وليم خربوطلي* ـ مونتريال
نعلّم أبناءنا ألّا يسخروا من زملائهم، وألّا يحوّلوا اختلاف الآخرين إلى مادة للإهانة. ننظّم حملات لمكافحة التنمّر في المدارس، وندعو الأطفال إلى احترام المشاعر والكرامة الإنسانية. ثم نفتح مواقع التواصل الاجتماعي، ونشارك أحياناً في السلوك نفسه الذي نطلب منهم رفضه، مكتفين بعبارة جاهزة: «نحن نمزح».
موجة السخرية التي طالت النائبة الجديدة ندى بو مفتاح، عقب مقابلتها مع «راديو كندا» بعد فوزها في دائرة موريس ريشار عن الحزب الليبرالي الكيبكي، تستحق أن نتوقف عندها. فقد عبّرت عن فرحتها بحماس لافت، مستخدمة تشبيهات مستوحاة من الهوكي، وانتشرت المقابلة على مواقع التواصل وأثارت تعليقات ساخرة، فيما دعا بعض المعلقين إلى منحها فرصة لإثبات نفسها.
من حق أي مشاهد أن يجد أسلوبها مبالغاً فيه، أو أن يفضّل خطاباً أكثر هدوءاً. ومن حق الصحافة والجمهور مناقشة قدرة نائب منتخب على التواصل، ووضوح رسالته، ومدى ملاءمة أدائه للمسؤولية التي يتولاها. لكن هذه الملاحظات تحتاج إلى التناسب والإنصاف. فثوانٍ من الحماس أمام الكاميرا لا تكفي لإصدار حكم شامل على إنسان، ولا تمنح الجمهور تفويضاً مفتوحاً لإذلاله.
التنمّر آفة مجتمعية تتجاوز ساحات المدارس. يظهر في العمل، وفي العلاقات الاجتماعية، وعلى المنصات الرقمية، حين يصبح التقليل من شأن شخص وسيلة للتسلية أو لإثبات التفوق عليه. ويربط هذا السلوك، عموماً، بالتكرار واختلال موازين القوة وإلحاق الأذى أو الضيق بالشخص المستهدف. ولذلك، ينبغي النظر إلى طبيعة التعليقات وسياقها وتراكمها، عوض الاكتفاء بالحكم على كل عبارة منفردة.
فأين تنتهي الدعابة ويبدأ التنمّر؟
الدعابة قد تكون لاذعة، والسخرية السياسية قد تكون محرجة ومزعجة لأصحاب السلطة. وهذا جزء مشروع من الحياة الديمقراطية. كما أن انزعاج شخص من نكتة لا يجعلها، تلقائياً، تنمّراً. لكن الفارق يظهر عندما تتحول الملاحظة الساخرة إلى ملاحقة متكررة، ويصبح المقصود تثبيت صورة مهينة عن الشخص، واختزال هويته وقدراته في حركة أو تعبير أو لحظة انفعال.
يمكننا أن نضحك من موقف عابر ونمضي. أما أن نستدعي الموقف باستمرار لإسقاط قيمة صاحبه، وأن نحشد التعليقات للسخرية من ملامحه أو صوته، وأن نستبدل تقييم أدائه بإهانة شخصه، فذلك يستدعي مساءلة أخلاقية جدية. وعبارة «كنت أمزح» لا تحسم هذه المساءلة؛ فحسن النية المعلن لا يلغي ضرورة الانتباه إلى السلوك وأثره.
وقد قدّم زعيم حزبها مثالاً على إمكان التعامل مع الموقف بخفة، حين قال، بمعنى كلامه، إن البعض سبق أن وصفه بأنه ممل، وإن ندى قد تعوّض ذلك. في تقديري، تركت هذه الدعابة مساحة للابتسام، وأشركته هو أيضاً في المزاح، من دون الانتقاص من قيمتها أو أهليتها الإنسانية.
على المنصات الرقمية، تزداد المسؤولية تعقيداً. قد يكتب كل مشارك تعليقاً واحداً، ويعتقد أن مساهمته ضئيلة، بينما يتلقى الشخص المستهدف، والذي هو إنسانا كغيره من الناس، سيلاً متواصلاً من الإهانات. ولا يحتاج هذا التراكم إلى جهة تنظّمه حتى يصبح مؤذياً. فإن سرعة مشاركة المحتوى واتساع جمهوره وصعوبة محو آثاره قد تضاعف نتائج التنمّر الإلكتروني وتطيل مدتها.
ويقال أحياناً إن السياسي اختار الحياة العامة، وعليه أن يتحمّل تبعات اختياره. هذا صحيح في ما يتعلق بالرقابة والمساءلة والنقد، بما فيه النقد القاسي. فالمنصب العام يفرض على صاحبه الإجابة عن قراراته ووعوده وسلوكه، ويتيح للجمهور إخضاعه لتدقيق واسع. لكن تحمّل المسؤولية العامة لا يعني التنازل عن الكرامة الشخصية، كما أن القوة التي يمنحها المنصب لا تجعل صاحبه محصّناً من الأذى.
نحتاج إلى سياسيين قادرين على مواجهة الأسئلة الصعبة، وإلى مواطنين قادرين على طرحها. وتضعف هذه العلاقة حين يحل الاستهزاء محل السؤال، وحين يصبح تداول لقطة ساخرة أسهل من قراءة برنامج أو متابعة تصويت أو مساءلة نائب عن خدمة ناخبيه. عندها، ننفق اهتمامنا على ما يثير الضحك، ونترك ما يستحق المحاسبة.
وفي حالة ندى بو مفتاح، لا يلزمنا الإعجاب بأسلوبها لكي نرفض إهانتها. ولا يلزمنا تأييد حزبها لكي نطالب بإنصافها. يمكن أن نختلف معها في السياسات والمواقف، وأن ننتقد تصريحاتها وسلوكها المهني استناداً إلى وقائع موثوقة، وأن ننتظر منها الجدية والكفاءة. كل ذلك ينسجم تماماً مع رفض تحويل فرحتها بالفوز إلى مادة لإذلال متكرر.
ومن الإنصاف أيضاً ألّا نحمّل كل من ابتسم للمقابلة أو علّق عليها بخفة تهمة التنمّر. الاعتراض يتناول التجاوز والتكرار والتجريح الشخصي. هذا التمييز يحمي صدقية مكافحة التنمّر، ويحافظ في الوقت نفسه على مساحة حقيقية للفكاهة وحرية التعبير.
أما مسؤوليتنا كمجتمع، فتبدأ من الاعتراف بأن مقاومة هذه الآفة لا تنجح بالشعارات وحدها. الطفل الذي يسمعنا ندعو إلى الاحترام، ثم يرانا نتلذذ بإذلال شخص على الإنترنت، يتعلم من سلوكنا أكثر مما يتعلم من مواعظنا. وكذلك الجمهور الذي يرى الشخصيات العامة ووسائل الإعلام تكافئ التجريح بالاهتمام، قد يفهم أن الإهانة طريق مقبول إلى الظهور.
لهذا، يستطيع كل منا أن يسأل نفسه، قبل التعليق أو المشاركة: ما الذي أضيفه؟ هل أناقش تصرفاً محدداً بقدر مناسب، أم أساهم في ملاحقة شخص؟ وهل كنت سأقبل الأسلوب نفسه لو استُخدم ضد إنسان أحبه، أو ضد سياسي أؤيده؟
لندى بو مفتاح، كما لأي نائب آخر، مسؤوليات سنحاسبها عليها. وستقدّم أعمالها ومواقفها ما يكفي للحكم على أدائها. أما كرامتها، فلا ينبغي أن تكون مكافأة نمنحها لها إذا أعجبتنا، أو امتيازاً نسحبه منها إذا اختلفنا معها.
فلنحتفظ بحقنا في النقد والضحك، ولنتحمّل مسؤولية الطريقة التي نمارسهما بها. الديمقراطية تحتاج إلى مساءلة شجاعة، ويليق بمجتمع يحارب التنمّر أن يمارس هذه الشجاعة من دون قسوة.
*محام، وسيط ومحكم
** الصورة من موقع الحزب اللبرالي الكيبكي
62 مشاهدة
07 أكتوبر, 2026
119 مشاهدة
06 أكتوبر, 2026
106 مشاهدة
04 أكتوبر, 2026