د. وفاء مروة بليطة
باحثة في الإدارة التربوية
في الغربة، تتغير علاقتنا بالأمكنة والذكريات. يصبح الوطن حاضرًا في تفاصيل صغيرة قد لا ننتبه إليها في حياتنا اليومية، لكنه يظهر فجأة وبقوة عندما نرى وجهًا يشبه وجوه أهلنا، أو نسمع لهجة اعتدنا عليها، أو نستمع إلى أغنية أعادتنا سنوات إلى الوراء، أو نلمح علم وطننا يرفرف بعيدًا عن أرضه.
وحين تدخل مهرجانًا عربيًا يجمع أبناء الجاليات العربية في بلاد الاغتراب، قد تشعر في البداية أنك بين شعوب وثقافات متعددة، وأنك في مكان بعيد عن وطنك. لكن ما إن تقع عيناك على علم لبنان من بعيد، حتى يتغير كل شيء.
تراه يرفرف بين الأعلام، فتتوقف للحظة.
ذلك العلم الذي اعتدت أن تراه في شوارع بلدك، فوق المدارس والمؤسسات، في المناسبات والأعياد، وفي كل مكان يحمل ذاكرة من ذكرياتك، يصبح في الغربة أكثر من مجرد راية. يصبح رسالة تقول لك: لبنان ما زال هنا… ونحن ما زلنا نحمله معنا.
تقترب من المكان، فتجد أبناء الجالية اللبنانية مجتمعين، تسمع أصواتهم ولهجتهم، ترى الابتسامات المألوفة، وتشعر أن المسافة بينك وبين الوطن بدأت تضيق.
فالغربة لا تعني أن ننسى وطننا، بل تجعلنا نكتشف مقدار ارتباطنا به.
قد نعيش سنوات طويلة بعيدًا عن لبنان، وقد نبني حياتنا في بلدان جديدة، ونتعلم لغات أخرى، ونتعرف إلى ثقافات مختلفة، وننشئ أبناءنا في بيئات جديدة، لكن هناك جزءًا من الذاكرة يبقى متعلقًا بالمكان الأول؛ بالمكان الذي بدأنا فيه حكايتنا.
وحين نرى العلم اللبناني في مهرجان عربي، فإننا لا نرى قطعة قماش بألوانها المعروفة فقط، بل نرى خلفها تاريخًا وذكريات وأشخاصًا وأماكن.
نرى البيوت التي تركناها، والقرى التي كبرنا فيها، وشوارع الطفولة، والمدرسة، ووجوه الأهل، ورفاق العمر، ونستعيد في لحظات قصيرة أيامًا كاملة من حياتنا.
نتذكر لبنان الذي عرفناه في أيام الفرح؛ لبنان الضحكة والبساطة، لبنان العائلة والجيرة، لبنان القهوة الصباحية، والسهرات الطويلة، والزيارات المفاجئة، والأعياد التي كانت تجمع الجميع حول مائدة واحدة.
نتذكر الأمان الذي كان يسكن في تفاصيل صغيرة؛ في صوت الأم وهي تنادي أبناءها، في اجتماع العائلة، في الطريق إلى المدرسة، في لقاء الأصدقاء، وفي تلك الحياة التي كنا نعيشها دون أن ندرك أن بعض تفاصيلها ستصبح يومًا من أجمل ذكرياتنا.
الغربة تجعل الإنسان يعيد اكتشاف قيمة الأشياء التي كان يعتبرها عادية.
فما كان يومًا مجرد جلسة مع الأهل يصبح ذكرى ثمينة. وما كان مجرد لقاء مع صديق يصبح حلمًا. وما كان مجرد شارع نمر فيه كل يوم يصبح مكانًا نشتاق إليه.
وهنا تكمن قوة الذاكرة.
فالإنسان لا يحمل وطنه في حقيبته عندما يسافر، لكنه يحمله في قلبه. يحمل لغته، ولهجته، عاداته، أغانيه، أطباقه، أمثاله الشعبية، وذكريات طفولته. ويحمل قبل كل شيء شعور الانتماء إلى المكان الذي ترك فيه جزءًا من عمره.
ولهذا، فإن وجود الجاليات العربية واللبنانية في بلدان الاغتراب ليس مجرد تجمع اجتماعي أو مناسبة ثقافية، بل هو مساحة لاستعادة الهوية.
المهرجان العربي يصبح مكانًا تلتقي فيه الذاكرة بالحاضر. تلتقي فيه الأجيال القديمة بالجديدة، ويلتقي الأبناء الذين ولدوا في بلاد الاغتراب بتاريخ أهلهم وثقافتهم ولغتهم.
وهنا تظهر أهمية الجالية في الحفاظ على الهوية، خصوصًا لدى الأطفال الذين يكبرون في مجتمع متعدد الثقافات.
فالطفل الذي يرى علم لبنان، ويسمع اللغة العربية، ويشارك في احتفال يحمل اسم وطن والديه، ويتعرف إلى الأغاني والأكلات والعادات اللبنانية، يبدأ في بناء علاقة مع وطن قد لا يكون عاش فيه طويلًا، لكنه يسمع عنه في البيت ويراه في عيون والديه.
إن الحفاظ على الهوية في الاغتراب لا يعني الانغلاق على الآخر، بل يعني أن نعرف من نحن، وأن نمنح أبناءنا فرصة التعرف إلى جذورهم، وفي الوقت نفسه نعلّمهم احترام الثقافات والمجتمعات التي يعيشون فيها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للتنوع الثقافي.
نحن نستطيع أن نعيش في كندا، ونحب كندا، ونكون جزءًا من مجتمعها، وفي الوقت نفسه نبقى لبنانيين نحمل لغتنا وثقافتنا وذكرياتنا.
فالهوية ليست جدارًا يفصلنا عن الآخرين، بل جسر يجعلنا أكثر قدرة على التعرف إلى الآخرين واحترام اختلافهم.
ولعل أجمل ما في هذه المهرجانات أنها تمنح المغترب لحظة استثنائية؛ لحظة يشعر فيها أنه ليس وحده.
حين ترى اللبناني إلى جانب اللبناني، والعربي إلى جانب العربي، تشعر أن الغربة أقل قسوة، وأن هناك مساحة صغيرة تشبه الوطن.
وقد لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا أن نستعيد كل الأيام التي مضت، لكننا نستطيع أن نحافظ على ذاكرتنا، وأن ننقلها إلى أبنائنا، وأن نجعل من المناسبات الثقافية فرصة للقاء والمحبة والانتماء.
وفي لحظة ما، وأنت واقف وسط الحشود، قد ترفع عينيك لترى علم لبنان يرفرف في السماء، فتشعر أن قلبك سبقك إلى هناك.
إلى لبنان.
إلى الأرض التي تركناها، لكنها لم تتركنا.
إلى الوطن الذي قد تبعدنا عنه المسافات، لكن لا تستطيع أن تبعده عن ذاكرتنا.
وحينها نفهم أن الوطن ليس فقط المكان الذي نعيش فيه، بل المكان الذي يعيش فينا.
يكفي أن يرفرف علم لبنان في الغربة، حتى نشعر للحظات أننا عدنا إلى الوطن… وأن لبنان، رغم كل المسافات، ما زال يسكن في قلوبنا.
د. وفاء مروة بليطة
باحثة في الإدارة التربوية
في الغربة، تتغير علاقتنا بالأمكنة والذكريات. يصبح الوطن حاضرًا في تفاصيل صغيرة قد لا ننتبه إليها في حياتنا اليومية، لكنه يظهر فجأة وبقوة عندما نرى وجهًا يشبه وجوه أهلنا، أو نسمع لهجة اعتدنا عليها، أو نستمع إلى أغنية أعادتنا سنوات إلى الوراء، أو نلمح علم وطننا يرفرف بعيدًا عن أرضه.
وحين تدخل مهرجانًا عربيًا يجمع أبناء الجاليات العربية في بلاد الاغتراب، قد تشعر في البداية أنك بين شعوب وثقافات متعددة، وأنك في مكان بعيد عن وطنك. لكن ما إن تقع عيناك على علم لبنان من بعيد، حتى يتغير كل شيء.
تراه يرفرف بين الأعلام، فتتوقف للحظة.
ذلك العلم الذي اعتدت أن تراه في شوارع بلدك، فوق المدارس والمؤسسات، في المناسبات والأعياد، وفي كل مكان يحمل ذاكرة من ذكرياتك، يصبح في الغربة أكثر من مجرد راية. يصبح رسالة تقول لك: لبنان ما زال هنا… ونحن ما زلنا نحمله معنا.
تقترب من المكان، فتجد أبناء الجالية اللبنانية مجتمعين، تسمع أصواتهم ولهجتهم، ترى الابتسامات المألوفة، وتشعر أن المسافة بينك وبين الوطن بدأت تضيق.
فالغربة لا تعني أن ننسى وطننا، بل تجعلنا نكتشف مقدار ارتباطنا به.
قد نعيش سنوات طويلة بعيدًا عن لبنان، وقد نبني حياتنا في بلدان جديدة، ونتعلم لغات أخرى، ونتعرف إلى ثقافات مختلفة، وننشئ أبناءنا في بيئات جديدة، لكن هناك جزءًا من الذاكرة يبقى متعلقًا بالمكان الأول؛ بالمكان الذي بدأنا فيه حكايتنا.
وحين نرى العلم اللبناني في مهرجان عربي، فإننا لا نرى قطعة قماش بألوانها المعروفة فقط، بل نرى خلفها تاريخًا وذكريات وأشخاصًا وأماكن.
نرى البيوت التي تركناها، والقرى التي كبرنا فيها، وشوارع الطفولة، والمدرسة، ووجوه الأهل، ورفاق العمر، ونستعيد في لحظات قصيرة أيامًا كاملة من حياتنا.
نتذكر لبنان الذي عرفناه في أيام الفرح؛ لبنان الضحكة والبساطة، لبنان العائلة والجيرة، لبنان القهوة الصباحية، والسهرات الطويلة، والزيارات المفاجئة، والأعياد التي كانت تجمع الجميع حول مائدة واحدة.
نتذكر الأمان الذي كان يسكن في تفاصيل صغيرة؛ في صوت الأم وهي تنادي أبناءها، في اجتماع العائلة، في الطريق إلى المدرسة، في لقاء الأصدقاء، وفي تلك الحياة التي كنا نعيشها دون أن ندرك أن بعض تفاصيلها ستصبح يومًا من أجمل ذكرياتنا.
الغربة تجعل الإنسان يعيد اكتشاف قيمة الأشياء التي كان يعتبرها عادية.
فما كان يومًا مجرد جلسة مع الأهل يصبح ذكرى ثمينة. وما كان مجرد لقاء مع صديق يصبح حلمًا. وما كان مجرد شارع نمر فيه كل يوم يصبح مكانًا نشتاق إليه.
وهنا تكمن قوة الذاكرة.
فالإنسان لا يحمل وطنه في حقيبته عندما يسافر، لكنه يحمله في قلبه. يحمل لغته، ولهجته، عاداته، أغانيه، أطباقه، أمثاله الشعبية، وذكريات طفولته. ويحمل قبل كل شيء شعور الانتماء إلى المكان الذي ترك فيه جزءًا من عمره.
ولهذا، فإن وجود الجاليات العربية واللبنانية في بلدان الاغتراب ليس مجرد تجمع اجتماعي أو مناسبة ثقافية، بل هو مساحة لاستعادة الهوية.
المهرجان العربي يصبح مكانًا تلتقي فيه الذاكرة بالحاضر. تلتقي فيه الأجيال القديمة بالجديدة، ويلتقي الأبناء الذين ولدوا في بلاد الاغتراب بتاريخ أهلهم وثقافتهم ولغتهم.
وهنا تظهر أهمية الجالية في الحفاظ على الهوية، خصوصًا لدى الأطفال الذين يكبرون في مجتمع متعدد الثقافات.
فالطفل الذي يرى علم لبنان، ويسمع اللغة العربية، ويشارك في احتفال يحمل اسم وطن والديه، ويتعرف إلى الأغاني والأكلات والعادات اللبنانية، يبدأ في بناء علاقة مع وطن قد لا يكون عاش فيه طويلًا، لكنه يسمع عنه في البيت ويراه في عيون والديه.
إن الحفاظ على الهوية في الاغتراب لا يعني الانغلاق على الآخر، بل يعني أن نعرف من نحن، وأن نمنح أبناءنا فرصة التعرف إلى جذورهم، وفي الوقت نفسه نعلّمهم احترام الثقافات والمجتمعات التي يعيشون فيها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للتنوع الثقافي.
نحن نستطيع أن نعيش في كندا، ونحب كندا، ونكون جزءًا من مجتمعها، وفي الوقت نفسه نبقى لبنانيين نحمل لغتنا وثقافتنا وذكرياتنا.
فالهوية ليست جدارًا يفصلنا عن الآخرين، بل جسر يجعلنا أكثر قدرة على التعرف إلى الآخرين واحترام اختلافهم.
ولعل أجمل ما في هذه المهرجانات أنها تمنح المغترب لحظة استثنائية؛ لحظة يشعر فيها أنه ليس وحده.
حين ترى اللبناني إلى جانب اللبناني، والعربي إلى جانب العربي، تشعر أن الغربة أقل قسوة، وأن هناك مساحة صغيرة تشبه الوطن.
وقد لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا أن نستعيد كل الأيام التي مضت، لكننا نستطيع أن نحافظ على ذاكرتنا، وأن ننقلها إلى أبنائنا، وأن نجعل من المناسبات الثقافية فرصة للقاء والمحبة والانتماء.
وفي لحظة ما، وأنت واقف وسط الحشود، قد ترفع عينيك لترى علم لبنان يرفرف في السماء، فتشعر أن قلبك سبقك إلى هناك.
إلى لبنان.
إلى الأرض التي تركناها، لكنها لم تتركنا.
إلى الوطن الذي قد تبعدنا عنه المسافات، لكن لا تستطيع أن تبعده عن ذاكرتنا.
وحينها نفهم أن الوطن ليس فقط المكان الذي نعيش فيه، بل المكان الذي يعيش فينا.
يكفي أن يرفرف علم لبنان في الغربة، حتى نشعر للحظات أننا عدنا إلى الوطن… وأن لبنان، رغم كل المسافات، ما زال يسكن في قلوبنا.
د. وفاء مروة بليطة
35 مشاهدة
17 أغسطس, 2026
132 مشاهدة
16 أغسطس, 2026
582 مشاهدة
02 أغسطس, 2026