبة. راقبتهم للحظات وقلت في نفسي: يبدو أنني أمام عيّنة من اليمين المتعصّب. عندها خطرت لي فكرة لم أقرر بعد إن كانت فضولاً علمياً أم نزعة انتحارية: ماذا لو قمت برحلة إلى أعماق رأس أحدهم؟
كانت جدتي، رحمها الله، تؤكد دائماً أن في السفر عدة فوائد وأنه يوسّع الآفاق. لكن تلك السيدة الحكيمة أمضت حياتها كلها في النبطية، ولم يخطر ببالها أن هناك نوعاً من السفر لا يعثر فيه المرء لا على فوائد ولا على أفق يستحق التوسيع ولا على ما يحزنون. ففي رأس المتعصّب، كل شيء محسوم سلفاً. الناس مصنّفون، والأحكام جاهزة، والإدانات حاضرة قبل وصول أصحابها. العالم هناك ينقسم إلى فئتين لا ثالث لهما: هو، والآخرون. إنها أزقة فكرية ضيقة وباردة، بلا نوافذ للهواء ولا مخارج للطوارئ. ومع ذلك، قادني الفضول إلى شراء تذكرة عبور إلى ذلك القحف المتشدّد. مغامرة محفوفة بالمخاطر، لا سيما في زمن صار فيه هذا التيار يملأ الشاشات صخباً، ويجتاح الساحات بثقة متزايدة، حالماً بالوصول إلى السلطة في أكثر من عاصمة غربية.
فإذا كنت مهاجراً، حديث العهد أو قديمه، أو حتى تحمل جنسية البلد نفسه، تعال معي في جولة داخل عقل يرى في اختلاف مظهرك أو اسمك أو لهجتك تهديداً لأمنه القومي، وفي وجودك مؤامرة ديموغرافية إحلاليه كبرى. لكن قبل الدخول، عليك ارتداء خوذة واقية من قذائف الشتائم، وسترة مضادة للرصاص العنصري، ولا تنس كمامة الأكسجين. فالأجواء هناك مشبعة بأبخرة الخوف، ومصانع الكراهية تعمل أربعاً وعشرين على اربع وعشرين. فوق المدخل لافتة ضخمة كتب عليها: نحن أولاً، والباقون خطأ مطبعي في كتاب الطبيعة. أو كما تقال باللبناني: نحنا وبس والباقي خس!
ما إن تعبر العتبة حتى تُعلن حالة الطوارئ، فتشتعل الأضواء الحمراء، وتعوي صفارات الإنذار، وتظهر على الشاشات تحذيرات من نهاية العالم، لدرجة قد تظن أن جيشاً غازياً اجتاح الحدود أو أن نيزكاً يقترب من الارتطام بالأرض. لكن لا. كل ما في الأمر أن شخصاً بشعر أجعد، أو بملامح سمراء، أو باسم يصعب على صاحب الرأس لفظه، قد مرّ من أمام الباب!
بعد اجتياز منطقة الإنذارات تصل إلى قاعة الشكاوى، حيث تستقبلك لوحة عملاقة كتب عليها: المهاجرون أصل العلة! ارتفعت أسعار الغذاء؟ بسببهم، ازدحمت المستشفيات؟ بسببهم، اختفت الوظائف؟ بسببهم، تدهور الإسفلت؟ بسبب أحذيتهم الثقيلة، تأخر الربيع؟ ربما بسببهم أيضاً. لكن المثير للإعجاب أن المهاجر، في هذه الرواية، ينجح في سرقة كل الوظائف، لكنه، وفي الوقت نفسه، يبقى عاطلاً عن العمل يعيش على المساعدات الحكومية.
في هذا الرأس لا وجود لسوء إدارة، ولا أخطاء حكومية، ولا سياسات اقتصادية فاشلة، ولا فساد ولا سرقات. هذه تفسيرات معقّدة لا داعي لها. الحقيقة أبسط:
المهاجر فعلها.
لكن الرحلة لا تكتمل دون زيارة غرفة الذكريات، حيث تُعرض أفلام قديمة عن "العصر الذهبي للمهاجر"، حين كان هذا المخلوق يصل في قارب خشبي مثقوب، يرتجف من البرد، فيحظى بالحساء والشفقة والاحتضان. والحقيقة أننا كنّا بحاجة إليه يومها لتشغيل المصانع وزراعة الحقول. أما مهاجر اليوم، فيصل عبر المطار حاملاً شهادة جامعية أو خبرة مهنية، ثم يرتكب جريمته الكبرى: يريد أن يعمل! تخيّلوا الوقاحة! بل إنه يتمادى أكثر، فيمرض ويطلب طبيباً، وينجب أطفالاً يحتاجون إلى مدارس، ويستأجر شقة، ويتنفس من الهواء العام، يا لها من بداحة! ففي الماضي كان المهاجر المثالي يثير الشفقة. أما اليوم، فمشكلته الكبرى أنه يثير المنافسة.
في نهاية الرحلة تصل إلى غرفة التحكم المركزية، حيث تقبع المفارقة الكبرى. هناك يحدثك صاحب الرأس لساعات عن عظمة حضارته، وقوة ثقافته، وتفوّق مجتمعه. ثم يشرح لك، في الجملة التالية مباشرة، كيف أن مهاجراً وصل البارحة إلى المطار بحقيبة ملابس مستعملة قادر على إسقاط هذه الحضارة العظيمة وإعادتها إلى العصر الحجري.عندها فقط تتضح الصورة. فالمشكلة لم تكن يوماً في المهاجر الذي يبحث عن موطئ قدم، بل في الخوف الذي استوطن هذا الرأس منذ زمن طويل، وحوّله إلى قلعة تخشى حتى ظلّها.
تغادر الرأس وتغلق الباب خلفك، لكن صفارات الإنذار في الداخل تواصل العويل، عندها تدرك أن صفارات الإنذار لم تكن تحذّر من وصول المهاجر، بل من هشاشة الرأس نفسه!
79 مشاهدة
10 يونيو, 2026
125 مشاهدة
03 يونيو, 2026
162 مشاهدة
02 يونيو, 2026