د. اسماعليل الحاج علي ـ غاتينو
الخرافة والعرفان المزيّف وأدبيات الانتظار المصنوعة لا تسلب الإنسان رأيه فقط، بل تسلب الأمة قدرتها على الفعل.
وحين يُختطف الزمن في دوامة الترقّب، ويُستلب الغيب ليصير سوقًا للتنبؤات، يتراجع العقل وتتعطل سنن النهوض.
استرداد الحضارة يبدأ بردّ الإنسان إلى التعقّل والتدبير، وربط الإيمان بالعمل، والمستقبل بالبناء لا بالانتظار
تعطيل العقل وهندسة القعود
ليست أخطر الحروب ما يجري على الحدود، بل ما يجري في بنية الوعي؛ حين تُنزَع من الإنسان ملكة التعقّل والتدبّر والأخذ بالأسباب، ويُعاد تشكيله ككائن ينتظر بدل أن يبادر، ويتلقّى بدل أن يخطّط، ويستهلك السرديات بدل أن يصنع الواقع. من هنا ينتشر تعويم الخرافة والسوبرستيشن، ويُسوَّق العرفان المزيّف بوصفه قدرة على معرفة الخواطر واستشراف المستقبل، وتُمنح شخصيات غامضة سلطة توجيه الناس في شؤونهم من غير قواعد منضبطة ولا معايير قابلة للفحص أو المحاسبة. عندها ينتقل المجتمع من منطق التحليل إلى منطق التأويل المرضي، ومن سؤال: كيف نبني العلم والعدل والمؤسسات؟ إلى سؤال: ما العلامة القادمة، ومن يملك السرّ؟ وهذا في جوهره مصادرة للعقل العملي الذي كرّم الله به الإنسان، وتحويله من فاعل في التاريخ إلى تابع يبحث عمّن يفكّر عنه ويحمل عنه عبء القرار.
اختلاس الزمن واستلاب الغيب
وحين تتحول روايات الظهور والمستقبل — ولا سيّما الروايات الموضوعة والدخيلة والإسرائيليات وما نُسج من أخبار لا يثبت سندها ولا يستقيم متنها — من رجاءٍ أخلاقي يبعث العمل إلى برنامج انتظار يعطّل العمل، يقع اختلاسٌ للزمن واستلابٌ للغيب معًا؛ إذ يُسرق الزمن من وظيفته بوصفه ميدانًا للتراكم والبناء والتجربة والمسؤولية، فتُهدر الأعمار في الترقّب بدل الإنجاز، ويُنتزع الغيب من مقامه الإيماني بوصفه أفقًا للمعنى والثقة بالله، ليُحوَّل إلى مادة تنبؤات وتقاويم أحداث وشهوة لمعرفة ما لم يُكلَّف الإنسان بمعرفته. عندها تنتظر الأمة حدثًا خارقًا يحلّ محل التربية والمعرفة والاقتصاد والإدارة، فيُستبدل منطق السنن بمنطق الإثارة، والعمل بسرديات التوقّع، والتوكّل بترك الأسباب. ومن هنا تكون مقاومة هذه الظواهر جبهةً من جبهات الحق، لأنها تعيد الإنسان إلى مركزه، وتردّ العقل إلى وظيفته، وتربط الإيمان بالفعل، وتجعل المستقبل ثمرة عمل يُبنى لا قصة تُنتظر.
استشراف
وفي الأفق الأخير يتبيّن أن الحياة ليست قاعة انتظار، بل ساحة استعداد وإقدام وتخطيط وبصيرة وجهد. وكما تكرّر الدكتورة هبة عبد الرؤوف عزت في دروسها:
“If you are not fast, you are food”؛
فمن يتأخر عن سنن الحركة يُدركه منطق الافتراس التاريخي، وإنك إن لم تكن فاعلًا مرفوعًا صانعًا للمسار، صرت مفعولًا به على النصب في مسارات غيرك. لذلك خلص هذا البحث إلى أن تغييب العقل أخطر من هزيمة السلاح، وأن الخرافة والعرفان المزيّف وروايات الانتظار الموضوعة أدوات لتعطيل الإرادة، وأن استرداد الأمة يبدأ بردّ التعقّل إلى مركزه، وربط التوكّل بالأسباب، والغيب بالمعنى، والزمن بالبناء، والمستقبل بالفعل لا بالتمنّي.
46 مشاهدة
22 أبريل, 2026
83 مشاهدة
20 أبريل, 2026
46 مشاهدة
20 أبريل, 2026