د. وفاء مروة بليطة - مونتريال
تُجسّد هذه العبارة إحدى أكثر الرؤى الشعرية كثافةً في التعبير عن العلاقة الجدلية بين الإنسان والحياة، حيث لا يُطرح حب الحياة بوصفه ميلًا فطريًا مطلقًا، بل كفعل واعٍ مشروط بقدرة الإنسان على بلوغ شروطها الأساسية. فالحياة، في هذا السياق، تتجاوز مفهومها البيولوجي لتغدو بنية مركّبة قائمة على الكرامة الإنسانية، والحرية، والعدالة الاجتماعية، وهي جميعها عناصر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنظومة التربوية. إن هذا الربط بين "الحب" و"الاستطاعة" يكشف عن وعي عميق بوجود عوائق بنيوية تعيق تحقق الإنسان، ما يضع التربية في موقع المسؤولية بوصفها أداة لإعادة إنتاج الفرص وتكافؤها.
من منظور تربوي، يمكن قراءة هذه العبارة في ضوء نظرية الحاجات الإنسانية لدى أبراهام ماسلو، حيث لا يمكن للفرد أن يصل إلى مستويات عليا من تحقيق الذات ما لم تُلبَّ حاجاته الأساسية من أمن واستقرار وانتماء. وعليه، فإن غياب "الاستطاعة" لا يُضعف فقط حب الحياة، بل يهدد البنية النفسية والدافعية للمتعلم. كما تتقاطع هذه الرؤية مع فلسفة جون ديوي التي تؤكد أن التعليم الحقيقي ينطلق من الخبرة الحياتية، وأن المدرسة ينبغي أن تكون امتدادًا للحياة لا انفصالًا عنها. فإذا كانت الحياة نفسها موضع تهديد أو نقص، فإن العملية التعليمية تفقد أحد أهم شروطها، وهو المعنى.
وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم الدافعية الداخلية بوصفه عنصرًا محوريًا في العملية التربوية، حيث يشكّل حب الحياة قوة دافعة نحو التعلم والاكتشاف. غير أن هذه الدافعية تبقى هشّة في البيئات المضطربة، ما يستدعي تبنّي استراتيجيات تربوية قائمة على تعزيز المرونة النفسية (Resilience) وبناء الأمل (Hope Education). إن تعليم المتعلم كيف يعيد إنتاج المعنى في حياته، وكيف يتجاوز الأزمات عبر التفكير الإيجابي والتفاعل الخلّاق، يُعدّ من أبرز وظائف التربية المعاصرة، خاصة في سياقات الهجرة، والنزوح، والصراعات.
كما أن العبارة تحمل في طياتها بعدًا قيميًا عميقًا، إذ تشير ضمنيًا إلى أن الحياة التي تُحب هي تلك التي تُعاش بكرامة. وهذا ينسجم مع توجهات التربية الحديثة التي تركز على بناء الإنسان القيمي، لا المعرفي فقط، من خلال ترسيخ مبادئ العدالة، والاحترام، والمواطنة الفاعلة. ومن هنا، تتحول التربية إلى فعل إنساني مقاوم، يسعى إلى تمكين الفرد من استعادة حقه في الحياة، لا كامتياز ممنوح، بل كحق أصيل.
إن توظيف هذه الرؤية في الممارسات التربوية يفتح آفاقًا واسعة لتطوير بيئات تعليمية أكثر إنسانية، من خلال إدماج التعلم باللعب، والتعلم القائم على الخبرة، والدعم النفسي الاجتماعي، بما يعزز شعور المتعلم بالأمان والانتماء. فحين يشعر المتعلم أنه قادر على "الوصول إلى الحياة"، يصبح أكثر استعدادًا لحبها، والتفاعل معها، والمساهمة في بنائها.
وعليه، يمكن القول إن عبارة محمود درويش لا تقف عند حدود التعبير الشعري، بل تتجاوزها لتشكّل إطارًا فكريًا تربويًا يعيد تعريف وظيفة التعليم بوصفه عملية تمكين إنساني شاملة. فالتربية، في جوهرها، ليست فقط نقلًا للمعرفة، بل هي إعادة بناء لقدرة الإنسان على أن يحب الحياة ويسعى إليها، رغم كل التحديات.
22 مشاهدة
31 يوليو, 2026
39 مشاهدة
30 يوليو, 2026
258 مشاهدة
28 يوليو, 2026