Sadaonline

جئت لا أعلم… ولكني أتيت

الحياة لا تعطي أجوبتها دفعةً واحدة، بل تمنحها لمن يصبر على السؤال

الباحثة التربوية الدكتورة وفاء مروة - مونتريال 
جئت لا أعلم…،ولكني أتيت 
أبصرت أمامي طريقا ً …. فمشيت .
فتحتُ عينيَّ على هذا العالم دون أن أختار لحظة الميلاد، ولا الأرض التي سأطأها، ولا الزمان الذي سأعيش فيه. وجدتُ نفسي في رحلةٍ بدأت قبل أن أعيها، وفي كتابٍ كُتبت صفحاته الأولى قبل أن أتعلم القراءة. لم أكن أملك سوى قلبٍ صغير، وأسئلةٍ أكبر من عمري، وروحٍ تبحث عن معنى وجودها بين اتساع السماء وضيق الأرض.

لم يكن الطريق مستقيمًا، ولم تكن نهايته واضحة. كانت خطواتي الأولى مترددة، يسكنها الخوف حينًا، ويقودها الفضول حينًا آخر. كنتُ أمشي لأن الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف، ولأن الزمن لا ينتظر من يتردد طويلًا عند مفترقات الطرق. ومع كل خطوة، كنت أترك خلفي إنسانة، وأولد من جديد في هيئةٍ أكثر نضجًا، وأكثر قدرةً على فهم ذاتي والعالم.

كان الطريق يُعلّمني أكثر مما تمنحني الكتب، ويُهذب روحي أكثر مما تفعل الكلمات. أدركت أن الحقيقة ليست ما نراه بأعيننا، بل ما نعيشه بقلوبنا. وأن التجارب ليست محطاتٍ نعبرها، بل هي التي تعبر في أعماقنا، فتغيرنا بصمت، وتعيد تشكيل أرواحنا دون أن نشعر.

وكم من مرةٍ حسبتُ أنني وصلت، فإذا بالطريق يفتح أمامي أفقًا جديدًا، وكم من مرةٍ ظننت أنني فقدت كل شيء، فإذا بالله يمنحني ما هو أعظم مما تمنيت. عندها أيقنت أن الإنسان يرى جزءًا صغيرًا من الصورة، بينما يرى الله المشهد كله، فيكتب لنا ما نعجز عن اختياره لأنفسنا.

تعثرتُ كثيرًا، لكنني تعلمت أن السقوط ليس نهاية الرحلة، بل بداية معرفة النفس. فالإنسان لا يقاس بعدد انتصاراته، وإنما بقدرته على النهوض بعد كل انكسار. وكل جرحٍ كان يترك في داخلي نافذةً يدخل منها نور الحكمة، وكل دمعةٍ كانت تغسل شيئًا من غرور النفس، حتى يصبح القلب أكثر صفاءً، والعقل أكثر اتزانًا، والإيمان أكثر رسوخًا.

ومع مرور الأعوام، اكتشفت أن الحياة لا تعطي أجوبتها دفعةً واحدة، بل تمنحها لمن يصبر على السؤال. وأن أجمل ما في الرحلة ليس الوصول إلى نهاية الطريق، بل التحول الذي يحدث في داخل الإنسان وهو يسير. فنحن لا نخرج من التجارب كما دخلناها، بل نولد منها مرةً بعد مرة، حتى نصبح النسخة التي أرادها الله لنا.

واليوم، إذا سألني أحدهم: كيف وصلتِ إلى هذا اليقين؟ سأقول: لم أصل بعد، فما الحياة إلا طريقٌ طويل بين البداية واللقاء الأخير. لكنني تعلمت أن أمشي مطمئنةً، لأنني لا أسير وحدي، بل أسير في معية الله، ومن كان الله معه، فلن يضل الطريق وإن اشتدت عتمته.

جئتُ لا أعلم… ولكنني أتيت. أبصرتُ أمامي طريقًا… فمشيت.
ولم أكن أعلم أن الطريق لم يكن يقودني إلى مكان، بل كان يقودني إلى نفسي، وإلى معرفة ربي، وإلى اليقين بأن أعظم الرحلات ليست تلك التي نقطع فيها المسافات، بل تلك التي نقطع فيها المسافة بين الخوف والطمأنينة، وبين السؤال والإيمان، وبين الإنسان وربه.