لطيفة الحاج قديح* - مونتريال
مع ان العليق نبات طيب المذاق وله فوائد جمة ولكن الوصول اليه صعب صعب ،
وهكذا هو لبنان على مدار تاريخه القديم والحديث دفع ويدفع الثمن الأغلى في سبيل استقلاله…
واذا نظرنا نظرة تمعن في تاريخه القديم والحديث نجده عانى الأمرين من الاحتلال منذ فجر التاريخ منذ المصريين القدماء الى الآشوريين والبابليين ثم الفرس والإغريق والرومان والبيزنطينيين الى الفتح الإسلامي إلى الصليبيين والمماليك فالعثمانيين الى الانتداب الفرنسي إلى إعلان دولة لبنان الكبير في العام ١٩٢٠، حتى إعلان استقلال لبنان رسميا في ٢٢ تشرين الاول في العام ١٩٤٣بطوائفه الثمانية عشرة .
وقد لعبت الطائفية دورا هيكليا وجوهريا في الدستور اللبناني الذي تمت صياغته تحت اشراف سلطات الانتداب الفرنسي بالتعاون مع لجنة لبنانية شكلت لهذا الغرض ، حيث تحول النظام من ديمقراطية برلمانية بسيطة الى " ديمقراطية توافقية، قائمة على تقاسم السلطة بين الطوائف. وهو ما يعرف بنظام " الطائفية السياسية" الذي ينظم توزيع المناصب السياسية والإدارية على الانتماء المذهبي وليس حسب الكفاءة .
وتعتبر الميثاقية عرفا دستوريا طائفيا يفرض ضرورة مشاركة القوى السياسية الممثلة للطوائف الرئيسية في اتخاذ القرارات الكبرى او تشكيل الحكومة ، مما يعطي "فيتو " فعلي لكل طائفة تستخدمه حسب الحاجة .
فالطائفية في الدستور اللبناني ليست مجرد تنوع ، بل هي آلية حكم وإدارة للدولة ، بينما يهدف الدستور الى "العيش المشترك" والمساواة ، إلا انه عمليا يرسخ التمايز الطائفي ويجعل من الطائفة الوسيط الأساسي بين المواطن والدولة.
ومع أن القانون اللبناني ينص على المساواة بين المواطنين ، لكنه في الممارسة السياسية اعتمد نظاما توافقيا يوزع السلطات والمناصب بناء على الانتماء الطائفي ..
وهكذا لعبت الطائفية دورا اساسياً في الحياة السياسية بحيث يظل لبنان بؤرة للتوتر والاختلاف والتناحر ، ولا سيما ان اللبناني لم يترب على مفهوم المواطنة ، فمدارسه سواء الرسمية او الخاصة لم ترب التلامذة على فكرة الولاء للوطن ، بل على فكرة الولاء للطائفة او المذهب ، حيث لا يوجد في لبنان حتى الآن كتابا موحدا للتاريخ ، بل كل مدرسة تعلم تاريخ لبنان على ذوقها فتنسب البطولة والوطنية لأناس لا يستحقونها احيانا ، وربما اعتبر المقاوم ارهابيا والعميل مواطنا صالحا ، وهكذا فهناك اشخاص يعتبرون خونة في نظر البعض ، وابطالا في نظر البعض الاخر . وبالتالي فالشعب اللبناني ليس له عدو واحد ، فمنهم من يعتبر إسرائيل العدو الاوحد ومنهم من يعتبرها صديقة ويسوق لها الذرائع في جرائمها التي لا تنتهي بحق اللبنانيين ويتخذها مثلا اعلى ويريد ان ينهي الحرب معها بأي ثمن من الأثمان ، حتى وهي تقصف وتقتل اخوتهم في الوطن ، ولو كانت هي لا تريد هذه الصداقة بل تسعى الى قضم اجزاء كبيرة من الوطن ( كما تفعل حاليا في الجنوب اللبناني ) عدا عن هدم البيوت وقصف المنشآت والاستحواذ على مياه الانهار ، غير عابئة بالاتفاقيات الدولية المعقودة بينها وبين لبنان ، او وقف اطلاق النار ، وما شابه ذلك …
ومع ان الدين لله والوطن للجميع ، وهذا ما يعيشه مواطنو أميركا وكندا ومعظم الدول الأوروبية ، ( ففي تعداد السنوات الأخيرة وعلى سبيل المثال تعتبر كندا موطنا لأكثر من ٤٥٠ اصل عرقي وثقافي مختلف ، يعيشون بسلام .
وللأسف فإن لبنان يشذ عن هذه القاعدة ومن منا لا يعلم بذلك الانقسام العمودي الذي ابتلي به الشعب اللبناني نتيجة تركيبته الطائفية تلك ، ذلك الانقسام الذي شجع العدو (ومنذ إنشائه على اجتياح لبنان) كون الدولة اللبنانية نأت بنفسها وبجيشها عن الدفاع عن الوطن بحجة ان قوة
لبنان في ضعفه (نسبت تلك المقولة الى مؤسس حزب الكتائب اللبناني الشيخ بشير الجميل …. ) ما شجع العدو على اجتياح لبنان (كلما دق الكوز بالجرة ) بذرائع وحجج مختلفة، مع الإشارة إلى أن المقاومة اللبنانية الإسلامية التي حملت تسمية " حزب الله" لم تقم إلا بسبب ضرورة تحرير الأرض بعد أن تقاعست الدولة عن القيام بذلك .
وهذا غيض من فيض مما قامت به إسرائيل في لبنان :
⁃ اقتطع العدو من لبنان القرى السبع على مرحلتين ( العام ١٩٢٠ - ١٩٢٣ ).
-واجتاح لبنان في العام ١٩٧٨ واحتل مناطق واسعة جنوب نهر الليطاني لإنشاء منطقة عازلة .
-وكان الغزو الشامل في العام ١٩٨٢ حيث وصلت فيه إسرائيل الى العاصمة بيروت .
⁃ ثم قامت اسرائيل باحتلال الجنوب ( ١٩٨٥- ٢٠٠٠)
ولكنها اضطرت بعدها إلى الانسحاب نتيجة أعمال المقاومة الذي أدت الى تحرير الارض .
⁃ وفي العام ١٩٩٦ عادت اسرائيل للقيام بعملية عناقيد الغضب التي استهدفت فيها مناطق واسعة من الجنوب حتى بيروت .
⁃ وفي العام ٢٠٠٦ شنت على لبنان حربا شاملة ما بين ١٢ أيلول إلى ١٤ اب ودمرت فيها البنية التحتية في كثير من المناطق اللبنانية .
⁃ وفي الثامن من اكتوبر من العام ٢٠٢٣ بدأت إسرائيل عملية برية في الجنوب اللبناني ضمن تصعيد مستمر لم يتوقف حتى يومنا هذا وقد بقيت حوالي السنة والنصف تقصف وتقتل وتدمر من دون اي رد من الطرف اللبناني ….
⁃ اما اليوم فاللبنانيون ( ولا سيما الجنوب) يعيشون مأساة لا مثيل لها حيث حولت إسرائيل وتحول الجنوب اللبناني إلى أرض محروقة بما تقوم به من عمليات قتل وهدم وحرق ونسف وجرف متذرعة بذرائع شتى لا اساس لصحّتها، غير عابئة باتفاقيات وقف الأعمال العدائية او ما شابه ذلك..
⁃ ان هذا الوضع الصعب والمعقد لا يمكن التغلب عليه إلا بتطبيق اتفاق الطائف و بالوحدة الوطنية اللبنانية الجامعة، وبمسار حقيقي طويل أولويته حوار داخلي جدي ، وربطه باستراتيجية دفاع وطني تعيد الحق إلى اصحابه وتحمي لبنان من كل التدخلات الخارجية ، والحديث يطول ….
*روائية وباحثة
14 مشاهدة
02 مايو, 2026
178 مشاهدة
23 أبريل, 2026
319 مشاهدة
04 أبريل, 2026