Sadaonline

الآخر والإنسانية الصماء البكماء العمياء

أخطر ما في ذلك هو معاينة الجرائم وضحاياها وكأنها فيلم سينمائي فما يحصل هو للآخر إما لذنب ارتكبه أو طريق اختارها

د. لمى فواز - مونتريال

تعد الحروب بمختلف حقبها وتعدادها على مر العصور من ثوابت التاريخ البشري وعوامل صعود واندثار الشعوب. غير أن اطلاع الناس على مجرياتها وتفاصيلها وتطور القيم الإنسانية من حقوق وشرع تحفظها لم تكن يوما بالمستوى الذي وصلت إليه في عالمنا اليوم. 
فالناس اليوم متصلون مراقبون ومشاهدون لأهوال الحروب وما يحصل فيها من قتل وتدمير وحرق وسلب وتهجير. أي أن الانتهاكات للقوانين والتشريعات وأيضا الجرائم المرتكبة من قبل دول مشاركة فيها واضحة للعيان وتوثيقها يسير. وبالرغم من ذلك لا زالت البشرية تعاني من أهوال الحروب دون حسيب او رقيب يمتلك قدرة تفوق البيانات المستنكرة والشاجبة إن حصلت. 
ولعل أخطر ما في ذلك هو معاينة الجرائم وضحاياها وكأنها فيلم سينمائي فما يحصل هو للآخر إما لذنب ارتكبه أو طريق اختارها، وتاتي هذه الجرائم كعقوبة مستحقة له. 
فما بين قوانين العلمانية التوسعية في كيبيك القاضمة تدريجيا للحريات الشخصية، والحروب الشرق أوسطية التي دفعت وتدفع الناس أفرادا وعائلات إلى خط هجرة نحو عوالم جديدة وبعيدة، عامل بعيد الشبه في مضمونه وعنوانه ولكنه مشابه من حيث نكران وجود الآخر وحقه في الاعتقاد والكيان المستقل. لقد سمعنا مقولة من يأتي إلى بلد فليصبح مماثلا لأهلها شكلا وقولا وإلا فلا مكان له أو ليعد من حيث أتى. وكأن الهجرة لما وراء المحيط هي فعل يقدم عليه من صحا في يوم مشرق في موطن نشأته وهو يترع في أمان واستقرار في مدينته أو قريته. معظم المهاجرين اقتلعوا أنفسهم وعوائلهم من جذورها وهاجروا ليحصلوا على فرصة عيش كريمة هانئة وآمنة بعيدا عن اعتداءات مستمرة على أرضهم وحياتهم واقتصادهم. فلولا غض البصر والتعامي والتمييز في حماية الحقوق الدولية بين شعوب وأخرى بعنصرية مدبلجة باحتراف صناع السينما، لما كان هنالك داع لهجرة يقدم عليها من امتلك الشجاعة واليأس في آن معا. 
فالآخر مذنب لأنه مختلف وعليه فما يصيبه من كدر هو مسؤوليته وحده وهنا يخرج من إنسانيته ويجرد منها فلا يعود يجري عليه ما يجري على باقي الناس حقوقيا فيمكن إسقاطه للمرة الثانية. أولا في ساحة الحروب وثانيا كحدث أو رقم يسجل ولا يتوقف عنده لا قانون دولي ولا شرعة حقوق. وهنا تصبح التكنولوجيا لعنة تمسخ ما تبقى من مشاعر إنسانية فتعدد مشاهد التدمير والمعاناة وسهولة وصولها، تزيل ما تبقى من قدرة على التحسس والتعاطف الإنساني لدى الناس من كثرة التعرض لها في غياب أي رد فعل، ليزداد عالمنا ابتعادا عن صفته الإنسانية ليس بسبب تطور الذكاء الاصطناعي بل لأن الإنسانية باتت تعاني من إعاقة الصم والبكم والعمى.