د.وفاء مروة - مونتريال
تزيّنت سماء الجنوب بالشهداء، لا بوصفها صورة شعرية، بل كحقيقةٍ يومية ثقيلة، تفرض حضورها على الإنسان والمكان معًا. لم يعد الموت حدثًا طارئًا، بل تحوّل إلى جزءٍ من تفاصيل الحياة، يدخل البيوت بلا استئذان، ويترك خلفه فراغًا لا تملؤه الكلمات. في هذا الواقع، تصبح الكتابة فعلًا من أفعال البقاء، ومحاولةً لإعطاء معنى لوجعٍ يتجاوز القدرة على الوصف.
سبعة وتسعون يومًا من النزف المتواصل، حيث لا يقتصر الألم على الدماء المسفوكة، بل يمتد ليشمل الإحساس بالأمان، والاستقرار، ومعنى الحياة اليومية. يسقط الشهداء تباعًا، لا كأرقامٍ تُحصى، بل كوجوهٍ معروفة، وأصواتٍ مألوفة، وأحلامٍ كانت تعيش بين الناس. الأطفال والنساء والشيوخ جميعهم في قلب هذا المشهد، حيث تتلاشى الفوارق، ويصبح الجميع عرضةً لخطرٍ واحد لا يرحم.
في ظل هذا النزف، يتبدّل شكل الحياة. البيوت لم تعد ملاذًا آمنًا، والقرى لم تعد كما كانت، بل تحوّلت إلى أماكن معلّقة بين الذاكرة والغياب. ينام الناس في العراء، في الطرقات، في السيارات، وفي أماكن لا تشبه فكرة الوطن. النزوح هنا ليس انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل هو اقتلاع داخلي، يترك أثره في النفس قبل المكان، ويحوّل الاستقرار إلى حالة مؤقتة، والأمان إلى حلم بعيد.
يترافق هذا الواقع مع حالةٍ نفسية معقّدة، يعيش فيها الإنسان على إيقاع الأخبار. النوم والاستيقاظ لم يعودا مرتبطين بالراحة، بل بمتابعة ما قد يحدث. كل خبر عن احتمال وقف إطلاق النار يفتح نافذة صغيرة للأمل، سرعان ما تُغلق مع عودة التصعيد، ليحلّ مكانها شعورٌ متجدّد بالخذلان. هذا التذبذب المستمر بين الأمل والانكسار يخلق حالة من الاستنزاف النفسي، حيث يصبح الانتظار بحد ذاته عبئًا ثقيلًا.
وفي خضم هذا كله، يتفكّك الإحساس بالعلاقات كما كان معروفًا سابقًا. لم يعد السؤال عن الآخرين بسيطًا، بل صار مؤلمًا ومعقّدًا. القلق يتوزّع بين الأهل والأصدقاء والجيران، وبين قرى بأكملها أصبحت أخبارها تُتداول بدل أن تُعاش. يتحوّل الخوف إلى حالة جماعية، ويصبح الاطمئنان مطلبًا صعب التحقيق، في ظل غياب اليقين واستمرار القلق.
ورغم هذا المشهد القاسي، يبرز عنصر الصمود كجزءٍ أساسي من هوية أبناء الجنوب. هذا الصمود لا يعني غياب الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم حضوره. هو تمسّك بالأرض، وبالانتماء، وبفكرة أن الحياة، مهما اشتدّ قسوتها، لا بد أن تُعاش. أبناء جبل عامل، أبناء الجنوب، لا يقدّمون صورة مثالية، بل صورة إنسانية حقيقية، مليئة بالتعب، لكنها ترفض الانهيار الكامل.
سبعة وتسعون يومًا ليست مجرد فترة زمنية، بل تجربة إنسانية كثيفة، تختصر معاني الفقد، والخوف، والصبر، والأمل المؤجّل. إنها واقعٌ يُعاش بكل تفاصيله، حيث تختلط الدموع بالصمت، والحنين بالانتظار، والحياة بالموت. وفي قلب هذا كله، يبقى الإنسان متمسّكًا بخيطٍ رفيع من الأمل، لا لأنه قوي دائمًا، بل لأنه لا يملك خيارًا آخر.
هذه ليست رواية، بل واقع حيّ يُكتب كل يوم بدمٍ جديد.
سبعة وتسعون يومًا من النزف… وما زال الألم مستمرًا.
تزيّنت سماء الجنوب بالشهداء، لا بوصفها صورة شعرية، بل كحقيقةٍ يومية ثقيلة، تفرض حضورها على الإنسان والمكان معًا. لم يعد الموت حدثًا طارئًا، بل تحوّل إلى جزءٍ من تفاصيل الحياة، يدخل البيوت بلا استئذان، ويترك خلفه فراغًا لا تملؤه الكلمات. في هذا الواقع، تصبح الكتابة فعلًا من أفعال البقاء، ومحاولةً لإعطاء معنى لوجعٍ يتجاوز القدرة على الوصف.
سبعة وتسعون يومًا من النزف المتواصل، حيث لا يقتصر الألم على الدماء المسفوكة، بل يمتد ليشمل الإحساس بالأمان، والاستقرار، ومعنى الحياة اليومية. يسقط الشهداء تباعًا، لا كأرقامٍ تُحصى، بل كوجوهٍ معروفة، وأصواتٍ مألوفة، وأحلامٍ كانت تعيش بين الناس. الأطفال والنساء والشيوخ جميعهم في قلب هذا المشهد، حيث تتلاشى الفوارق، ويصبح الجميع عرضةً لخطرٍ واحد لا يرحم.
في ظل هذا النزف، يتبدّل شكل الحياة. البيوت لم تعد ملاذًا آمنًا، والقرى لم تعد كما كانت، بل تحوّلت إلى أماكن معلّقة بين الذاكرة والغياب. ينام الناس في العراء، في الطرقات، في السيارات، وفي أماكن لا تشبه فكرة الوطن. النزوح هنا ليس انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل هو اقتلاع داخلي، يترك أثره في النفس قبل المكان، ويحوّل الاستقرار إلى حالة مؤقتة، والأمان إلى حلم بعيد.
يترافق هذا الواقع مع حالةٍ نفسية معقّدة، يعيش فيها الإنسان على إيقاع الأخبار. النوم والاستيقاظ لم يعودا مرتبطين بالراحة، بل بمتابعة ما قد يحدث. كل خبر عن احتمال وقف إطلاق النار يفتح نافذة صغيرة للأمل، سرعان ما تُغلق مع عودة التصعيد، ليحلّ مكانها شعورٌ متجدّد بالخذلان. هذا التذبذب المستمر بين الأمل والانكسار يخلق حالة من الاستنزاف النفسي، حيث يصبح الانتظار بحد ذاته عبئًا ثقيلًا.
وفي خضم هذا كله، يتفكّك الإحساس بالعلاقات كما كان معروفًا سابقًا. لم يعد السؤال عن الآخرين بسيطًا، بل صار مؤلمًا ومعقّدًا. القلق يتوزّع بين الأهل والأصدقاء والجيران، وبين قرى بأكملها أصبحت أخبارها تُتداول بدل أن تُعاش. يتحوّل الخوف إلى حالة جماعية، ويصبح الاطمئنان مطلبًا صعب التحقيق، في ظل غياب اليقين واستمرار القلق.
ورغم هذا المشهد القاسي، يبرز عنصر الصمود كجزءٍ أساسي من هوية أبناء الجنوب. هذا الصمود لا يعني غياب الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم حضوره. هو تمسّك بالأرض، وبالانتماء، وبفكرة أن الحياة، مهما اشتدّ قسوتها، لا بد أن تُعاش. أبناء جبل عامل، أبناء الجنوب، لا يقدّمون صورة مثالية، بل صورة إنسانية حقيقية، مليئة بالتعب، لكنها ترفض الانهيار الكامل.
سبعة وتسعون يومًا ليست مجرد فترة زمنية، بل تجربة إنسانية كثيفة، تختصر معاني الفقد، والخوف، والصبر، والأمل المؤجّل. إنها واقعٌ يُعاش بكل تفاصيله، حيث تختلط الدموع بالصمت، والحنين بالانتظار، والحياة بالموت. وفي قلب هذا كله، يبقى الإنسان متمسّكًا بخيطٍ رفيع من الأمل، لا لأنه قوي دائمًا، بل لأنه لا يملك خيارًا آخر.
هذه ليست رواية، بل واقع حيّ يُكتب كل يوم بدمٍ جديد.
سبعة وتسعون يومًا من النزف… وما زال الألم مستمرًا.
58 مشاهدة
03 يونيو, 2026
91 مشاهدة
02 يونيو, 2026
144 مشاهدة
01 يونيو, 2026